Shadow Shadow

خالد مطلك

باتمان صيني فوق ناطحات سحاب نيويورك!

2020.04.08 - 18:03

خالد مطلك

    ٠ خالد مطلك   " لم يعد العالم يفكر بامريكا، في الحقيقة، اذا تعرض الجنس البشري الى ازمة فانها الصين من ستقف الى جانبه" من اعلان صيني دعائي عن ازمة كوفيد ١٩   لم يترك الفيلسوف الالماني فريدرك هيغل نزرا يسيرا من الاخلاق الفردية للشخصية الصينية، الا ونسبها الى شخص الامبراطور وطاعة اوامره المطلقة، واصفاً المجتمع الصيني بمجموعة من الاطفال لن يظفروا لأنفسهم بأية حرية فردية مستقلة او مدنية "أعني انه نتاج للفهم بلا عقل حر ولا خيال حر.. لم يعرفوا ذاتية الكرامة" (1) فالصينيون والحديث لهيغل أيضا "مشهورون بالخداع حيثما استطاعوا، الصديق يخدع صديقه ويغشه دون ان يستاء احد او يمتعض من محاولة الغش.. وتتم الوان النصب عندهم بمهارة ودهاء حتى انه يتحتم على الأوربيين ان يحترسوا جدا من التعامل معهم" (2)   وينسب هيغل (ضعة الاخلاق) هذه لدى هذا الشعب لتبنيهم ديانة ال "فو" التي تنظر الى العدم المطلق على أنه الوجود الاعلى .   كلام فيلسوف المثالية الالمانية هذا ورد في مطلع القرن التاسع عشر، وإن مياهاً كثيرة جرت منذ ذلك الوقت، الذي كانت امريكا بالنسبة له "العالم الجديد" الذي ليس له تاريخ يذكر للحديث عنه في سياق فلسفة التاريخ، التي اخذ على عاتقه قراءتها وفق منطقه الجدلي المعروف.   لم يغامر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بالحديث عن الصين الشيوعية، كما فعل هيغل، الذي قرأ كتب الملوك ( تشو- كنغ) و ( واي- كنغ) التاريخيين ليخرج باستنتاجاته الاخلاقية تلك، واكتفى - فوكو- بحواره مع م. فونتانا عام ١٩٧٧ بالقول "اترك مسألة الصين مفتوحة لأني لا اعرف عنها شيئا" (3).   تقريبا، عند وسط المسافة الزمنية بين هذين الفيلسوفين، كان عالم الاقتصاد الشهير ماكس فيبر يعزو فشل تحول الصين الى نظام راسمالي الى افكارها الكونفوشيوسية والطاوية: " كما هي الحال في الصين في القرن ١٢ حيث كان كل شخص وكل شيء جاهز للتحول الى الرأسمالية. الا ان ذلك لم يحدث لان الأفكار الكونفوشيوسية والطاوية في ذلك القرن لم توفر الإطار الأيديولوجي الضروري لتطور الصين الرأسمالية لهذا السبب تأخرت الصين في التحول الى الرأسمالية، هناك تفاعل وليس أسبقية بين الأفكار والظروف المادية (4).   غير ان الصين في العقد الاخير كذبت نظرية فيبر تلك، وتبنت نهجا راسماليا هجينا يجمع بين اقتصاد السوق و" الحكومة شديدة المركزية" عبر عودة محمومة الى تعاليم كونفوشيوس نفسها التي عدها فيبر السبب، وقدمت نموذجاً اقتصاديا يثير الاعجاب، ولكنه وللاسف الشديد، ليس نموذجا حضارياً. فقد بقيت العبارة المصنعية الاشهر في عالمنا " صنع في الصين " مجردة عن اي مظهر ثقافي عميق، بل قد تشير في أحيان كثيرة الى اقتصاد التقليد المزيف الرخيص وقليل التكلفة.   اسوق هذه المقدمات، بمناسبة الحديث الاعتباطي الذي يجري تداوله هذه الايام عن انتظار الصين للعالم في نهاية نفق فايروس كوفيد ١٩ الذي تقول احدى الطرف المنتشرة في السوشيال ميديا "انه - الفايروس- الصناعة الصينية الوحيدة غير المقلدة". فهناك من يتوقع ان هذه الدولة "الغامضة" الى وقت غريب بالنسبة لفوكو، ستقود عالم ما بعد الفايروس خلفا لامريكا ومن ثم للحضارة الغربية، اذا افترضنا ان الولايات المتحدة هي وريثة هذه الحضارة ورأس حربتها.   فالصين المزدهرة اقتصاديا -حسب وجهة نظرهم- ستفكك النظام العالمي الماثل وتعيد صياغته على وفق نظريتها. لكن ما هي هذه النظرية! "المزيد من حرية السوق والسلع المقلدة، مع القليل من الحريات الفردية" سوق حر مع حكومة أبوية بالمعنى الامبراطوري التاريخي لهذا النوع من الحكومة. الذين يراهنون على هذه الفرضية، يتجاهلون ذلك عن عمد، او عن رغبة لاشعورية في التمني ولاسباب ايديولوجية في الغالب، فنسبة كبيرة من المعقبين هم من جذور ماركسية، وربما بنسخة (ماوية) أو (ستالينية) متخفية بمعطف الحتمية التاريخية. هؤلاء يركزون على دور الاقتصاد، وهو دور محوري بلا شك، ولكنهم ينسون ان امريكا ومعها الحضارة الغربية، هي ليست شركات عملاقة تخطت حدود الدول القومية في مرحلة تاريخية معروفة، وانما هي حضارة متكاملة البناء، قدمت الفلسفة والفن والموسيقى والعمارة والاخلاق الفردية طيلة قرون عديدة. وان الصين في هذا الجانب هي ليست اكثر من دولة غير مؤثرة ومغلقة على نفسها يطوقها سور الصين العظيم بالمعنى الثقافي لهذا السور. وانا شخصيا لا اعرف موسيقيا صينيا واحدا ولا معماريا صينيا واحدا. وان الفن التشكيلي الصيني مثلا لا يرقى باي درجة متواضعة الى فنون جاره الياباني ناهيك عن الغربي. لم اسمع في حياتي اغنية صينية، ولم اتابع دراما صينية، ولا اتذكر انني شاهدت فيلما صينيا اثار اعجابي. لم اقرأ رواية صينية ترسخ في الذاكرة، ولم احفظ بيتا شعريا واحدا (من هو اهم شاعر صيني!). وعدا عن كل هذا، فاللغة الصينية تحيلني الى الغموض.   