Shadow Shadow

آلان م. نوري

ليس بالحجر الصحي وحده يحيى الإنسان

2020.04.09 - 16:21

آلان م. نوري

آلان م. نوري في يوم 7 نيسان، بلغ العراق نقطة فارقة بأن تجاوز عدد المصابين فيه بوباء الكورونا الألف شخص. رغم جسامة هذا الخبر، إلا أن نسبة تفشي الوباء في العراق لازالت ادنى من نسب بلدان مثل الولايات المتحدة و اسبانيا و إيران و بريطانيا. انظر المخطط التالي الذي يقارن بين نسب نمو الوباء بين البلدان المذكورة و العراق.   ولكن هذه بداية خطيرة في بلد تكالب عليه الفساد و الحروب. فقد تضاعف عدد المصابين في العراق خلال اسبوع بأكثر من مرة و نصف. وإن استمر الحال على ما هو عليه الآن  في الأسبوع القادم، سيتجاوز عدد المصابين الـ 2500 شخص و بنهاية الشهر سيصل العدد إلى 15 ألف مصاب! من المؤسف حقا أن رغم جدية السلطات الصحية في مكافحة الوباء، إلا أنها لا تمتلك من الوسائل الفعالة سوى الحجر الصحي على المجتمع بأكمله. وهذا الحجر لا يطبق بنفس الجدية في كل التجمعات السكانية والمناطق. عدد من تأكدت إصابتهم في إقليم كردستان يبلغ ثلث مجموع من تأكدت إصابتهم في كل انحاء العراق رغم أن السلطات الصحية في الإقليم طبقت إجراءات التبعيد الإجتماعي و حظر التجول قبل المناطق الأخرى في العراق، و يشهد المراقبون أن الإلتزام فيها أفضل من باقي مناطق العراق. هذا يعني أن فحص المشتبه في إصابتهم يجري بصورة أفضل في الإقليم، مما يعني ايضا أن هنالك الكثير من المصابين الذين لم يجر فحصهم و تأكيد إصابتهم في العراق. و ازاء هذا المجهول لا يسع السلطات الصحية سوى تمديد إجراءات الحجر على المجتمع بأكمله ناس لا يصح الحجر الصحي ببطون وجيوب خاوية بعد مرور أكثر من شهر على درجات متفاوتة من فرض التبعيد الإجتماعي و المعاناة الإقتصادية المرافقة له، بات واضحا أن اغلب العوائل العراقية قد استهلكت ما خزنته من مؤن و أموال أو انها في طريقها إلى استهلاكها كليا. قبل انتشار الوباء كان نصف العراقيين يعيشون على خط الفقر أو حواليه، اما الآن وبعد أكثر من شهر من إجراءات التبعيد الإجتماعي من المنطقي أن نتوقع أن النصف هذا قد اصبح غالبية سكان العراق. للتعريف بمشهد الفقر في العراق قبل الوباء، انظر إلى المخطط التالي الذي اعده مجموعة من الباحثين العراقيين و الأجانب لحساب البنك الدولي:   المحور الأفقي يظهر فئات الدخل الشهري للأفراد بوحدة قياس ألف دينار. المحور العمودي هو نسبة السكان في العراق مقابل كل فئة دخل. مستوى الفقر، الذي حدده الباحثون بحوالي 77 ألف دينار للفرد الواحد في الشهر، هو مؤشّر بالسهم الأزرق. المنحنى الأزرق يمثل توزيع السكان حسب الدخل الشهري للأفراد في مدن العراق. اما المنحنى المتقطع الأحمر فهو لتوزيع السكان حسب الدخل الشهري للأفراد في الريف العراقي. الخط المنقط الأزرق يؤشر إلى مستوى الدخل الذي يحصل نصف الأفراد الساكنين في المدن العراقية على أقل منه (وهو 139 ألف دينار بالشهر). اما الخط المتقطع الأحمر فيقف دونه دخل نصف العراقيين من ساكني الريف (وهو 97 ألف دينار بالشهر). و لا يبتعد أكثر الناجين من الفقر المدقع عن خط الفقر سوى أقل من 100 دولار بالشهر، وهو الفرق الذي لابد قد تم محوه خلال هذا الشهر من إيقاف عجلة الإقتصاد بسبب إجراءات التبعيد. هذا المشهد البائس للفقر و التفاوت الطبقي في العراق قبل الوباء ينذر بإن  اغلب العراقيين الذين يٌطلب منهم المكوث في البيت حماية للجميع من كارثة إنسانية محدقة، سينحدرون إلى مستويات من الفقر تهدد فيها سوء التغذية حياتهم بنفس درجة تهديد الوباء. والخوف كل الخوف هو أن الناس سوف لن يلتزموا بإجراءات التبعيد الإجتماعي وسيخرقون حظر التجوال لمحاولة كسب لقمة العيش بأي طريقة كانت. قبل أسبوع خرجت الجموع في مدينة الناصرية، مركز ذي قار، افقر محافظات العراق، إلى الشارع تطالب بتوفير عيش المواطنين