Shadow Shadow
آلان م. نوري

سيصعب على أسواق كردستان والعراق عموماً أن تستعيد عافيتها!

باحث عراقي يقارن بالأرقام بين العراق والبحرين وينشر رسوماً بيانية لإصابات كورونا

2020.03.17 - 19:35
باحث عراقي يقارن بالأرقام بين العراق والبحرين وينشر رسوماً بيانية لإصابات كورونا
بغداد - ناس قدم الباحث آلان نوري، مناقشة بالأرقام لعدد الأشخاص الذين تم فحصهم في عدد من الدول، فيما تحدث عن أبعاد قرارات حظر التجول على المجتمع العراقي سواءً في محافظات الوسط والجنوب أو إقليم كردستان. وفي المقال الذي نشره نوري عبر "ناس" (17 آذار 2020) فإنه "من الضرورة بمكان أن يُباشر العراق برفع نسبة الأشخاص الذين يتم فحصهم من مجموع السكان أسوة ببقية الدول، كالبحرين التي تصدرت الدول الأكثر اجراءً للفحوصات".  نص المقال: حملة التبعيد الإجتماعي الطوعية و منع التجمعات غير الضرورية و فرض حظر التجوال في مدن اقليم كردستان لمدة يومين، مددت البارحة إلى ثلاثة ايام اخرى، كلها إجراءات مفيدة و ضرورية ستساهم حتما في منع تفشي وباء الكورونا، لو أن الجميع التزم بها لمدة لا تقل عن ثلاثة اسابيع في كل انحاء العراق. ولكن في حين لا ننسى أن نثني على جهود السلطات الصحية في هذه الحملة، علينا أن نتصارح ايضا. فما عاد هناك وقت للمجاملات. https://www.nasnews.com/news/ الحجر على المجتمع بأكمله ليس بديلا عن فحص المشتبه في إصابتهم  الإجراءات القاسية التي نتبعها في الحجر على المجتمع بأكمله، هي مشابهة لما اضطرت اليها بلدان أخرى فشلت في فحص المشتبه بإصابتهم منذ البداية. اذ أن العراق، حاله حال الكثير من الدول تعامل في البداية مع المرض كمرض معد دخيل، و واجهه كغيره (وحيثما سمحت القوى السياسية الناخرة في سيادة القانون و النظام  من الداخل) بسد المنافذ الحدودية و فحص المشتبه بهم من الوافدين و المواطنين العائدين إلى البلد حصرا. ولكن مع تحول الكورونا إلى وباء عالمي و ظهور حالات انتقال المرض في داخل البلد، باتت المنافذ الحدودية ليست الأعلى في سلم الأولويات و بات لزاما الانتقال إلى إجراءات مكافحة الوباء في داخل البلد. دول العالم اصبحت تصنف في مدى فاعلية اجراءاتها بحسب نسبة من تم فحصهم إلى مجموع السكان. حسب موقع Worldometer، وحتى يوم 9 آذار، احتلت البحرين مركز الصدارة من حيث نسبة الذين تم فحصهم إلى مجموع السكان، وهو 0.491% من المواطنين البحرينيين. تلي البحرين كوريا الجنوبية التي تفحص كل يوم حوالي 10 آلاف من مواطنيها، ووصلت نسبة الذين تم فحصهم فيها يوم 9/3 إلى 0.409% من سكانها. لكي نصل في العراق إلى نفس نسبة البحرين، علينا أن نفحص حوالي 186 الف شخص في البلد. من المؤسف أن السلطات الصحية في العراق، بضمنها اقليم كردستان، لا تنشر أعداد الذين تم فحصهم، و لم تتقدم، لحين كتابة هذا المقال، إلى المواطنين بأي خطة للقيام بهذا العمل الملح على المدى المنظور. مقارنة الخط البياني التراكمي للأصابات في العراق بالبلدان الأخرى يظهر اختلافا يحتاج إلى تفسير. فهذا هو