لم اتحدث عن نيوتن صيني او انشتاين صيني ولا اديسون من بلاد الملياري انسان. وباستثناء البارود، لا اعرف شيئا جرى اختراعه في هذا البلد الذي يعد قارة كبيرة بتعداد نفوسه. وبالمنافسة مع امريكا وحدها، التي تعد طفلة مراهقة امام تاريخ الصين الذي يمتد الى اقدم الحضارات، فان هوليوود وحدها كفيلة بأن تجعلني مواطنا عالميا في حال جرت اي منافسة بين الثقافات. امريكا لا تجلس على قمة التل المعولم، لكي ياتي من يزيحها من هناك، امريكا ثقافة مبثوثة في هواء حياتنا، وموجودة بين ايدينا على هيئة هواتف ذكية غير مقلدة، وشبكة انترنت عالمية من اختراعها، ومنصات تواصل اجتماعي مسقط رأسها السيلكون ڤالي، وعلى الصين اذا فكرت - كما تدعو اعلاناتها الاحتفالية بتخلصها من دورة الكارثة التي تسببت بها - اذا فكرت بازاحة امريكا من موقعها فعليها ان تعمل ١٠٠ سنة في الاقل، على تحويل لغتها الى اللغة الثانية لاغلب شعوب العالم. وان تجعل من جامعاتها تحتل المراكز الاولى في الكوكب. وان تنشر فنونها لتزيح من ذاكرة البشرية اكثر 44 الف شريط سينمائي تم انتاجه حتى الان في هوليود، وملايين الاغاني وملايين اخرى غيرها من الاعمال الفنية والازياء وثقافة الطعام. فهناك قائمة طويلة تبدا من ستاربكس ولا تنتهي عند الكوكاكولا التي هي الان جزء من نمط حياة المدن الحديثة على امتداد خارطة الكوكب، لا يمكن وبأي سيناريو متفائل، ان تنافسها الصين بثقافة مطبخها التي اصبحت محل شبهة كونية منذ خريف ٢٠١٩.   قد نكره السيد ترامب بحكم الموضة المهيمنة على العالم، والتي يقودها يسار مشوه يعتاش على اخطاء الرأسمالية وكوارثها. قد لا نوافق وندين بشدة وحشية السوق وشراهتها. وقد نتذكر السيد كارل ماركس بكل احترام في الازمات الاقتصادية، او عند سماع شكوى مواطن لا يملك ضمانا صحياً في عالم مريض. لكن ما دخل الرأسمالية في انتشار فايروس مجهري عديم الرأفة ولا يتحرك بناء على نظريات ادم سميث وريكاردو وكينز؟ ماذا سيفعل رئيس اشتراكي كان ام راسمالي، جمهوري ام ديمقراطي، امام مثل هذه الكارثة اكثر مما يفعل السيد دونالد ترامب، الذي يقود فريقا وطنيا يتحدث الى مواطنيه كل يوم دون أن يكذب عليهم ؟.   عام ٢٠٠١ تعرضت ولاية نيويورك الى الهجوم الارهابي المعروف، وكتبت صحيفة اللوموند الفرنسية حينها عنوانا بالبنط العريض "كلنا امريكا" واليوم تشكل هذه الولاية العظيمة بؤرة خطيرة لهجوم -الفايروس الصيني- حسب تهكم ترامب، والعالم كله يعيش لحظة نيويوركية حقيقية وتشاركية بنفس درجة الألم، لان كوفيد ١٩ ينتقل دون مراعاة للحدود والثقافات، بينما الصين وحدها تصعد من درجة احتفالها اليومي بالانتصار على الرأسمالية.   من المفترض ان يكون هيغل متجنيا على الامة الصينية، عندما كان يلقي محاضرات فلسفة التاريخ مطلع القرن التاسع عشر، فحساسية الاخلاق الحديثة لا تقبل مثل هذه الاتهامات النمطية على الشعوب، ولكن ماذا سنقول له اذا ظهر الان وأشار باصبعه الى مهرجان الصين الكرنفالي واعلاناتها باللغة الانكليزية وبلكنة امريكية مشوهة وهي تشمت بالولايات المتحدة كما لو ان تناول حساء الخفافيش عادة نيويوركية .   نعم لا احد ينكر ان الباتمان هو اختراع الخيال الامريكي ولكنه خفاش ودود في كل الاحوال، وهو في النهاية لن يهزم بسهولة.     -------- مقتطفات هيغل عن الصين ١-٢ هي من محاضرات فلسفة التاريخ المجلد الثاني - العالم الشرقي ص ٧٢ وص ٨١ وما تلاها . ترجمة امام عبد الفتاح امام- دار التنوير   مقتطف ميشيل فوكو ٣ من نظام الخطاب ترجمة محمد سبيلا دار التنوير .     مقتطف ماكس فيبر ٤ من مؤلفه الاخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية ترجمة محمد مقلد - مركز الانماء العربي