Shadow Shadow

قصٌ وشعرٌ ورمزياتٌ شيعيّة: كيف ولدت ساحة التحرير عراقا جديداً؟

2019.12.12 - 15:43

 فنر حداد ترجمة: قتيبة ياسين وعدنان جعفر أصبح المطعم التركي؛ المبنى المكون من أربعة عشر طابقاً والقريب من مركز احتجاجات المتظاهرين في ساحة التحرير، علامة فارقة. تمت السيطرة على المبنى من قبل المتظاهرين منذ منتصف شهر تشرين الأول ليتحول منذ ذلك الحين الى أيقونة لحركة الاحتجاجات العراقية غير المسبوقة. توشحه بالأعلام العراقية والشعارات الوطنية جعل منه مشهداً محببا للتصوير ويسهل على الناظر تمييزه، التشابيه التي وضعت في ساحة التحرير لتخليد الشهداء، كما إن واجهته تحولت إلى أشكالٍ فنية وميداليات وحلي وديكورات منزلية. هل هي ثورة؟ هناك الكثير من النقاشات على صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي وبين المتظاهرين أنفسهم حول ما إذا كان من الممكن تسمية ما يحدث في الوقت الحالي ب "الثورة". وكما هو متوقع فإن هذه النقاشات تعكس غالباً الانقسام بين أولئك المتعاطفين والمتحمسين للاحتجاجات من جهة، وأولئك الذين يتحفظون في دعمهم أو ينتقدون الاحتجاجات بشكل صريح من جهة أخرى. بعد زيارتي لساحة التحرير عدة مرات في الأسبوعين الماضيين، هناك شيء واحد لا مجال للشك فيه: فحتى لو فشل الحراك الحالي في تحقيق ثورة سياسية، وحتى إذا لم يكن ثورة أصلاً، فهو بلا شك حركة ثورية قد حققت بالفعل ثورة على الصعيد الثقافي . وبعكس المشهد الدائر في ساحة الخلاّني وجسر السنك المجاورين للتحرير واللذين تسود فيهما لغة المواجهة والصِّدام، فإن الجو السائد في ساحة التحرير كرنفالي بالدرجة الأولى، حيث يظهر للعيان انفجارٌ تعبيري على المستوى الثقافي والسياسي والفكري والإبداعي. التناقضٌ بين مناخ الاحتفالات الإيجابي وبين الظروف الدموية الجسيمة التي ولد من خلالها قد يكون صارخا. وسط تلك الغابة من الخيام ترتفع أصوات كل شيء، من الهيب هوب إلى القصائد، وليس انتهاءً بمراسيم العزاء الشيعية. في أول وهلة تبدو ساحة التحرير وكأنها ساحة احتفالات، ولكن هناك من يذكّر بالأسباب القاسية التي دعت العراقيين للنزول إلى الشارع وبالثمن الذي دفعوه، والذي يظهر في فيض من الصور والجداريات والنصب التذكارية والصلوات الجماعية وغيرها من طُرق الاستذكار وهي تهدى إلى الشباب الذين فقدوا حياتهم على مدى الشهرين الماضيين من الحراك الشعبي. إن لازدهار أسلوب التعبير الظاهر للعيان هنا أهمية كبيرة تتجاوز قيمته الفنية الجديرة بالاعتبار، فهي أكثر من مجرد عرض مسلٍ أو مناسبة لالتقاط السيلفيات، إذ أن الإنتاج الثقافي لساحة التحرير وجهود القواعد الشعبية القائمة على مدار الساعة والتي تهدف إلى إدامة التواجد في الساحة، يعكس ملامح ثقافة سياسية ناشئة ومنفصلة تماماً عن حقبتي البعث والسنوات الأولى بعد عام 2003. ناس بين الولايات المتحدة وإيران بعيداً عن دوافع مناهضة النظام والتي تظهر بشكل واضح، فإنه لا يمكن اختزال الاحتجاجات في اتجاه واحد أو أيديولوجية معينة. وإذا أردت أن تتأكد من تلك النقطة، فستجد بأنك وبينما تحدّق إلى جدارية تمثل خنجراً أمريكيا يستنزف العراق، وعبارة تصرح بأنه "لا مكان لأمريكا في