Shadow Shadow

آلان م نوري

كيف تسترجع ربع مليار دولار في نظام سياسي فيه حد أدنى من الديمقراطية؟

2020.03.29 - 22:01

آلان م نوري نشرت الصفحة الكردية لـ  ناس نيوز، يوم 3 مارس، متابعة كتبتُها لخبر نشرته وكالة بلومبيرغ الأمريكية التي ذكرت أن شركة النفط الروسية العملاقة (روسنفت) قامت بدفع مبلغ قدره 250 مليون دولار في السنة المالية 2017-2018 ثمن "استشارة" قدمها شخص، ترفض الشركة إعلان اسمه، أدت إلى ضمان موافقة حكومة إقليم كردستان على شروط روسنفت في صفقة قرض قدمته الشركة إلى حكومة إقليم كردستان بمبلغ 3 مليارات دولار، تدفع أقساطها مع الفوائد من مبيعات النفط المستقبلية في الإقليم. وقد اعيدت جدولة هذا الدين لاحقا، فحول 1.8 مليار منه إلى ملكية روسنفت لـ 60% من انبوب النفط الوحيد الذي يصدر نفط الإقليم إلى الخارج. ويدر هذا الأنبوب أرباحا لروسنفت قدرت بأكثر من 6 أضعاف متوسط العائد السنوي على الاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة غرب آسيا. وقد كُشف أمر هذه الصفقة قبل اسبوعين من نشر الخبر، حينما نشرت شركة روسنفت للبترول المساهمة في الشرق التي مقرها سنغافورة، وهي شركة منبعثة عن الشركة الأم روسنفت الروسية، نشرت توضيحا بشأن تقريرها المالي الصادر نهاية 2019 عن نشاطاتها للسنة المالية  2017-2018، والتي ذكرت فيها أنها دفعت عن طريق شركة سويسرية أخرى منبعثة عن روسنفت، مبلغا قدره 250 مليون دولار إلى شخص ثالث لقاء خدماته الإستشارية في ضمان عقدهم مع حكومة إقليم كردستان. دافعت روسنفت - سنغافورة عن هذا الإجراء بأن اشارت إلى أن جميع تعاملاتها بهذا الصدد خضعت للتدقيق المالي الاصولي، وأن ما دفعته يتفق مع النسب العالمية للعمولات مقابل الأرباح المتوقعة. كتبت في المتابعة أن هذا المبلغ هز أركان الصحافة الإقتصادية في العالم لكونه يفوق اربعة أضعاف متوسط الحد الأعلى السنوي لمدخول الإستشارات الأغلى في العالم. ادى نشر هذا الخبر في أوساط السوشيال ميديا في إقليم كردستان إلى تداوله من قبل البرلمانيين و السياسيين في الإقليم، وهو أمر متوقع و صحي في أي نظام سياسي يصف نفسه بالحد الأدنى من الديمقراطية. في يوم 27 آذار الجاري، نشر د. جوتيار عادل، المتحدث الرسمي لحكومة إقليم كردستان، تصريحا رسميا موجها إلى الرأي العام و مخاطبا نوابا من كتلة التغيير البرلمانية في برلمان العراق، جاء فيه: "نؤكد أن فخامة السيد مسرور البارزاني، رئيس الحكومة كان قد طلب قبل مدة من المدعي العام (في الإقليم) إتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقيق في إدعاء أن هناك من استلم مبلغ 250 مليون دولار كعمولة من شركة روسنفت" جدير بالذكر هنا أن تصريح د. جوتيار بشأن متابعة الحكومة لهذا الخبر يتنافى مع تقاليد الحد الأدنى من الديمقراطية في العالم. إذ لا مجال لإنكار أن "استشارة" قد تمت وأن المبلغ المذكور قد دفع حقا من قبل روسنفت. كما انه معلوم ايضا أن المبلغ المدفوع للـ"أستشارة" وإن كان من وجهة نظر روسنفت مبررا من الناحية الإقتصادية لضخامة الأرباح المتوقعة، إلا انه ليس كذلك من منطلق المصلحة الإقتصادية لإقليم كردستان. إذ أن شخصا ما، قريبا إلى هذا الحد من مركز القرار في الإقليم، بدلا من الذود عن مصالح المواطنين في الإقليم، مثّل مصالح شركة دولية عملاقة، و اكسبها ارباحا عن طريق الإضرار بالصالح العام في الإقليم ضررا نتج عنه ربح فوق العادة للشركة لدرجة انه بذلك "استحق" مبلغ 250مليون دولار من الشركة. وهناك احتمالين، لا ثالث لهما: الأول هو أن هذا الشخص لم يُعلم سلطات الإقليم بدوره كمستشار للشركة المعنية في المفاوضات، وهذا يعني انه ارتكب جريمة مخيفة بحق مواطني الإقليم و اساء إلى حكومة الإقليم اساءة مكلفة جدا. الثاني هو أن هذا الشخص كان معرّفا لدى سلطات الإقليم كمستشار للشركة المعنية. وهذا يعني أن مساهمته في تحريف المسار التفاوضي لحكومة الإقليم في عقد ضخم يتعلق بثروة طبيعية مملوكة على الأقل لمواطني إقليم كردستان، إن لم تقبل الحكومة بالمبدأ الدستوري القائل أن النفط مملوك لكل الشعب العراقي. وهذا يدل على تواطؤ على اعلى مستويات السلطة في الإقليم في عملية فساد حكومية كبرى. إذا قبلنا بالإفتراض الأول، فإن كشف اسم هذا الشخص لا يتم إلا عبر إجبار روسنفت على كشفه، وذلك بتهديدها بإجراءات قانونية حسب القانون الخاص الدولي في المحاكم الدولية، وهو أمر ليس من صلاحيات المدعي العام في الإقليم، بل وزارة الخارجية العراقية، أو على الأقل الممثلين القانونيين لحكومة إقليم كردستان في محاكم القانون الخاص الدولية التي لابد قد تم تشخيصها في العقد الذي وُقع بين روسنفت و حكومة الإقليم. أما إذا قبلنا الإفتراض الثاني، فهذا يعني اننا نوجه أصابع الإتهام إلى أرفع مستويات القرار في إقليم كردستان. لذلك الطلب من المدعي العام التحقيق في الأمر هو أمر مستغرب. فهو موظف ادنى مرتبة من هذه المستويات التي يفترض أن يحقق في سلوكها.  في النظم السياسية التي تنعت نفسها بالحد الأدنى من الديمقراطية، يعين البرلمان محققا مستقلا بقانون يضع سلطاته التحقيقية فوق كل السلم الوظيفي للحكومة و يعتبره مسؤولا أمام الرأي العام فقط. فلا احد يقدر أن يفلت من التحقيق مهما عظم شأنه في النظام السياسي. وهذا ما يجب أن يحصل في الإقليم. أن شطف مبلغ مثل 250 مليون دولار في اوج الأزمة المالية لحكومة إقليم كردستان كان مكلفا جدا لإقتصاد الإقليم. اما الآن، و مجتمعنا يحاول التصدي لخطر الوباء المهدد لحياة و معاش المواطنين، فإن الحاجة اليه قد تضاعفت عشرات المرات. أمامنا أيام صعبة قادمة. على حكومة إقليم كردستان، في هذا الوقت الحرج أن تتمسك بالمصداقية و الشفافية مع المواطنين. استعادة 250 مليون دولار في هذا الوقت الصعب هو بداية ضرورية لإعادة الثقة إلى نفوس مواطني الإقليم القلقة.