Shadow Shadow

ما الذي يمكن أن يفعله الوباء أيضا غير الموت؟!

2020.03.08 - 13:29

خالد مطلك اضطر البابا كليمنت السادس، بناء على نصيحة من الأطباء، أن يعيش في عزلة محيطًا نفسه بألسنة النيران الهائلة، التي كان من المفترض أنها تنقي الهواء. ومن هذه العزلة القاسية، وبعد ان مات ثلث الكاردينالات من أتباعه، أصدر مرسومين بابويين، الأول بمنح بركاته وغفرانه لجميع ضحايا الطاعون، والثاني يعفي اليهود من تهمة التسبب في هذا (الموت الأسود)، الذي اجتاح أوروبا عام ١٣٤٧ وبسبب (نظرية المؤامرة) هذه، احرق الغاضبون ألفي يهودي في ستراسبورغ وبازل، بينما فر الآلاف من منازلهم إلى بولندا هربا من غضب الألمان. في تلك السنوات التعيسة، كانت الكنيسة البابوية تعيش ما عرف بالانفصال الكبير، لذلك كان كليمنت السادس يعيش في افينيون الفرنسية، والتي شهدت الأيام الثلاثة الأولى من دخول الطاعون إليها موت أكثر من ١٨٠٠ شخص، فليس من المستغرب ان نسمع، ونحن نتحدث هنا عن العصور الوسطى، ان ذلك الوباء الذي قتل ثلث سكان أوروبا، كان عقابًا سماويًا لا ريب فيه. تخبرنا الكتب التي تناولت تلك المرحلة بمزيج متناقض من سلوكيات الناس وهم يعيشون أخطر موجة موت عرفتها أوروبا في الأقل. في كتابه In the Wake of the Plague يذكر المؤرخ الكندي تورمان كانتور: ان بعض المؤمنين لجأوا إلى ممارسات التوبة العنيفة، وأخذ الكثير منهم يجلدون ظهورهم علنًا وهم يمرون في مواكب التعذيب الذاتي من مدينة الى أخرى. كما قام بعض المرضى بدفن أنفسهم، او جرى دفنهم احياء قرب مراقد القديسين. وفي مكان اخر من كتب المؤرخين، نعثر على ممارسات معاكسة على الصعيد الاجتماعي، ومن المفارقات، فإن تفشي الطاعون بهذا الشكل المروع، أدى إلى رغبة قوية في المحافظة على الاستقرار بشكل عام، حتى بعد ابتعاد الناس عن الاستقرار الذي توفره الكنيسة والشبكة الإقطاعية. وسجلت حالات كثيرة من اللهو والعبث وتناول الخمور، وتفشي نزعة تمجيد الحاضر على حساب المستقبل المجهول. وعلى غرار ما نشاهده هذه الأيام، وبصورة اقل، من رقص ولهو في المحاجر الإيرانية، وهو بظني ليس رقصًا من اجل رفع معنويات المرضى - كما يجري تداول ذلك -وإنما هو نوع من الإحساس العميق بالحياة في مواجهة الموت.. كثافة الموت تضطرنا في كثير من الأحيان إلى تكثيف لحظات الحياة. في الفن، أدت الصدمة الناجمة عن الطاعون إلى تبني الفكرة الشائعة (رقصة الموت) حيث صور الموتى تتفاعل مع الأحياء - وخاصة في الفنون البصرية، التي تزين شواهد القبور. في أماكن أخرى، تحولت دور العبادة الى زخارف هيكلية بشعة، عندما أخذ السكان المحليون العظام المختلطة من آلاف ضحايا الطاعون، وكدّسوها في منحوتات رمزية غريبة. مثال على ذلك كنيسة المقبرة لجميع القديسين في سيدليك في جمهورية التشيك التي سميت بكنيسة العظام. خروجا على أدب العصور الوسطى، الذي كان يركز على رفض العالم المادي، والإقبال على العالم الروحي، فإن الأدب العلماني شهد فورة من الانفتاح. دخلت العديد من عروض الموت الأسود في الوعي العام كأدب عظيم. على سبيل المثال، تُعتبر الأعمال الرئيسية لكل من بوكاتشيو (ديكاميرون)، بترارك، جيفري تشوسر (حكايات كانتربري)، وليام لانغلاند (بيرس بلومان)، التي تناقش جميعًا الموت الأسود، من أفضل الأعمال في عصرهم. إلى جانب هذه الأعمال الرصينة، ظهرت كذلك قصص الحب، والجنس