Shadow Shadow

مدرسة الذعر

2020.03.17 - 10:09

مشرق عباس منذ اللحظة التي ظهر فيها فايروس كورونا في الصين ومن ثم بدأ بالامتداد، كانت هناك مدرستان تحاولان التعاطي مع الحدث احداهما مدرسة تقليدية وتوفيقية وطبية سعت منذ البداية إلى عدم نشر الخوف حتى من خلال التهوين من آثار هذا الوباء، رغم انها لاتعرف شيئاً عنه فعلاً، فأصبح كل من يحاول التحذير مثيراً للذعر والهلع بين الناس، ومؤثراً على الاقتصاد وحركة الحياة الطبيعية بل وعلى الصحة العامة لأنه ليس من ذوي الاختصاص، وربما كافراً احياناً او مصاباً بفوبيا المرض. واقع الحال ان هذه المدرسة التي اعتمدت نظريات مثل تأثير الخوف في مضاعفة الأمراض او تأثير الإيمان في علاجها كانت قد تسببت بانتشار الوباء حتى في اوربا، لانها اعتمدت الثقة بالغيبيات اكثر من رجال الدين انفسهم، والفرق ان الغيبيات هنا هي الثقة بان العلم سوف يتكيف سريعاً مع هذا الوباء المفاجئ كما تكيف مع غيره. ولأن مشكلة هذا الفايروس ليست طبية بحتة، وانما اجتماعية وثقافية في الدرجة الاساس كان لابد من ظهور مدرسة اخرى تحاول التنبيه بعنف وتحذر برعب من الكارثة، لأن أنصارها لمحوا نمطاً مغايراً لما ينقل عن سلوك الوباء من الصين الى كوريا واليابان وايران ثم اوربا وباقي انحاء العالم، من شأنه ان يؤثر جوهرياً على تركيبة وتمثيلات العلاقات الاجتماعية التي شيدت عبر التاريخ وليس في صحة البشر ومن يموت منهم او يعيش فقط. نعم.. كلنا نأمل ان يتم انتاج علاج او لقاح.. لكن هذه الآمال ليست اقل تزويراً من ادعاء دول عدم انتشار الوباء فيها. والاحتمال الذي يجب ان نستعد له ان نسبة كبيرة منا ستصاب به، من دون ان تمتلك حصانة الاصابة مرة ثانية وثالثة، الى حين اكتشاف علاج او لقاح جديد، ولكن كلنا كمجموعة بشرية، سنغير نمط حياتنا وعلاقاتنا واسلوب عيشنا تماشياً مع ضرورات هذا الوباء وتداعياته الاجتماعية والنفسية. ولهذا تحديداً قد يكون "الذعر" مفتاح خلاص البشرية في هذه المرحلة، فالأمر لايتعلق بمنع مريض سكر من تناول الحلوى، بل دفع مليارات من البشر تكيفت جيناتهم مع نمط علاقات اجتماعية ونشاطات وتمثيلات عاطفية ونفسية ودينية جماعية الى هجر كل هذا الإرث الجيني في لحظة واحدة واختيار حياة العزلة والتقشف في العلاقات والحذر المرضي من الاصابة. سوف يكتشف العلاج لامحالة.. ولكن ليس قبل الخوض في المأساة.. التي ستغيرنا. من اجل كل ذلك.. وبالنسبة لمجتمعنا والمجتمعات المجاورة التي تشاركنا البؤس والفساد وضعف الامكانات وانتظار حرب العلم مع الفيروس القاتل، الذعر اذا كان سيؤجل الكارثة املاً باكتشاف العلاج، أفضل من مدرسة التهوين والمراعاة النفسية التي لاتقوى على إجبار احد على المكوث في بيته او تشجيعه لتغيير عاداته الاجتماعية التقليدية الى حين مرور الموجة الكبيرة.