Shadow Shadow
قصصنا

لماذا انسحبت فصائل السيستاني من الحشد؟

بعد لاءات النجف الثلاثة: هل تتحول هيئة الحشد إلى تجمّع للفصائل الولائية ؟

2020.03.20 - 19:24
بعد  لاءات  النجف الثلاثة: هل تتحول هيئة الحشد إلى  تجمّع للفصائل الولائية ؟

بغداد – ناس

لم يسبق أن اتّضحت معالم "الفريقين" الرئيسين في الحشد الشعبي كما حدث خلال الساعات الـ 48 الماضية، مع تداول معلومات عن انضمام مجموعات في الحشد الشعبي تتبع مرجعية النجف الى الجيش العراقي.

 

السنوات الخمس الماضية من عمر الحشد الشعبي، مرّت وهو يراوح في منطقة تحديد هويته وفق 3 خيارات. بين أن يكون جناحاً عراقياً لمشروع المقاومة الإسلامية الذي يقوده الحرس الثوري كما يتحدث مسؤولون إيرانيون، أو أن يكون جسماً عسكرياً مستقلاً في تمويله وقيادته حتى عن المنظومة العسكرية،  فيما تذهب رؤى أخرى إلى إمكانية دمج مقاتليه في الجيش والقوات النظامية، على غرار بقية تجارب قوات التعبئة الشعبية التي تطبّع أوضاعها بعد انتهاء أسباب تشكيلها.

إلا أن التصريحات الأخيرة التي صدرت عن المتولي الشرعي للعتبة العباسية أحمد الصافي، والتي حملت عبارات شديدة اللهجة في إطار استقلالية وتمويل الحشد وعزله عن المؤثرات الإقليمية، بل والاستعداد إلى مغادرته، توحي بأن "خزين الصبر" لدى مرجعية النجف شارف على الإنتهاء، وأن المرجع علي السيستاني بدأ بالدفع تدريجياً نحو خطوات متسارعة لحسم قضية الحشد الشعبي، فالمرجع الذي استمر باستخدام مفردة "المتطوعين" في غالبية خطبه لوصف الحشد الشعبي، أكد مراراً أن الفكرة الرئيسة من وراء الحشد، كانت تقديم الدعم لأجهزة الدولة المنهارة، غير أن سلوك تيارات بارزة في الحشد، يُظهر اتجاهاً نحو منافسة الدولة وأحياناً تقويضها وفقاً لقراءات العديد من الخبراء الذين يحذرون من استمرار فوضى السلاح، والحديث هنا لا يبدأ بالتصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها أحد المقربين من الفصائل ودعا فيها إلى حل الجيش العراقي، ولا انتهاءً بالهجوم الذي شنّه قيادي في منظمة بدر ضد جهاز مكافحة الإرهاب أواخر آب الماضي، فضلاً عن الهجوم المتكرر ضد جهاز المخابرات الوطني.

ويأتي حديث الصافي بعد حادثتين مفصليتين، الأولى هي صدور بيان باسم "حشد المرجعية" (22 شباط الماضي) ينتقد فيه تسمية "ابو فدك" المقرب من الحرس الثوري، بديلاً لأبو مهدي المهندس، وهو أول بيان من نوعه يحوي عزلاً واضحاً لألوية العتبات الدينية عن بقية فصائل منظومة الحشد الشعبي. أما الحادثة الثانية، فهي الزيارة التي أجراها قادة الفصائل الأربعة إلى وزارة الدفاع وهم كل مِن "حميد الياسري - آمر لواء أنصار المرجعيّة (ل/٤٤)، وطاهر الخاقاني - قائد فرقة الإمام علي القتاليّة (ل/٢)، واللواء علي الحمداني -آمر لواء علي الأكبر (ل/١١)، وميثم الزيدي - قائد فرقة العبّاس القتالية (ل/٢٦)". وقلل خبراء ومحللون مقربون من الفصائل الولائية (المرتبطة عقائدياً بمرشد الثورة الإيراني علي خامنئي) من أهمية زيارة قادة حشد المرجعية إلى وزارة الدفاع، وعزوا تلك الزيارة إلى التنسيق العسكري في إطار محاربة تنظيم داعش، إلا أن تفسير الأوساط الولائية سرعان ما انهار على وقع "اللاءات الثلاث" التي أطلقها ممثل المرجعية.