أثناء فرض التبعيد الإجتماعي. وللأسف تعاملت سلطات المدينة مع الأمر تعاملا أمنيا على عهدها منذ أن اندلعت انتفاضة تشرين، فجابهت المواطنين بالرصاص. تأمين عيش المواطنين أثناء إجراءات التبعيد الإجتماعي هو ليس هاجسا يساريا يهدف إلى إستغلال الرعب من الوباء لتمرير اجندة العدالة الإجتماعية في ظروف عصيبة، بل هو في صميم متطلبات الصحة العامة التي تهدف إلى حماية الجميع في العراق، أغنياءا و فقراء معا. فلكي تنجح حملة الحجر الصحي على كل المجتمع، و من اجل سلامتنا جميعا، و لكي تتحمل المستشفيات و الطاقات الطبية المتاحة حاجاتنا جميعا، لابد من إعاشة الناس في بيوتهم حتى لا يجبرهم الجوع و العوز إلى خرق الحجر. ما حدث في ذي قار لم يكن سوى انذارا بما هو قادم. إن لم يكن هناك تحرك جدي،  سيتكرر مشهده في كل انحاء العراق. في السابق، كان ميسورو الحال في العراق،كلما حدث في العراق ما لا يروق لهم، يأخذون عوائلهم و يرتحلون إلى البلدان المتقدمة. ولكن مع هذا الوباء المنتشر عالميا، بات هذا الحل غير متاح لهم. وأصبح نجاح إجراءات التبعيد الإجتماعي طوق النجاة الوحيد المتاح للجميع. من لم يهتم بمآل الفقراء في البلد قبل الوباء بات حياته و حياة عائلته مربوطا بمصير الفقراء. ناس لا تعيدوا اختراع الدولاب! كما أن التفكير في إختراع الدولاب، بعد حوالي 5500 سنة من إختراعه هو مضيعة للوقت و العقل معا، كذلك البحث عن آلية لضمان عيش المواطنين أثناء حملة التبعيد و الحجر الصحي، هو أيضا مضيعة للوقت و العقل معا. فمنذ احتلال الكويت و عواقبه الكارثية على العراق، و بعد فرض الحصار الدولي على البلد، تم تفعيل برنامج الحصة الغذائية، المعروف ببرنامج البطاقة التموينية، تحت إشراف الأمم المتحدة في العراق. هذا البرنامج أنقذ حياة الملايين من العراقيين أثناء محنة الحصار الدولي في التسعينيات، وأصبح بشموله الجميع بدون استثناء، العمود الفقري لإغاثة و إعاشة الجميع. نعم كان هناك سلبيات كثيرة في البرنامج. كان هناك فساد في إدارته، كان هناك هدر ونهب من قبل المنظمات الدولية المتعاقد معه عن طريق الأمم المتحدة، كان هناك تلاعب في كمية و نوعية مواد السلة الغذائية و المستلزمات الأخرى...ولكن من المسلم به أن لولا هذا البرنامج لكانت الآثار المدمرة للحصار الإقتصادي أسوأ بعشرات المرات مما عاناه العراقيون. ناس ماذا حصل لبرنامج البطاقة التموينية؟ بعد إسقاط نظام صدام والاحتلال الأمريكي للعراق، أصبح برنامج البطاقة التموينية، كغيره من البرامج والمؤسسات الخدمية والإنتاجية الحكومية بيد الحكام الجدد للعراق الذين، على إختلاف مذاهبهم و إثنياتهم و ثقافاتهم، يلتقون في صفتين خطيرتين: الأولى: أنهم يعتبرون الدولة وكل مؤسساتها و طاقاتها غنيمة حرب، ونهبها هو مما متعارف عليه بين المنتصرين. ولا يختلفون في هذا المجال إلا على من يستحوذ على أي مؤسسة! الثانية: هي أنهم،كجزء من إجراءات قبولهم في نادي المنتصرين، بات لزاما عليهم الاعتقاد بنسخة مشوهة و مرتبكة من آيديولوجيا النيوليبرالية التي طالبتهم بضرب الحديد وهو ساخن و تفكيك البرامج و المؤسسات العامة بدعوى القطع مع الأرث التوتاليتاري البعثي، وباتت مهمتم تسليم معاش الناس إلى قطاع خاص جديد نابع من نهب الدولة و مؤسساتها، و يتحكمون هم به.  بحلول عام 2010 نخر الفساد في جسد برنامج الحصة التموينية لدرجة أن لم يبق أحد يثق بالإعتماد عليه في معاشه.  