الشهواني الفاضح، وأدب ما تحت الحزام وغيرها من وسائل الترفيه، التي تعمل على صرف انتباه الناس عن قلقهم من الطاعون وتعاليم الكهنوت في نفس الوقت. انتعشت موجة من الروح الكرنفالية، التي اعقبت التشدد الديني للعصور الوسطى، والتي يتحدث عنها ميخائيل باختين في كتابه فرانسو رابليه- الفنون الشعبية في العصر الوسيط. وتناول فيها كل تلك الممارسات التي تسخر من الحياة المتزمتة، ونفاق الكهنة عبر الإفراط في التسافل المرح والاحتفالي. وبعد أقل نصف قرن على الوباء، ظهر تيار الفلسفة الإنسانوية، وبدت معالم إلحاد جديد تنتشر بين صفوف الشباب. وبحسب المؤرخ جيري بروتون من جامعة أوكسفورد بكندا، في كتابه “عصر النهضة: مقدمة قصيرة جدًا” كان لـ”الطاعون” فضل كبير في تلك الفترة، حيث ساهم بشكل كبير في انتشار “العلمانية”، التي ازدهرت في أوروبا عمومًا، وفرنسا خصوصًا بعد عجز الكنيسة عن تقديم المساعدة ضد الموت الأسود. عندما نتحدث عن موت ثلث سكان أوروبا، وقبلهم ثلث سكان الصين بالوباء نفسه، فإن كتب التاريخ ستطلعنا على مشاهد من البشاعات المخيفة والمروعة عن موت الناس في الطرقات والبيوت، وتكدس جثثهم بطريقة مقززة في كل مكان. لكن يبقى الوباء، مثله مثل كل الأحداث المهيبة والمخيفة في التاريخ، سيترك أثره في سيكولوجية الأفراد والمجتمعات لزمن ليس قصيرا، وإن أول ضحاياه من غير الموتى، هي الأفكار السائدة عن معنى الدين، ودور الكهنة الحقيقي في الحياة، وتأثير القديسين على مجريات الأمور المادية. تتشوش الكثير من مقولات عقاب الكفار وامتحان المؤمنين، وتضطرب القناعات العاطفية والبنى الشعورية للأفراد والمجتمعات تجاه تصورهم عن العالم الذي يعيشون فيه. قبل أيام، انتشر فيديو لرجل دين عراقي موقر، بمرتبة كهنوتية كبيرة، يوجه اللوم للشعب الصيني لابتعادهم عن الله، وتناولهم الحشرات، وسخريتهم من حجاب المسلمات، فحل غضب السماء عليهم وألبسهم حجابا بلاستيكيا من قمة رؤوسهم حتى أخمص اقدامهم. رجل الدين هذا نفسه، يعيش الان في المحجر مصابا بنفس الوباء، ولا يسعني الا ان أتمنى له الشفاء العاجل. لقد أحرج هذا الرجل المحترم مريديه، كما أحرج أقرانه من رجال الدين، لأنه تحدث بلغة العصور الوسطية في عالم حديث، ينشغل فيه العلماء بفحص الـ (DNA ) للفايروس المجهري المستجد. إذا كان ثمة من يحاول أن يكتب تاريخ (كوفيد ١٩) سيتذكر حتما أن الديتول وباقي المطهرات ارتفعت اسعارها بشكل مجنون، فيما أغلقت بيوت الله أمام المؤمنين، وفي مقدمتها (الكعبة الشريفة) قبلة ما يقرب من ملياري مسلم، ومعها أغلقت أبواب سائر الأماكن المقدسة، وان بابا الفاتيكان الذي شمت أسلافه بالانفصاليين قبل خمسمائة عام، سيضطر إلى تأدية صلاة الأحد عبر الدائرة الفديوية، محاطا بعزلته وليس لديه سلطة إصدار الغفران عن الضحايا ولا تكذيب نظريات المؤامرة. إنها لحظة مؤسفة وحزينة للإنسانية، ولكنها مهمة في التاريخ، مهمة للتمييز بين المضادات الحيوية والجرعات الروحية. ليس هناك من منتصر ومهزوم في هذه المواجهة، سوى أن الحدود الفاصلة بين المختبر والمسجد ستكون أشد وضوحا. في أيامنا هذه، ليس لدينا الوقت الكافي لتأليف الروايات العظيمة، ولا تصميم رقصات الموت، ولا إبداع فنون تصويرية.. نمارس حياتنا اليومية بكثير من القلق والتوتر، ونتعقب خطوط انتشار الفايروس بالأرقام، ثم نقوم الى حنفية الماء بكل ثقة.