الخط البياني التراكمي للإصابات في إيران:   https://www.nasnews.com/news/ و ما يلي هو الخط البياني لثلاث دول اوروبية، هي فرنسا، المانيا ، و اسبانيا: https://www.nasnews.com/news/ و كما هو واضح، رغم اختلاف الأعداد و النسب من بلد إلى آخر، فسلوك الخط البياني متشابه في كل هذه الدول. و لننظر إلى الخط البياني للعراق الآن: كما هو واضح أن سلوك الخط البياني في العراق مختلف. قد يعني هذا أن الخط سيتجه في الايام والاسابيع القادمة بنفس اتجاه البلدان الأخرى، او انه يعني أن خطنا البياني هذا ليس إلا جزءا من صورة الوضع في العراق و ليس الصورة الكاملة. بدون معرفة حقيقية بحجم انتشار العدوى، لا يمكن تصور فاعلية أي إجراء سوى الحجر الصحي العام لكل المواطنين بمنع الجميع من الخروج من بيوتهم. أي أن السلطات الصحية حين لا تعرف من المصاب او المشكوك في اصابته لتحجر عليه، فإن الخيار المتبق الوحيد أمامها سيكون الحجر على الكل. و هذا ما يطبق حاليا في اقليم كردستان و تحاول السلطات الصحية تطبيقه في عموم العراق ابتداءا من اليوم. و يجب أن يكون معلوما أن الإستمرار في عدم فحص المشكوك في إصابتهم جميعا، سيطيل أمد الإجراءات القاسية للحجر على المجتمع ككل. ولكن فرصة البدء بعملية شاملة لفحص جميع المشتبه بإصابتهم لم تفت. بل كلما اسرعنا بذلك، نزيد من إمكان الانتهاء الناجح و السريع من الإجراءات القاسية التي يتضمنها الحجر الصحي، ومنها منع التجول، التي ستفرض على المجتمع ككل. وهاهي إيطاليا التي رغم تنفيذها إجراءات استثنائية في التبعيد الإجتماعي و حجرها على السكان، لكنها بدأت بالتوازي مع الحجر بالفحص المنتظم للمشكوك في إصابتهم، حتى بلغت المرتبة الرابعة في العالم من حيث نسبة المفحوصين إلى السكان. https://www.nasnews.com/news/ لكن فحصا شاملا كهذا مكلف! هذا صحيح، لأن ذلك يعني توفير عدة الفحص لقرابة 200 ألف شخص في العراق، بالإضافة إلى كلفة تعيين و تدريب جيشا من عمال الصحة و المختصين، و إدارة و تنظيم حملة جمع عينات الفحص و ثم عملية الفحص و توفير النتائج إلى السلطات الصحية ، كل هذه تكاليف يجب حسابها. و لو قدرنا أن فحص الشخص الواحد سوف يكلف 500 دولار، فإن ذلك يعني أن هكذا حملة سوف تكلف العراق حوالي 100 مليون دولار. و هو بالتأكيد مبلغ ضخم، ولكن ليس قياسا بما يهدر سنويا من المال العام في العراق ككل. خصوصا إذا أخذنا بعين الأعتبار عشرات الآلاف من عمال الصحة و المختصين الذين سيتلقون جزءا كبيرا من هذا المبلغ كأجور عمل، ولو بعقود مؤقتة. ولو قسنا السلوك الإقتصادي لهؤلاء بسلوك القطط السمان التي تنهب أضعاف هذا المبلغ من المال العام، فنرى أن عمال الصحة و المختصين سوف يصرفون الجزء الاعظم من رواتبهم في شراء حاجاتهم الاساسية من الأسواق المحلية في البلد. أي أن المضاعف الإقتصادي في الاقتصاد الوطني لصرف هذه الرواتب سيكون بعامل لا يقل عن 0.75. أي انهم سوف يصرفون 75 سنتا من كل دولار في السوق الوطنية و يتم تدوير هذا المبلغ في الإقتصاد مرات