Shadow Shadow
خزانة الشعر السنسكريتي

سامي مهدي

 أديب وشاعر عراقي، ولد في بغداد سنة 1940، درس في كلية الآداب بجامعة بغداد، وتخصص في الاقتصاد. لاحقاً شغل منصب المدير العام لدائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والإعلام، بالإضافة إلى منصب المدير العام للإذاعة والتلفزيون.

سامي مهدي

خزانة الشعر السنسكريتي

2020.02.19 - 09:36

سامي مهدي

سامي مهدي

خزانة الشعر السنسكريتي A treasury of Sanskrit poetry. هذا هو عنوان المختارات التي قام بترجمتها الأديب السعودي عبد الوهاب أبو زيد عن الإنكليزية، وصدرت عن هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث عام 2011.

 

وقد أهداني أبو زيد في حينها نسخة منها، فله جزيل الشكر، غير أن الظروف لم تساعدني على قراءتها قراءة فاحصة، إلا هذه الأيام فسدَّ بذلك جانباً من ثغرة في ثقافتي الشعرية. ذلك أنني لم أطلع من قبل على الشعر السنسكريتي والشعر الهندي عامة، لا بالعربية ولا بغيرها، وكان اطلاعي على هذه المختارات فرصة منحتني بعض التعويض.

أظن أن هذه المختارات أول ما ترجم من الشعر السنسكريتي إلى العربية. صانعها ومترجمها من السنسكريتية إلى الإنكليزية سفير هندي سابق ومترجم معروف يدعى أ. ن. د. هاكسار، غير أن (أبو زيد) لم يذكر اسمه على الغلاف الخارجي للكتاب، ولا اسم مراجع الترجمة تحسين الخطيب، بل اكتفى بذكر اسمه هو، وهذا مخالف للتقاليد الأدبية كما أظن، وفيه غبن واضح للصانع والمراجع. أما أنا فعرفت اسم صانع المختارات من (التصدير) الذي كتبه لها المدير العام للمجلس الهندي للعلاقات الثقافية عند نشرها عام 2002.

تضم المختارات طائفة واسعة ومتنوعة من الشعر السنسكريتي المقدس والدنيوي، الكلاسيكي والفولكلوري، وتتضمن 183 نصاً لـ 59 شاعرأ عاشوا في أحقاب زمنية قديمة مختلفة، سقفها الأعلى 3000 عام، وقد تم جمعها من أكثر من 40 كتاباً، ومنها نصوص أصحابها مجهولون، كما يقول هاكسار. فهي بالتالي عمل جليل جدير بالتقدير، وللمترجم أبو زيد فضل ترجمتها الشاقة إلى العربية وتعريفنا بشيء من شعر كنا نجهله. يقول صانع المختارات في مقدمتها (سيجد القارئ تنوعاً غنياً من الشعر في هذه الترجمات.

إنها ترانيم عن الطبيعة وتعابير صوفية ذات بعد تأملي عميق، حوارات وسرديات ملحمية ذات توصيفات مثيرة، أغنيات وتأملات ، قصائد غنائية حول أبعاد عديدة للحب، قصائد بطولية، وتراجيدية، وأخرى إيروتيكية وهجائية، شعرا تعبدياً وفلسفياً، تعابير راقية من الأشعار التي قيلت في البلاطات الملكية وقصائد بسيطة من الريف) (ص10- 11). والواقع كما رأيت، أن المختارات لا تنطوي على شعر ذي قيمة شعرية (فنية) عالية إلا نادراً، فالتأمل فيها شحيح ضعيف الأجنحة، والتصوف شاحب محدود الآفاق، وإذا كان صانع المختارات قد رأى في القصائد الأخلاقية المعنية بشؤون الحياة العامة والعلاقات الإنسانية شعراً تأملياً أو صوفياً فقد بالغ في تصوراته، فهي لا ترقى إلى مستويات عالية من النظر والتأمل وارتياد الآفاق المفتوحة.

ويمكن القول إنها ضرب من ضروب الحكمة الشعبية تتناول موضوعات مثل: الصداقة، الوفاء بالوعد، والهيبة، وما إلى ذلك. وخير ما وجدت في المختارات من الشعر التأملي نص بعنوان (الطريق المهجور) ترجمه الشاعر المعروف أوكتافيو باث: لا أحد وراءك ، ولا أحد أمامك. فقد انغلق الطريق الذي شقه الأسلاف، والطريق الآخر ، الطريق الذي يسلكه الجميع، ذلك الطريق الممهد الشاسع لا يقود إلى أي مكان، وها أنني وحدي وقد وجدت طريقي . ( ص 251 )

وفي رأيي أن أجمل ما في هذه المختارات هو شعر الحب، الإيروسي منه خاصة، فهو شعر بسيط، عذب، فطري، وطبيعي، يتجلى فيه الحب والجمال كحالة من حالات الطبيعة ومظهر من مظاهرها. وهذا نص بعنوان (الدعوة) تتذاكى فيه فتاة لتستبقي معها مسافراً عابراً: عجّل في خطوك أيها المسافر، وامض إلى طريقك فالغابة تعج بالحيوانات الضارية، من ثعابين وفيلة ونمور وخنازير. إن الشمس توشك أن تغيب، وأنت مازلت صغير السن لتذهب وحدك ليس في وسعي أن أدعك تمكث، فأنا شابة صغيرة السن وما من أحد في المنزل. وهذا نص آخر بعنوان (تذكّر) فيه من الإيروسية ما فيه: إلى جوار السرير انحلت عروة الثوب من تلقاء نفسها، وحيث كان بالكاد مربوطاً بالنطاق هوى الثوب إلى خصري. يا صديقتي، هذا كل ما أعرفه: كنت بين ذراعيه ولا أتذكر من كان أو ماذا فعلنا أو كيف. ( ص 315 )

ومن النصوص الجميلة التي مرت بي عند قراءة المختارات، هذا النص: الجمال لا يكمن في ما تقوله الكلمات، بل في ما تقوله دون أن تقوله: فالنهود لا تشتهى وهي عارية، بل من وراء غلالة. ( ص 321 ) كل النصوص التي سبق تقديمها هي من ترجمة أوكتافيو باث، وربما يعود لباث نفسه الفضل في جلاء جمالها وبث روح الحداثة في صياغاتها.

ولا شك في أن ترجمة مثل هذه النصوص ليس بالأمر الهين، وخاصة إذا لم يكن المترجم من أهل اللغة التي قيلت أو كتبت بها، وهذا طبيعي، فلكل مترجم كفاءته وحساسيته وذوقه في انتقاء النصوص التي يترجمها واختيار مفردات النص المترجم وصياغته بحلته الجديدة. وهذا لم يفت صانع المختارات فأعطانا ملحقاً موجزاً عن (تطور الترجمة) مع ثلاثة نصوص وأربع ترجمات لكل منها، لمترجمين مختلفين، لكي نتلمس الفرق بين ترجمة وأخرى. وفي ضوء كهذا ينبغي أن ننظر إلى ترجمة أبو زيد ونتقبل ما قد يعتريها من هفوات لا يفلت منها أي مترجم. وتبقى بعد هذا، لكل نصوص هذ المختارات قيمتها التاريخية والثقافية ومكانتها في حضارة شعب من الشعوب القديمة، ويبقى لصانع المختارات ومترجمها فضل تعريفنا بهذه الباقة الغنية من الشعر السنسكريتي القديم.