الصافي، والذي يندر أن يتدخل في الشؤون السياسية والعسكرية إلا بتوجيه من المرجع علي السيستاني وعبر خُطب الجمعة، يحدد في تصريحات وجهها إلى الفصائل الأربعة، ثلاثة محاور رئيسة بشأن مصير الحشد الشعبي:

الوطنية

يؤكد الصافي في توجيهه الأول على "ضرورة أن تكون الفكرة وآليّات العمل والتنفيذ لقوّات الحشد الشعبيّ كلّها وطنيّة، وهذا ليس مطلباً جديداً بل هو مطلبٌ طبيعيّ وفي كلّ البلدان".

قيادة الحشد

وفي إشارة إلى ملف إدارة الحشد، والذي تسبب بإصدار فصائل العتبات بياناً أواخر شباط، يؤكد الصافي أن "المقاتلين الذين قاتلوا ورابطوا وأحرزوا النصر لهم كاملُ الحقّ في إشغال المواقع الإداريّة المتقدّمة في الهيئة، فهم قد صدّقوا الاستجابة للفتوى المباركة، ولسيّد الفتوى ومدينة الفتوى وبلد الفتوى؛ العراق العزيز الذي ينتظر منّا الكثير".

المحسوبية في توزيع المكتسبات

ويمضي الصافي في حديثه للفصائل الأربعة "تحمّلتم الحيف في أوقات المعارك وقد حاول البعض أن يحوّل الولاء إلى ولاءٍ شخصيّ، ومورست عوامل ضغطٍ كثيرة من جملتها شقّ الصفّ، فالذي معهم يُعطى جميع المكتسبات والذي يختلف معهم تُمنع عنه جميع المكتسبات، وهو أُسلوبٌ لا أخلاقيّ وبعيدٌ عن القيم الحقّة، ولا زالت بعض هذه الممارسات موجودة عند بعضهم، بل الأغرب من ذلك أنّهم يفترون على المرجعيّة صاحبة الفضل علينا وعليهم، فكيف يُمكن التعامل مع هؤلاء؟".

ويعيد حديث الصافي في النقطة الثالثة، إلى الأذهان، تصريحات لقائد فرقة العباس القتالية ميثم الزيدي أواسط العام 2016، حين اتهم قيادة الحشد الشعبي، التي كانت تحت إشراف فالح الفياض وابو مهدي المهندس، بالتمييز بين الفصائل، مستبعداً أن يكون للأمر علاقة بالأزمة المالية.

وقال الزيدي في حينها "إن قيادة الحشد تمنع المخصصات واللوجستيات عن فصيله (فرقة العباس)، بينما تزود بها فصائل أخرى".

وفي السياق ذاته، كان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قد اتهم قادة في الحشد بالإنفاق السياسي والانتخابي من ميزانية المقاتلين.   ويختم الصافي حديثه إلى فصائل العتبات بعبارة "أنتم لا تزهدوا بأحد.. ولكن مَن زهد فيكم فأنتم فيه أزهد"، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام خيارات عديدة، ليس آخرها أن تغادر فصائل حشد المرجعية منظومة الحشد الشعبي، لتتحول الهيئة إلى "جهة ولائية بحتة"، بما يشكله ذلك من مخاطر على المؤسسة التي بقيت طيلة السنوات الماضية تستظل بدعم المرجعية الدينية في النجف، وتستمد شرعية وجودها شعبياً من فتوى المرجع علي السيستاني، خاصة بعد زوال خطر تنظيم داعش. وطرح "ناس" جملة من الأسئلة على معاون قائد إحدى القوات الأربع التي حضرت اجتماع وزارة الدفاع، والذي نوّه إلى أنه سيتحدث عن رؤيته الشخصية للحراك الدائر.

