Shadow Shadow

لقمان حاجي قادر

أزمة الحكم في العراق

2020.04.08 - 14:00

لقمان حاجي قادر

  لقمان حاجي قادر ترك النظام البائد المنهار سنة 2003، العراق في مرمی نیران النهج التقليدي في الحكم بتفاصيلها المملة ومعطياته المعقدة المتشعبة ومستجداته السلبية التي نتج عنها سوء ادارة الدولة و اهدار مواردها وتبديد طاقاتها. وامتد النهج السابق الی ان افرزت استحقاقات الانتخابات البرلمانية لسنة 2018، فئة سياسية جديدة علی رأس هرم الدولة العراقية، أرادت احداث تغير جذري في العملية السياسية برمتها. و في قمة الهرم، تبوأ برهم صالح منصب رئيس الجمهورية الذي ظفر به داخل اروقة البرلمان العراقي في عملية ديمقراطية فريدة، بتصويت النواب خارج كتلهم السياسية والأطر الحزبية الضيقة، و هكذا شد الرئيس العراقي رحاله الی بغداد وفي جعبته تراث غني في الحكم من اصلاحات وانجازات بنیویة، أهمها لجم تغول الحزب في مفاصل الحكم الذي اراد تكراره في بغداد.   شكلت المرحلة الجديدة انعطافاً مهما في الصيرورة التاريخية للعملية السياسية في العراق، و ذلك بتبني الفئة السياسية الجديدة و علی رأسهم الرئيس صالح، خارطة طريق غير مألوفة تجسدت في نقطتين محوريتين؛ التمسك باستقلالية القرار الوطني العراقي والنأي بالعراق من الانخراط في سياسة المحاور والتجاذبات الاقليمية والدولية والتي لا ناقة ولا جمل للعراق فيها. فانتخاب الرئيس العراقي بالصيغة المذكورة اعلاه، شكل مبادرة غیر مسبوقهة و طفرة نوعية جسدت الشق الاول من الاستراتيجية الجديدة، حیث كان قراراً وطنياً عراقياً خالصاً، خارج الاطر التقليدية الحزبية والمحاصصة القومية والطائفية.   في السياق ذاته وكخطوة مكملة، بادر الرئيس برهم صالح في عقد وتنظيم ندواتٍ وجلسات ٍحوارية تشاورية بين ممثلي الاطراف السياسية ونشطاء حقوق الانسان والمجتمع المدني والمثقفين و كافة شرائح المجتمع العراقي وعلی رأسهم المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف. مثلت الخطوة تجسیداً لتوسيع المشاركة السياسية لغالبية فئات المجتمع في صنع القرار السياسي وانعكاساً لروح الديمقراطية ومباديء حقوق الانسان في ادارة الدولة. وهكذا اصبح قصر السلام اطاراً و حاضنة للحوار البناء والهادف لتصويب المسار السياسي ولملمة الشمل والاجماع الوطني حول القضايا الجدلية والمشاكل العويصة التي افرزتها سير العملية السياسية التقليدية السابقة.   استطاعت رئاسة الجمهورية استمالة رئاستي الحكومة والبرلمان لنهجها واستراتيجيتها السياسية الجديدة، مشاركة الرئاسات الثلاثة في السير علی النهج نفسه، جعل رئيس الجمهورية يمسك بدفة السياسة الخارجية وادارتها باتجاه ترميم العلاقات مع المحيط الاقليمي والدولي علی اسس المصلحة المشتركة وعدم الانخراط في سياسة المحاور، بغية جعل العراق نقطة ارتكاز وتلاق للمصالح الاقتصادية للاطراف المتصارعة. و كان مؤتمر الرياض مثالاً ناجحاً للنهج الجديد، حيث امتنع الوفد العراقي عن التوقيع علی بيانه الختامي حرصاً علی عدم المساس باستراتيجيته الجديدة.   و في نفس السياق، تم الالتفات نحو ترميم العلاقات المتشنجة و القضايا العالقة بين بغداد واربيل، ادراكاً لاهميتها، كونها مكمن قوة لا غنی عنها للطرفين، فافرزت تقارباً ثنائيا وزياراتٍ متبادلة و تصريحات مماثلة تعكس رغبة الطرفين فی الجنوح لحلحلة مشاكلهم العالقة المنهكة‌ للطرفین والخانقة لمزايا القوة و النفوذ. للوهلة الاولی بدا للجمیع بأن السياسة الجديدة تسير علی ما يرام، لكن تدهور الاوضاع الداخلية كحصیلة لتفاقم المشاكل المتراكمة، ادى الی اندلاع الاحتجاجات الشعبية نتيجة لرداءة الخدمات المقدمة للمواطنين وسوء ادارة الدولة التي نخر الفساد كافة مفاصلها. كانت مطالب الشارع العراقي مشروعة، فوقف الرئيس في صفهم و أيد مطالبهم واستنكر طريقة و كيفية تعامل الجهات الامنية معهم. ليس هذا فحسب، بل و اضحی رأي