Shadow Shadow

اقترضنا عدة أسابيع من الوباء والموت... كيف نستثمرها؟

2020.03.27 - 17:42

 آلان م نوري على الرغم من تشديد إجراءات التبعيد الإجتماعي و حظر التجوال، و بدرجات متفاوتة من النجاح، في محافظات إقليم كردستان و العراق، فإن أعداد المعلنة الرسمية لمن ثبت إصابتهم بوباء كورونا هذا الاسبوع تبعث على القلق. الأرقام تشير إلى تضاعف عدد المصابين المثبت إصابتهم من يوم إلى آخر. ورغم أن العدد الكلي المعلن للمصابين لازال لحسن الحظ، قياسا بغيرنا، قليلا (كان لغاية اليوم، 27 آذار، 458 شخصا تأكدت إصابتهم لدى السلطات الصحية) ولكن هذا التضاعف اليومي لأعداد المصابين الجدد ينذر بتضاعف أسبوعي للعدد الكلي للمصابين المؤكدة إصابتهم. وهذا يعني اننا ماضون نحو الأوضاع المؤسفة للبلدان الأخرى التي تنهار المنظومة الصحية فيها أمام أعين مواطنيها كل يوم. انظر إلى المخطط التالي لعدد الإصابات المؤكدة الكلي حتى يوم 26 آذار. أن هذا المنحنى الذي بدأ يظهر في العراق هو نفسه الذي كان ناقوس الخطر في كل البلدان التي ابتليت بالوباء. من الواضح أننا لو فشلنا في تمديد وتشديد إجراءات منع التجول وفرض التبعيد الإجتماعي، على الأقل لشهر آخر، سنواجه كارثة انسانية هائلة في العراق. فإن قبلنا بمعدل مضاعفة اسبوعية لأعداد المصابين المؤكدين، فذلك يعني أن عدد المصابين في العراق سيرتفع الأسبوع القادم إلى 600 و الأسبوع بعده إلى 1200 و ثم إلى 2400 شخص.. و هكذا. هذا يعني أن لدينا بضعة أسابيع للإستعداد لصد كارثة إنسانية محدقة!   إن مراكز القرار السياسي في العراق مدعوة اليوم لأن تفهم و بسرعة أن إجراءات الترقيع و التباهي بالصغائر، كفتح ما يسمى بمستشفيات هنا وهناك، ما عادت تفي بالغرض. لذلك عليها:   اولا: وقبل كل شيء، أن تقوم بمركزة القرار والإمكانات الصحية لمجابهة الوباء. لأن تشتت و تكرار الجهود، أن كان شيئا عاديا في السابق، سيصبح بمثابة عمل اجرامي من الآن فصاعدا. أن مركزة و توحيد الإمكانات الطبية المدنية و العسكرية، و اتباع آليات القيادة والسيطرة العسكرية في ادارة هذه الإمكانات هو واجب آني اليوم و ليس غدا.   ثانيا: إن نجاح منع التجول و إجراءات التبعيد الإجتماعي القاسية، وقد مددت للتو إلى 11 نيسان، منوط بتوفير الحد الأدنى لمعاش من نطلب منهم ملازمة بيوتهم. ما خزنه المواطنون من مؤن آيل إلى النفاذ، ولايمكن أن تكون الكلفة الإقتصادية للوقاية من الموت و الوباء اقسى من وطأة الوباء نفسه على ملايين العراقيين. لذلك لابد من اعادة تفعيل نظام مركزة توزيع المواد الغذائية المعروف بنظام البطاقة التموينية لتشمل كل الأسر في كل التجمعات السكانية في العراق بغض النظر عن حيازتهم للبطاقات أو لا. يجب البدء فورا بتعداد كل الأسر القابعة في بيوتها، و تحسين الحصة بشمولها المنتجات الزراعية المحلية وزيادة قيمتها الشهرية إلى 200 دولار للفرد الواحد، وتوزيعها أسبوعيا إلى البيوت و بإشراف السلطات الصحية. ويجب أن تستمر هذه الإجراءات إلى أن تعود الحياة الإقتصادية في البلد إلى طبيعتها. ستكلف هذه العملية حوالي 220 دولار شهريا لكل شخص في العراق الذي عدد سكانه هو 38 مليون نسمة. و بما أن 20 دولار منها مغطاة بالبرنامج الحالي البائس للبطاقة التموينية (انظر:https://almadapaper.net/file/archiveto2615//1247/14.pdf)،  فأن الكلفة الشهرية الكلية لهذه العملية ستكون 7.6 مليار دولار.   ثالثا: التعيين الفوري لكل خريجي الكليات و المعاهد والثانويات الصحية (طب و تمريض)، تدريبهم و توزيعهم مركزيا. كما يجب تعيين طلاب المراحل الأخيرة في كل هذه الكليات و المعاهد و الثانويات بصفة مساعد للوظيفة التي كانوا سيشغلونها لو تخرجوا، وذلك من أجل رفع أعداد الأطباء و الممرضين و المهن الصحية الأخرى بنسبة لا تقل عن 50%. هذا يتطلب تعيين قرابة 17 ألف طبيب و 40 ألف ممرض و عامل صحي. سيكلف الأمر ما لا يقل عن 75 مليون دولار شهريا.   