 

يقول "يبدو أن الوقت قد حان لحسم عدد من الملفات المعلقة في قضية الحشد الشعبي، وأعتقد أن التوجه الحالي لدى الفصائل الوطنية التي لبت نداء المرجعية هو عدم الاصطدام بأي شكل من الأشكال مع أي طرف، بل المضي بالاجراءات الناجعة التي تحقق الغرض الأساس من تأسيس الحشد، وزيارة وزارة الدفاع كانت جزءاً من هذا الإطار، لا نسعى لاستفزاز أحد، لكن القرار المنفرد بتعيين نائب لرئيس هيئة الحشد أجبرنا على بدء سلسلة اجراءات لإيقاف ما نعتقد أنه تداعٍ قد تكون له تبعات خطيرة".

-  ولكن ألا تعتقدون أن هذا التوقيت قد يكون غير مناسب لهذا النوع من الهزات؟

"أبداً، شخصياً، أعتقد أن هذا هو التوقيت المناسب، غياب السيطرة على القرار الأمني والعسكري في البلاد ليس لُعبة، الجميع شاهد الإعتداء الأميركي الأخير على مطار كربلاء مثلاً، هذا ليس سوى جزءاً من تداعيات ضعف القرار الأمني والعسكري والتصرفات الفردية التي  قد يعتقد البعض أن من حقه القيام بها مادام يملك السلاح والشرعية، لكن مرّة أخرى، نحن لسنا بصدد افتعال أزمات، بل نتجه إلى وضع الأمور في سياقها الصحيح، الحشد كان نتاجاً لفتوى مرجع تدخل في وقت حاسم، وهب الملايين تلبية لدعواه حتى ضاقت بهم مراكز التدريب، لكن الأمور ذهبت إلى مناحٍ أخرى فيما بعد، ولو قرأتم تصريحات سماحة السيد الصافي الأخيرة، ستلاحظون كيف أثرت بعض القرارات على حجم الفصيل سين، وعدد الفصيل صاد، حصلت أخطاء كثيرة ووقع حيف، ولم نكن كحشد مرجعي جزءاً من أي تراشق في حينها مادامت المظالم مادية فقط، أما الآن فالوضع مختلف، هناك أسئلة تتعلق بمصير هذه المؤسسة، وسلوك مكوناتها، وهويتهم، ولو راجعتم تصريحات الشيخ ميثم الزيدي قبل سنوات، قالها بصراحة، ليس لدينا مطامح سياسية، او حتى رغبة بأن يكون للعتبات أجنحة مسلحة، وفصائل العتبات هي الأطراف المسلحة الوحيدة التي عبرت بصريح العبارة عن استعدادها لإلقاء السلاح فور انتهاء الحاجة له".

 - لكن كيف تقيّم تأثير حوادث مثل القصف الأميركي الأخير وقبله استهداف سليماني والمهندس على محاولة ضبط سلوك الفصائل وتوضيح آلية عمل الحشد الشعبي؟

"الاعتداءات الأميركية ساهمت بتغذية الفوضى بلا شك، لكننا نقول بوضوح أن ايقاف كرة الفوضى هذه لا تتم عبر الدفع بالمزيد من الفوضى.

موقفنا واضح من انتهاك السيادة العراقية، لكننا أيضاً نبحث عن ايقاف هذا التداعي، لذلك قامت الجهات المختصة برفع دعوى قضائية وتوكيل محامي أميركي، ونعتقد أن الخطوة فاجأت الجانب الأميركي الذي لم يكن يتوقع أن يكون ردنا من الجهة المجدية، وليس عبر الشعارات أو جر البلاد إلى مزيد من الفوضى، نحن أبناء هذه الدولة، ونعتقد أننا مسؤولون عن حياة ومستقبل ملايين العراقيين، ولن يُمكننا، كما سنحاول أن لا نسمح باتخاذ أي خطوات تقود إلى مواجهات كبيرة غير محسوبة تهدد مستقبل الأجيال العراقية التي تتسلم رايات الحروب جيلاً بعد آخر".