ناس النيوليبرالية الزاحفة بعد هدر مئات المليارات من المال العام والثروات الوطنية في العراق منذ 2003، تفاقمت المشكلات المالية للحكومات العراقية المتعاقبة وفتح لجوئها إلى الإقتراض من المؤسسات المالية الدولية الأبواب على مصراعيها لتدخل هذه المنظمات بصيغة الأوامر في رسم السياسة الإقتصادية في العراق. فرض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي قوالب جاهزة لسياسات  ذات طابع نيوليبرالي تهدف إلى تقليص الحجم الإقتصادي للمؤسسات العامة و انهاء أو تقزيم الدعم الحكومي المباشر للمواطنين. في عام 2010 و تحت اشراف البنك الدولي تم وضع خطة خماسية (من خمس سنوات) لتفكيك برنامج البطاقة التموينية. ذلك بدعوى انه برنامج مكلف، يحتاج إلى صرف 6 دولارات لإيصال كل دولار واحد إلى المواطن، و لأنه "يشوه" نظام السوق للأسعار في البلد و لا يُشرك القطاع الخاص بما يكفي. قررت الحكومة العراقية حينها تحويل البطاقة التموينية من برنامج يشمل جميع السكان في العراق إلى برنامج اعانة خاص بأفقر فقراء العراق، و تقليص مخصصاته في الموازنات السنوية تدريجيا واستبداله ببرامج الضمان والرعاية الإجتماعيين، كما يوضح ذلك المخطط التالي الذي قدمته وزارة التخطيط إلى "مخططي" البنك الدولي: و يفترض المخطط تقليص عدد المستفيدين من البطاقة التموينية إلى 10 ملايين شخص بحلول عام 2014 و تعويض المتضررين من التقليص (على الورق) بزيادة مفترضة في برامج الضمان والرعاية الإجتماعيين، وهي زيادة لم تحصل ابدا. وبشكل عملي تم تطبيق الجزء المتعلق بتقليص تخصيصات البطاقة التموينية. فبعدما كانت تشكل تخصيصات هذا البرنامج 5.6 % من الناتج الوطني في عام 2009، قُلّصت إلى 3.7% عام 2010، ثم إلى 2.8% عام 2011 ...إلى أن اصبحت تمثل حوالي 1% ، لا من مجموع الناتج الوطني، بل من ميزانية الحكومة العراقية في العام الماضي. ناس لم يعد البرنامج الذي عرفناه في التسعينيات  بعد تحويله إلى برنامج يعتمد عليه فقط افقر فقراء العراق و لا يتابعه بقية العراقيين، فقد انحدرت نوعية و كميات المواد المشمولة بالبطاقة التموينية بشكل مخيف. وبات متوسط القيمة الفعلية للمواد التي تصل العائلة العراقية من البطاقة التموينية لا يتجاوز الـ 15 دولارا ، و تقلص عدد المستفيدين الفعليين من البرنامج إلى أقل من ⅓ سكان العراق. في الأسبوع الماضي نشر مواطن عراقي فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي يعرض فيه ما استلمه من الحصة الغذائية لشهر آذار وكان عبارة عن 3 عبوات صغيرة من زيت عباد الشمس و 5 كيلوغرامات من السكر فقط. ناس يجب إعادة تفعيل البطاقة التموينية من الواضح أن النسخة النيوليبرالية الحالية لبرنامج البطاقة التموينية لن تٌجد نفعا يذكر في التصدي لإنتشار الوباء وآثاره الإقتصادية. لذلك يجب: أولا: إعادة تفعيل البرنامج بصيغته الشاملة لكل سكان العراق، بضمنهم من لم يسجلوا انفسهم لإستخفافهم بمآل البرنامج الحالي. ثانيا: تكليف القيادات العسكرية المتخصصة في الدعم اللوجستي، ممن اثبتوا كفائتهم في المعارك ضد تنظيم داعش، لإدارة و تنظيم البرنامج. ثالثا: وضع وحدات عسكرية مدربة بإشراف طبي، وبأعداد كافية، تحت امرة القيادة الجديدة للبرنامج لتقوم بأعمال توزيع الحصة الغذائية إلى بيوت المواطنين. رابعا: تحويل التوزيع من إجراء شهري إلى أسبوعي. خامسا: زيادة قيمة حصة الفرد الواحد إلى 100 دولار شهريا، على الأقل. سادسا: دعم الحصة الغذائية بشكل متزايد بالمنتجات الزراعية المحلية الطازجة على أن تُشترى من الفلاحين والمزارعين مباشرة دون وسطاء. سابعا: تعريف البرنامج كبرنامج حالة طوارئ و استمراره على هذا النحو لمدة لا تقل عن أربعة أشهر وأن يخصص له ما لا يقل عن ثلث ميزانية الحكومة العراقية لهذه السنة. إعالة 38 مليون إنسان لمدة أربعة أشهر، في بلد نفطي طاقته الإنتاجية تزيد عن 4 ملايين برميل نفط في اليوم ليس بالأمر المستحيل. و السؤال الواجب طرحه هو ليس ما إذا كنا قادرين على كلفة البرنامج المالية، بل يجب أن يكون: هل في وسع الطبقة السياسية الطفيلية التي تعتاش على الجسد المنهك للإقتصاد العراقي، هل في وسعها أن تمهل هذا الإقتصاد فسحة من الوقت إلى أن نعبر إلى بر الأمان في بحر الوباء والموت الذي يحيطنا؟ فما فائدة مص دم الناس إن لم بيق الناس؟