Shadow Shadow

مرة أخرى… إهمال إجراءات التبعيد الإجتماعي خطأ قاتل!

2020.03.25 - 23:13

آلان م نوري   نشرت مؤسسة Khan Academy للتعليم عبر الأنترنت فيلماً يستند إلى دراسة أجراها توماس بوييو لتخمين أعداد المصابين الحقيقيين من خلال البيانات الحكومية الرسمية المعلنة في كل بلد عن الإصابات بوباء الكورونا. يعتمد تحليله على المعلومات المستحصلة و المخمنة عن ثلاث عوامل محددة، نعرضها هنا مع محاولة تطبيقها على سيناريوهات مختلفة مستقاة من الأرقام الرسمية العراقية(لحد كتابة هذا المقال) للإصابات المؤكدة و الوفيات من جراء الإصابة بالوباء.  الحجم الحقيقي للإصابات في أي بلد يتضمن كل من تم التأكد من إصابتهم مضافا اليهم من اصيبوا ولم تتبين من إصابتهم السلطات الصحية في البلد، سواء لسوء ادارة عمليات الفحص أو لعدم ظهور ايا من الأعراض على بعض المصابين، أو ظهورها بشكل خفيف لا يميزها المصاب بها عن الأنفلونزا العادية.   يرى توماس بوييو أن الفرق بين الرقم المؤكد المعلن و الرقم الحقيقي يحدده ثلاث عوامل هي: أولاً: ماهي نسبة الوفيات إلى المجموع الكلي للمصابين المؤكدين في البلد؟ و تعتمد الإجابة على هذا السؤال، في المراحل الأولى من انتشار الوباء على البنية التحتية للخدمات الصحية في البلد(كعدد اسرة المستشفيات، الأطباء و الممرضين المتوفرين في البلد لكل ألف شخص من السكان). تؤثر هذه البنية التحتية على عدد الذين لديهم مشاكل صحية مزمنة تزيد احتمال الوفاة لمن يصاب بالوباء من بينهم.البنية التحتية للخدمات الصحية في العراق تعتبر من الأسوأ قياسا بدول الجوار و الشرق الأوسط و شمال افريقيا و متوسط العالم. انظر ما عرضناه في متابعة خاصة سابقة: تسطيح منحنى الكورونا واجب إنساني ووطني نسبة الوفيات إلى مجموع الحالات المؤكدة في العراق هي 8.54%. هذا يعني أن ما بين كل 11.7 شخصا تم تأكيد إصابته في العراق مات واحد منهم. هذه نسبة مهولة قياسا إلى المعدل العالمي الذي هو 4.45%. وحتى بالمقارنة مع إيران التي انتشر فيها الوباء بشكل وضع المؤسسات الصحية فيها تحت ضغوط هائلة، ولكن نسبة الوفيات إلى المصابين المؤكدين فيها هي 7.79% ، وهي نسبة أقل من العراق. علما أن عدد المصابين المؤكدين في إيران بلغ 24,811 شخصا، بينما في العراق هو 316. من المؤسف أن ما أفسده سنين طويلة من الفساد و نهب ثروات العراق و الأولويات الخاطئة لا يمكن تعديله على المدى القصير إلا جزئيا وعلى حساب عمال و كوادر الصحة في البلد و تعريضهم للإرهاق و الخطر. ثانيا: متى أصيب من توفوا بالوباء؟ أي كم يوما استغرق المرض من لحظة الإصابة إلى الوفاة؟ و الإجابة على هذا السؤال مرتبطة ايضا بمدى تقدم البنية التحتية للمنظومة الصحية في البلد، ولكن لعدم توفر البيانات في العراق، نعتمد متوسط الأرقام المتوفرة من أنحاء العالم التي تفيد بأن المرض يستغرق في المعدل خمسة أيام، قبل ظهور أي علامات على المريض، يكون فيها المريض قابلا لإصابة غيره عبر التلامس و التواجد بقرب الأصحاء. و في المعدل استغرق المرض 15 يوما من بدء ظهور علامات المرض إلى الوفاة. أي أننا نفترض أن الرقم في العراق هو نفسه متوسط الأرقام العالمية الذي هو 20 يوما يستغرقه المرض من الأصابة إلى الوفاة. هذا يعني أن من توفى اليوم مضى عليه 20 يوما كان فيها حاملا و ناقلا للوباء. و هذا العامل أيضا لا يمكن التحكم فيه على المدى القصير. ثالثا: ما هي سرعة انتقال الوباء في المجتمع؟ و بشكل أدق، كم يوما تستغرق العدوى ليتضاعف عدد المصابين اليوم؟ وجواب هذا السؤال مرتبط بالعادات و التقاليد و حجم الأسرة و سرعة تلاؤم السكان مع الأوضاع الجديدة في كل مجتمع. وهذا العامل هو الوحيد الذي نستطيع التحكم به بشكل جماعي لو أننا استطعنا الإلتزام بمتطلبات التبعيد الإجتماعي و التزمنا بيوتنا و تعاملنا مع الجميع كما لو كنا مصابين ناقلين للوباء و جنبنا الجميع التقرب و الملامسة لقدرنا أن نطيل المدة التي يستغرقها الوباء لمضاعفة عدد المصابين. وهذا سيؤثر بشكل جذري في التقليل أعداد الوفيات في البلد. لتوضيح ذلك، لنفترض 3 سيناريوهات مختلفة عن مدى نجاحنا الجماعي في السيطرة على العامل الثالث: السيناريو الأول: افتراض عدم قدرة المجتمع في العراق على التكيف مع متطلبات التبعيد الإجتماعي. و نتيجة لذلك تضاعف عدد المصابين الحقيقيين كل يومين. السيناريو الثاني: افتراض التطبيق الجزئي لمتطلبات التبعيد الإجتماعي، مؤديا إلى تضاعف عدد المصابين كل خمسة أيام. السيناريو الثالث: افتراض التطبيق الأمثل لمتطلبات التبعيد الإجتماعي، مؤديا إلى مضاعفة عدد المصابين كل عشرة أيام. ولنقم باحتساب العدد الحقيقي المتوقع للمصابين في كل سيناريو.
السيناريو الأول: بما أن كل شخص يموت اليوم كان حاملا للوباء و ناقلا له قبل ذلك بعشرين يوما، و أن الوباء في هذا السيناريو ينتشر بدون عائق بين الناس، فيتضاعف كل يومين. يوم صفر (يوم اصابة هذا الذي سيموت بعد 20 يوما): بما أن هنالك مصاب سيموت بعد عشرين يوما، إذا فهنالك 10 شخصا آخرين هم مصابون و سيتم اكتشافهم لاحقا. أي أن عدد المصابين الحقيقي في هذا اليوم هو 11، بينما عدد المصابين الذين تأكدت إصابتهم في الإحصاءات الحكومية هو صفر. هذا العدد سوف بعد يومين، أي يوم رقم 2 إلى 22 شخصا مصابا حقيقيا. و في اليوم رقم سيتضاعف الـ 22 إلى 44 مصابا. في اليوم السادس سيكون الرقم 88، و في الثامن 176، و في العاشر 352، و في الثاني عشر سيكون 704، و في اليوم الرابع والعشرين سيكون 1408، و اليوم السادس و العشرين 2816، و الثامن و العشرين 5632، و في اليوم العشرين، يوم وفاة هذا الشخص سيصل عدد المصابين إلى 11264 شخصا. أي أن وفاة كل شخص حسب هذا السيناريو يدل على وجود 11264 شخصا مصابا حقيقيا. و بما أن العدد الحالي لمن توفوا من جراء إصابتهم بالوباء في العراق هو حاليا 27 شخصا، إذا فإن العدد الحقيقي للمصابين حسب هذا السيناريو سيكون 27×11,264 = 304,128 شخصا. أي حوالي ثلث المليون شخص!.
السيناريو الثاني: ماذا لو استطعنا عبر الإلتزام الجزئي بمتطلبات التبعيد الإجتماعي أن نؤخر مضاعفة عدد المصابين إلى كل خمسة أيام؟ إذا يوم صفر سيكون مشابها للسيناريو الأول و سيكون عدد المصابين 11 شخصا. في اليوم الخامس سيكون العدد 22،  اليوم العاشر 44 و اليوم الخامس عشر 88، و اليوم الأخير 176 شخصا فقط. أي أن وفاة كل شخص حسب هذا السيناريو يدل على وجود 176 حالة اصابة حقيقية في البلد. عندها سيكون العدد الحقيقي للمصابين في العراق اليوم 27×176 = 4,752 شخصا. السيناريو الثالث: أما إذا التزمنا جماعيا و بصرامة بمستلزمات التبعيد الإجتماعي و استطعنا أن نؤخر مضاعفة المصابين إلى مرة كل عشرة أيام، إذا يوم صفر سيكون 11 شخصا، و اليوم العاشر 22، واليوم الأخير 44 شخصا فقط. أي أن وفاة كل شخص حسب هذا السيناريو سيدل على وجود 44 حالة إصابة في البلد. عندها سيكون الرقم الحقيقي في العراق اليوم 27×44 =  1,188 شخصا. أي اكتر من ثلاثة أضعاف الرقم المؤكد الحالي (316 شخصا). يزيد عدد المصابين في السيناريو الأول المرعب عن السيناريو الثالث المنشود 256 مرة. حتى سيناريو  الإلتزام الجزئي، على فداحة أعداد المصابين فيه، يقل هو الآخر عن سيناريو الرعب الأول بـ 64 مرة . لذلك كله، فعلى الذين يعتبرون مخالفة متطلبات التبعيد الإجتماعي نوعا من البطولة و تأكيدا لروح التمرد، أن يدركوا حقيقة مرة هي أن ما يعتبرونها ضربا من الشجاعة، إنما يجلب الموت بأضعاف مضاعفة لهم و لأحبتهم و اهلهم اولا ثم للناس جميعا. جلب الموت بجيوش مجيشة إلى الاحبة والأهل ليس عملا بطوليا و لا هو تمرد يحترم.