من جانب آخر، تحدث "ناس" إلى قيادي بارز في إحدى الفصائل الولائية للتعليق على ما يجري، سارع القيادي إلى نفي "وجود أي خلاف بين المجاهدين" ودعا إلى عدم "تصديق الحملات الإعلامية التي تستهدف تفتيت الحشد الشعبي".

القيادي الذي اشترط عدم ذكر اسمه أو اسم فصيله في أي تقرير يناقش هذا "الملف الحساس" وفق تعبيره، قال إنه "من غير الممكن إنكار وجود فراغ معنوي بعد مقتل القائد الفعلي للحشد الشعبي ابو مهدي المهندس، وهذا الفراغ قد يدفع بعض مكوّنات الحشد إلى الإقدام على تحركات قد يُفهم منها التبرّم أو ربما التلويح باتخاذ خطوات أكثر خطورة، لكن الحشد الشعبي مرّ بالكثير من التحديات المشابهة وتمكن من تجاوزها حتى في أحلك الظروف، وصولاً إلى تشرين الثاني من العام 2016، حين تم تسجيل نصر لا يقل عن انتصارات المعارك، وذلك بإقرار قانون الحشد الشعبي الذي لا يُمكن اغفال وجوده عند الحديث عن أي سيناريوهات مفترضة لمصير الحشد الشعبي".

وحول طبيعة "الخطوات الأكثر خطورة" التي تحدث عنها، وما إذا كان يتوقع خروج الفصائل غير الولائية من الحشد الشعبي، لتتحول الهيئة إلى تجمع أكثر وضوحاً للفصائل التي تدين بالولاء العقائدي لقائد الثورة الإيرانية علي خامنئي، أجاب: "هناك نقطة لا يتم توضيحها في الإعلام، وهي أن الخلافات في غالبها مالية وليست آيديولوجية أو عقائدية كما يتصوّر البعض، ولذلك يُمكن في أي لحظة أن يُعلن عن تفاهم مالي جديد أكثر عدالة بالنسبة للفصائل المعترضة، وحينها لن يكون مفاجئاً أن تظهر جميع الفصائل سواء التي تسمونها ولائية، أو الفصائل الأخرى، لتعلن استعادة وحدة الصف وتجاوز هذه المرحلة".

وختم "قلت أن أغلب الخلافات تتعلق بالتخصيصات المالية وكيفية توزيع ميزانية الحشد، لكن البعض يريد أن يرى عشرات الفصائل ومئات آلاف المقاتلين يتصرفون ويفكرون كرجل واحد، أعتقد أنه من المبكر ومن غير المنطقي أن تتطابق هذه الفصائل في الرؤى رغم خلفياتها المتنوعة، هذا مثالي وغير واقعي، نعم، هناك اختلاف في الرؤى وليس خلاف، فبعض الفصائل ترى أن ظروف العراق تحتم عليها الاستمرار كفاعل سياسي يُصدر مواقف في شؤون حكم البلاد وسياستها وحكومتها، فيما ترى فصائل أخرى أن فصائل الحشد الشعبي ينبغي أن تشابه الفرق العسكرية، أي بلا موقف أو تدخل سياسي، لا بصفتها جزءاً من الحشد الشعبي، ولا بأي صفة أخرى، وهذا الخلاف يُمكن أن تتم معالجته تدريجياً، لكنّي أعتقد أن الأولوية في هذه الفترة لمعالجة القضايا المالية، وهو ملف كان الراحل أبو مهدي المهندس يستعد لإحراز تقدم فيه قبل عملية اغتياله".