رابعا: نحتاج و بشكل عاجل إلى بناء مستشفيات ميدانية للحالات شديدة الإصابة بالوباء، على أن تكون كل اسرّتها من المعروفة بأسّرة  غرف الإنعاش. نحتاج على أقل تقدير لزيادة 100 سرير من هذا النوع في كل محافظة، على أن تكون في مستشفيات ميدانية قابلة للنقل من محافظة إلى أخرى حسب المستجدات. وبحسب تقدير خبير عراقي في ادارة المرافق الطبية، فإن مستشفى من هذا النوع ومجهز بكافة مستلزمات غرف الإنعاش من اجهزة التنفس و غسيل الكلي و فحص نسبة الغاز في الدم، بالإضافة إلى  أماكن لإقامة الطاقم الطبي ستكلف حوالي 10 ملايين دولار لكل مستشفى ميداني بـ 100 سرير خاص. أي أن كلفة تهيئة مستشفى واحدة في كل محافظة ستكون 180 مليون دولار، عدا الكلفة التشغيلية، المشار إلى الجزء الأكبر منها في الفقرة السابقة.   تكلفة هذه الحملة (الموضحة في ثانيا إلى رابعا) ستكون 7.855 مليار دولار في الشهر الأول و 7.675 مليار دولار لكل شهر بعد ذلك. و على السلطات السياسية تخصص ميزانية 4 أشهر على الأقل لهذه المواجهة مع شبح الموت الجماعي في البلد. أي أن كلفة الحد الأدنى لمجابهة هذا الخطر المحدق ستكون 30.9 مليار دولار.    قد يبدو هذا الرقم مهولا لدى القارئ الكريم، ولكن لو قارناه بميزانية العراق عام 2019 التي كانت 111.8 مليار دولار، فإنه لا يتجاوز الـ 27.6% من تلك الميزانية التي ضيّعت سدى ولا نرى لها اثرا في أي ناحية من نواحي حياة العراقيين.   خامسا: في عام 2019 كان المبلغ المخصص لرواتب الموظفين الحكوميين في الميزانية عبارة عن 52 مليار دولار، رغم أن أكثر من نصف الموظفين  يتلقون أقل من الفي دولار شهريا، و اغلبهم أقل بكثير. وطالما أن الجميع مطالب بالتضحية في زمن مواجهة الوباء القاتل، فلابد من وضع سقف اعلى للرواتب الحكومية بألفي دولار. و من زاده راتبه عن الفين يجب استقطاع الزائد خلال فترة مواجهة الوباء و إلى حين عودة الحياة الطبيعية. ووقتها يكون لكل حادث حديث. بما أننا لا نمتلك معلومات رسمية و اكيدة عن عدد موظفي الحكومة الذين سيشملهم هكذا قرار، ولا كم سيكون المبلغ المستقطع، لا نستطيع هنا تقدير مدى مساهمة هذا المقترح في توفير الأموال اللازمة لحملة التصدي المقترحة للوباء.  كما يجب الغاء كل عقود شراء الأسلحة والطلب من الدول المانحة للقروض والمساعدات العسكرية تحويلها إلى قروض و مساعدات لشراء المواد الغذائية و الطبية اللازمة.   سادسا: كما اقترحنا في مقال سابق، يجب الاقتراض من المواطنين لسد الثغرات المالية الناجمة عن حملة التصدي للوباء، و حث المواطنين على المشاركة في إقراض السلطات الصحية. ولو نجحنا في استحصال 100 دولار مقابل كل شخص ساكن في العراق من الأموال المدخرة لدى المواطنين، فسيكون ذلك كافيا لتمويل الحملة المنشودة و يزيد. للمزيد من التوضيح، انظر: كورونا في طريقها من مرض معد إلى وباء، فما العمل؟ إن بلدا مثل الولايات المتحدة، وعلى الرغم من القناعة المخالفة لمعظم الطبقة السياسية فيها، استطاع توفير ترليوني دولار لمواجهة وباء الكورونا و تداعياته الإقتصادية، و هذا المبلغ يساوي تقريبا نصف الميزانية الفيدرالية للعام الماضي. ويعتقد الكثير من الخبراء الأمريكان بأن هذا المبلغ لن يكون سوى الدفعة الأولى من دفعات لاحقة. ولو علمنا أن الولايات المتحدة ليست الأفضل في العالم في الإعتناء بالحاجات الملحة لمواطنيها، و أن دولا كثيرة فاقت جهودها في التصدي للوباء وآثاره الإقتصادية جهود الولايات المتحدة، فسنرى أن ما طالبنا به هنا ليس سوى مطالب متواضعة قياسا بما تقدمه البلدان لمواطنيها. اقترضنا بضعة أسابيع من الوباء والموت، لنحول دون هدرها في السائد المتعفن من أنماط السياسة و الحكم في بلدنا.