الشارع العراقي ركناً اساسياً من اركان المشاورات المكثفة للخروج بالعراق من ازمته المزمنة، خاصة في عملية تكليف مرشحي رئاسة الوزراء، باعتبار ان السيادة للشعب اولاً و اخيراً. تفاقم الاحتجاجات الشعبیة نجم عنه سقوط حكومة عادل عبدالمهدي واشتدت معه ازمة الحكم، لاسيما بعد التنافر والتباعد بين اطرافها السياسية عامة والاطراف السياسية الشيعية خاصة وعدم توافقهم علی مرشح غير جدلي يلبي مطالب الشارع، من هنا زادت مسؤولية الرئيس العراقي في كيفية التعامل مع الواقع الجديد وتدارك وتصحيح وتصويب العملية السياسية قبل انهيارها المحتمل كلياً. و لسوء حظ العراق و شعبه، ولامبالاة حكامه بخطورة وحساسية المرحلة الجديدة في تأريخ بلادهم، لم تستمر ديمومة النهج الجديد كثيراً من قبل الاطراف السياسية، فسرعان ما ادركوا بان ديمومته ستفقدهم  استحقاقاتهم الحزبية الضيقة ونفوذهم  وسطوتهم في مفاصل الدولة، فلم يستوعبوا ولم يدركوا  اهمية الخطوات المنجزة للاستمرار في كسب ثقة الشعب العراقي مجدداً واصلاح ما افسدته ايديهم. و من هنا بدء انقلابهم علی رموز و قادة النهج الجديد عامةً ورئيس الجهورية خاصةً، و ذلك بعدم اكتراثهم للمطالب المشروعة للشارع  العراقي بترشيح شخصية سياسية مستقلة وغير جدلية تلبي الحد الادنی من مطالب الجماهير وتحافظ علی توازن سیاسة‌ العراق فی محیطه الاقليمي والدولي، فكثفوا حملاتهم علی رئیس الجمهوریة و ضغطوا عليه بشتی الوسائل للرضوخ لاجندتهم الخاصة من التلويح بمقاضاته قضائياً و نيابيا، التهديد والوعيد، بل وحتی المساس بسلامته الشخصية ومصلحته الحزبية. لكن كل ذلك لم يجدهم نفعاً، فلم يرضخ الرئيس و لم يخيب امال الشارع وتمسك بالدستور وسيادة الشعب اولا واخيراً، و بذلك ربح الجولة الاولی من السجال بين الشعب وحكامه بالوقوف مع  مبدأ سيادة الشعب و التسلح بروح الدستور. بعد خسارة الاطراف السياسية للجولة الاولی من السجال، غيروا من قواعد اللعبة السياسية باللعب علي وتر الاسقاطات السياسية داخل البرلمان، فأضحی محمد توفیق علاوي اول ضحاياهم بعدما تيقنوا بأن برنامجه الحكومي لا يلبي مطالبهم الحزبية. فعادوا بالعملية السياسية للمربع الاول وعمقوا الازمة اضعافاً مضعفة، و ساروا علی نفس المنوال بعدما مارس رئیس الجمهوریة‌ صلاحیاته الدستوریة بتكليف عدنان الزُرفي لتشكيل الحكومة، فلوحوا بإسقاطه في اروقة البرلمان بحجج واهية لا تمت للواقع و مصلحة الشعب بصلة كالتبعية للغرب وامريكا والخليج، والاغرب انهم طرحوا مرشحاً بديلاً له نعتوه سابقاً بنفس التهم التي يوجهونها الان للزُرفي! وهكذا راقت لعبة الاسقاطات السياسية للاطراف الشيعية وسايرتها في كثير من الاحيان الاطراف السياسية الكردية والسنية، وكان المبتغی الظفر بأكبر قدر ممكن من الامتیازات الحزبیة‌ والشخصیة، ضاربين بعرض الحائط المصلحة العامة وحقوق المواطنة لشعب بأسره. لو كتب لاستراتيجية الرئيس العراقي النجاح والتي بنيت اسسها علی بناء دولة المواطنة والوطنية الخالصة والنظرة الثاقبة والرؤية الشاملة لمشاكل العراق وازمة الحكم فيها، لما وصلت الازمة السیاسیة لما وصلت اليه الان، وبالرغم من مراوحة الازمة في مكانها والتشعبات المعقدة التی افرزتها، مازالت هنالك فرصة امام حكام العراق و شعبه و اطرافه السياسية والمجتمعية لتدارك المستجدات السلبية بروح وطنية ونفس المواطنة والنظرة العقلانية الموضوعية لواقع العراق ومحيطه الاقليمي والدولي التي لابد ان تبنی علی التوازن في القرارات داخلياً و اقليمياً و دولياً. يبدوا جلياً مما سبق، عقم آلية التعامل مع الازمة الراهنة، و شحة المرشحين الملبين لمتطلبات المرحلة الانية، وتراكم الازمات المستجدة علی سابقاتها، و عدم جدوی المراوغات والالتفاتات السیاسیة نفعاً، فمهما طال امد الازمة، لابد من الرجوع الی الحاضنة الوطنية التي تسع الجميع و تصل بالسفينة السیاسیة العراقية الی بر الامان.