عديدة قبل أن يختفي اثره. أما القطط السمان التي اعتادت نهب المال العام فرقم مضاعفها معكوس. أي أن هذه الفئة المتخمة أصلا تسحب 75 سنتا من كل دولار تنهبه، من السوق الوطنية، اما اكتنازا أو تحويلا إلى الخارج. https://www.nasnews.com/news/ الكلفة الإقتصادية لعدم اجراء الفحص الشامل لكل المشكوك في إصابتهم تجربة اقليم كردستان في منع التجول (نحن في اليوم الرابع حاليا) و حملة التوعية التي سبقتها لحث الناس على الإبتعاد الإجتماعي انتجت خسائر اقتصادية كبيرة، آثارها الحقيقية لا تحس حاليا، لأن معظم الناس اعتادوا سنوات الضنك و الحصارات الإقتصادية المتنوعة، ومن له القدرة المالية اعتاد على خزن المواد الغذائية و التحسب للطوارئ، وما أكثرها في العراق. ولكن هنالك نسبة كبيرة من سكان العراق الذين يعيشون على خط الفقر او تحته تقدر بـ 25% من السكان، وهم من لن يجدوا ما يأكلوه اليوم إذا لم يعملوا البارحة. في اقليم كردستان هنالك متلق واحد لدفوعات حكومية مقابل كل ستة أشخاص، أي بمعدل شخص واحد في كل عائلة، ولكن اغلب هؤلاء يحتاجون إلى عمل ثان او ثالث لتأمين عيشهم. هذا يعني أن السكان في إقليم كردستان يعتمدون في عيشهم على صحة و ازدهار القطاع الخاص، من الكسبة و الباعة و الحرفيين الصغار إلى الشركات. فرض الحجر على المجتمع بأكمله بدأ يعطل هذا القطاع مفصلا بعد آخر كل يوم. بدون أي دعم أو عون، سيكون استمرار إجراءات الحجر لاغلب المشغّلين الصغار حكما بإفلاس لن يستطيعوا النهوض من بعده. وستتطلب إعادة الثقة بالأسواق في الاقليم والعراق ككل، انفاقا تدخليا من قبل السلطات السياسية يفوق بكثير الـ100 مليون دولار التي هي الكلفة التخمينية لعملية الفحص الشامل. الصين و كوريا الجنوبية جارتان حققتا نجاحا ملحوظا في التصدي لوباء الكورونا. كما يبين هذا المخطط الذي يعرض الإصابات اليومية في البلدين.   الصين فرضت حجرا قاسيا على مجتمعات بأكملها و حولت مدنها إلى معتقل كبير و سيطرت بذلك على تفشي الوباء. ولكن كوريا الجنوبية حققت النتيجة نفسها، و لم تحجر على اكثر من بضعة آلاف كانوا من المشكوك في إصابتهم حصرا، لإنها كانت تفحص بشكل منهجي ومنظم، لذلك سيطرت على تفشي الوباء بكلفة بشرية و إقتصادية أقل بكثير.   بناءا على ما سبق، وفي حين نشد مرة أخرى على أيدي السلطات الصحية لقرارها الصائب في فرض صيغ متصاعدة من التبعيد الإجتماعي، ولكننا نحتاج أن ندفع السلطات السياسية إلى الكشف عن نسب الفحص الحالية و إعلان برنامج لتوفير الفحص لكل من يشتبه في اصابته بالوباء. فأيدينا على قلوبنا، اذ لا نعرف، على المدى القريب، ايهما سيكون اكثر رعبا، الوباء ام الآثار الإقتصادية من جراءه.   استطاعت القوى المتنفذة في العراق أن تمرر فاتورة كل المصائب التي حاقت بالبلد على المواطن، بينما لم يكف هي يوما عن بعثرة الثروة الوطنية للبلد و ما حرمت نفسها منها يوما. إن تركنا هذا الامر على حاله، فسنبخل علينا بمصاريف الفحص، و لن تغير نمط حياتها و سلوكها السياسي إلا إذا غيرناه نحن.