Shadow Shadow
مجلة الأديب

سامي مهدي

 أديب وشاعر عراقي، ولد في بغداد سنة 1940، درس في كلية الآداب بجامعة بغداد، وتخصص في الاقتصاد. لاحقاً شغل منصب المدير العام لدائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والإعلام، بالإضافة إلى منصب المدير العام للإذاعة والتلفزيون.

مجلة الأديب

2020.03.02 - 15:26

سامي مهدي

سامي مهدي

ذات يوم من أيام عام 1979 اتصل بي هاتفياً رجل عرفت من لهجته أنه لبناني، وطلب مني بكل تهذيب أن أسمح له بزيارتي في مكتبي في المركز الثقافي العراقي في باريس. ولما سألته عن الغرض من هذه الزيارة قال: لا غرض عندي سوى السلام عليك، ألست مدير المركز؟ قلت: بلى، فقال: وأنا أريد أن أزورك وأحييك لأنني معجب بنشاط مركزكم، فرحبت به واتفقت معه على موعد، وجاءني فيه.

 

كان مركزنا يحتل مبنى كاملاً من تلك المباني الفخمة المطلة على ساحة النجمة الشهيرة (Place de l Etoile). وكان مالك هذا المبنى داسو (Dassault) صاحب الشركة التي تنتج الطائرة الفرنسية المقاتلة المعروفة: ميراج (Mirage) فتساهل معنا في مبلغ الإيجار لما بينه وبين الحكومة العراقية من تعاملات.

وكان للمركز يومئذ برامج موسمية زاخرة ومتتابعة، وله أصدقاء وجمهور واسع من الفرنسيين والعرب المقيمين: معارض وفعاليات ثقافية وأدبية متنوعة، وكنا نعلن عنها بشتى وسائل الإعلان. ولم يكن للأقطار العربية الأخرى يومئذ مراكز ثقافية باستثناء المركز الثقافي المصري، وكان مركزنا يتفوق عليه كثيراً بنوعية برامجه، لأن الطابع السياحي كان هو الغالب على المركز المصري. قلت، جاءني الرجل اللبناني (نسيت اسمه مع الأسف) في الموعد المحدد، وكان يحمل بيده مجلدأً كبيراً، وجلس وهو يضع المجلد على ركبتيه، ثم راح يثني على المركز ونشاطه وفخامة مبناه وسعته وحسن إدارته بما أسعدني وأراحني، وقال: هذه أول مرة أرى في باريس مركزاً ثقافياً عربياً بهذه الفخامة وهذه النوعية من النشاط، ونسب فضل ذلك إلي بوصفي مديره، وهو في الواقع ليس لي وحدي بل لكثيرين من زملائي أيضاً، مساعدين ومستشارين.

وما إن أكمل الرجل ارتشاف قهوته حتى نهض ونهضت معه فقدم لي المجلد الذي كان يحمله وهو يقول: هذا المجلد هدية لك، وهو أفضل ما أستطيع تقديمه احتراماً لجهودك في إدارة هذا المركز، فأخذته منه وشكرته ورافقته حتى الباب الخارجي تقديراً لمبادرته، وبقيت أحتفظ بهديته حتى اليوم. كانت مظاهر القدم بادية على المجلد، ولما فتحته وتصفحته وجدته يضم الأعداد الستة الأولى من مجلة (الأديب) اللبنانية، واكتشفت أن العدد الأول من هذه المجلة صدر في كانون الثاني من عام 1942، أي أنه صدر ونيران الحرب العالمية الثانية في أوج اشتعالها واتساع رقعتها، وظهر أن المجلة ليست معنية بالأدب وحده، بل بالسياسة أيضاً، فقد كانت، بما تنشره من مقالات وتقارير سياسية وعسكرية، منبراً من منابر الدعاية للحلفاء ضد ألمانيا النازية. ولاحظت أن خيرة أدباء لبنان وشعرائها وكتابها، في تلك الحقبة، كانوا ينشرون فيها ومنهم ألبير اديب صاحب المجلة، وعمر فاخوري، وجبران ثويني (والد غسان ثويني) وصلاح الأسير، وإلياس أبو شبكة، وكرم ملحم كرم، ونقولا فياض، ورشدي المعلوف، وعيسى المعلوف، ويوسف غصوب، وقسطنطين زريق، ومارون عبود، وميخائيل نعيمة، وآحاد من السوريين، ولا أحد من الأقطار العربية الأخرى، بما فيها العراق.

ومما لاحظته أن المجلة لم تغير شكل غلافها وألوانه منذ عددها الأول حتى آخر أعدادها. ولم يطرأ أي تغيير جوهري على تقاليدها، وربما كان التوقف عن نشر زاويتها الطبية، ومقالاتها السياسية وتقاريرها العسكرية، أهم تغيير طرأ عليها. ولست أدري متى بدأ الأدباء العراقيون النشر على صفحاتها، ربما في أواخر أربعينيات القرن العشرين، ولكنهم أكثروا من النشر فيها ابتداء من مطلع عام 1950، حتى أصبحت مجلتهم المفضلة بعد احتجاب مجلة (الرسالة) المصرية، وأبرز من نشر فيها، بحسب متابعاتي، الناقد والمترجم نهاد التكرلي، والشعراء: عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري ومحمود البريكان (كان ينشر قصائد عمودية) والقاص عبد الملك نوري، ولكن التكرلي والبياتي كانا الأكثر نشراً من بقية زملائهم. بدأ نجم هذه المجلة يخبو بعد صدور مجلة (الآداب) في كانون الثاني من عام 1953، وزاد أوضاعها صعوبة صدور مجلات أخرى في مختلف الأقطار العربية، ولكنها ظلت تقاوم الظروف الصعبة وتتشبث بالحياة حتى عام 1983، أي قبل وفاة صاحبها ألبير أديب بسنتين.

ولد البير أديب عام 1908 وتوفي عام 1985، وكان ممن خدموا الأدب العربي خدمة جليلة في تلك الحقبة.