العراق"، فستسمع أيضا من مكان ما تسجيلاً مكررا لصوت يهتف ”العراق تحت الاحتلال الايراني". تمثل ساحة التحرير مقطعاً عرضياً لمختلف التوجهات السياسية والمعتقدات الدينية والفئات العمرية. يظهر بشكل واضح بأن غالبية المتظاهرين في ساحة التحرير هم من الشباب الذين يسكنون الأحياء الفقيرة مثل مدينة الصدر، وهذا بحد ذاته يعكس التكوين الديموغرافي للعاصمة بغداد: أغلبية شابة، وأغلبية فقيرة. كذلك فإن الخيام التي تتوزع على منطقة الاحتجاج تعكس تنوع المجتمع العراقي، ففي كل يومٍ تُعد ساحة التحرير مرتعا للنشاطات الاجتماعية والموسيقية والمواكب العشائرية والطقوس الدينية. إن ثقافة التضامن والتعاضد والجهود الذاتية التي يعكف الناس على إدامتها هي إنجاز كبير بحد ذاته. لقد ساهمت البنى التحتية للمواكب والمؤسسات الدينية والخيرية -التي تنشط عادة مع الشعائر الشيعية الجماعية في أيام عاشوراء وزيارة الأربعين – في توفير الخدمات والدعم اللوجستي الكافي لاستمرار تعبئة الناس في الأماكن العامة إلى أجل غير مسمى بهدف فرض التغيير الإصلاحي في النظام، إذ ان هذا النوع من الدعم والخدمات يفوق طاقة الناشطين المدنيين أو المتواجدين فعليا في ساحة التحرير. ناس  التحرك الشيعي نصبت الشركات والتجار عدداً كبيراً من صناديق التبرعات في جميع انحاء بغداد، بينما يقوم الناس بمختلف أعمالهم بالتبرع قدر استطاعتهم للمتظاهرين، من البطانيات الى الغذاء وليس انتهاءً بالمال. حتى إن بعض رجال الأعمال والاثرياء قاموا بتسخير الأموال من أجل استمرار الدعم اللوجستي في ساحة التحرير. حتى بعض ممارسي الفساد والاثرياء من التجار ورجال الاعمال أبدوا تضامنهم مع المتظاهرين نتيجة استيائهم من ثمن الفساد والرشوة على مصالحهم. لقد جاءت الاحتجاجات الحالية في وقت كان ينظر فيه إلى السياسة العراقية بأنها قد تجاوزت مرحلة الصراع والتنافس الطائفي. لكن في نفس الوقت الابتعاد عن الخطاب الطائفي لا يعني بالضرورة بأن الهوية الطائفية قد اختفت، فساحة التحرير لا تخلو من رمزيات الهوية الشيعية: من صور المرجع الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني الى صور أئمة الشيعة وإلى نفس تلك الأعلام والشعارات التي أدينت في وقت ما باعتبارها "رايات طائفية"، وبالطبع فإن مفتاح التغيير هنا هو الاختلاف الكبير في السياق. إن اللافتة التي كانت تقول "يا حسين" أو تضم صوراً للأئمة والتي كانت تستخدم فيما مضى كأداة لفرض الهوية في خضم صراع طائفي، أصبحت اليوم طلسما في مضمون تكاتف عابر للطائفية يقف ضداً لنظام سياسي محتقرِّ على صعيد واسع . تمثل التعبئة الشيعية اليوم التغيرات الجيلية وتحولات الهوية السياسية الشيعية خلال مراحل ثلاث. ففي 2003 كانت هناك ضرورة ملحة لتحقيق الحلم القديم الذي لبث عقوداً من الزمن والمتمثل "بحكم الشيعة"، وبدلاً من تقديم مخطط تفصيلي، فإنه لم يقدم أكثر من مرتكزي السياسة الشيعية: المظلومية والاستحقاق – استحقاق ”الاغلبية المهمشة“ للسلطة السياسية. كيف يتم ممارسة الحكم الشيعي؟ ومن من الشيعة يحكم؟ ولأي غرض؟ كانت تلك أسئلة نادراً ما تطرح ولم يجب عنها أبدا. كان تحقيق الحلم هو كل ما يهم. وبمجرد تحقيق الحلم، كانت المرحلة الثانية تتمثل بالحاجة للدفاع عن المكاسب التي تم الحصول عليها بعد عام 2003 . وليس ببعيد عام 2014 عندما كانت القيادات الشيعية ترعب جماهيرها بشبح عودة البعثيين على ظهر المؤامرات الداخلية والخارجية التي تستهدف الحكم الشيعي . بقي هذا الحلم رغم تحقيقه هشّا ومهددا واستمر صدى الكثير من العقد الطائفية من فترة أواخر البعث والسنين الاولى بعد التغيير يتردد عند الرأي العام الشيعي. وعلى كل حال، فمنذ الحرب ضد تنظيم داعش تحديداً، أصبح مفهوم "الحكم الشيعي" – الذي تحول من حلم يجب تحقيقه إلى مكسب محفوف بالمخاطر يجب الدفاع عنه – إلى حقيقة واقعة لم تقدم الكثير خارج إطار سياسة الهوية المتضائل أصلاً في السنين الاخيرة. وبالإضافة الى التغير في البيئة الأمنية المحلية والإقليمية، وعملية إعادة توازن القوى بين القوى المرتكزة على الطائفية، كانت المشكلة الجيلية تنمو رويداً. ناس الإنجازات الرئيسية بالنسبة للجيل الشيعي الشاب الذي يتواجد اليوم في ساحات الاحتجاج، فهو لا يرى "الحكم الشيعي" حلما يجب تحقيقه ولا مكسباً مهدداً يجب الدفاع عنه، بل هو الواقع الوحيد الذي يعرفوه. فبعكس الجيل الأكبر سنا،ً لا ينظر جيل الشباب اليوم للواقع السياسي والاجتماعي من منظور حقبة حزب البعث أو منظور الاقتتال الطائفي بعد ٢٠٠٣، بل من خلال واقع اجتماعي واقتصادي مرير يتعايش معه العراقيون كل اليوم . وبالإضافة الى البعد الثقافي المذكور أعلاه، حققت حركة الاحتجاجات الحالية بعضاً من المكاسب السياسية، فقد نجحوا في إجبار السلطات الدينية في النجف بالضغط على الحكومة لتقديم استقالتها، كما أجبروا الطبقة السياسية على مناقشة كيفية إصلاح النظام الانتخابي. وسواء عرفت الطبقة السياسية أم لا، فأن حركة الاحتجاجات هذه أحدثت ضغوطاً سياسية غير مسبوقة ستمنع من عودة النظام المعتاد. ومع ذلك، فأن أي تنبؤ بتغير ثوري سيكون في غير محله. والحقيقة هنا بأن الأمور مادامت على حالها فإن الموقف القائم سيستمر بنفس الطريقة. على الرغم من أن ساحات الاحتجاج مثيرة للإعجاب بشكل لا يمكن إنكاره، إلا أنه ما زال أمامها الكثير لتشكيل كتلة مؤثرة، فالأرقام تتراوح بين الصعود والهبوط، وما يحدث في ساحة التحرير ما زال لم يؤثر بعد على الحياة اليومية في باقي مناطق بغداد. وبالمثل، فإن حركة الاحتجاجات لم تقم بعد بشلّ حركة الخدمات العامة والعمل الحكومي. كذلك على الصعيد العالمي، مازالت الحكومة العراقية تحتفظ برصيدها من الدعم الإقليمي والدولي. وعلى الصعيد المحلي، ما زلنا لم نشهد أي انشقاقات في المؤسسات الأمنية والسياسية. الشيء الأهم ربما، هو إن حركة الاحتجاجات لم تؤثر بعد بشكل واضح على قطاع النفط في البلد والذي هو شريان حياة النظام. فما لم يتوسع نطاق الاحتجاجات وتأثيره ليشمل الإضراب العام أو التصعيد السريع أو اضطراب قطاع النفط أن الوضع الحالي سيستمر عما هو عليه في المستقبل المنظور. بالطبع، لا يمكن ان نستبعد دوامات العنف المفاجئة أو توسع نطاق الاحتجاج، بالأخص ونحن نلاحظ اللجوء للعنف الفتاك بشكل متهور من قبل القوات الأمنية التابعة للحكومة والقوات المسلحة الأخرى المتحالفة معها والذين يشكلان معا "الدولة ". ناس فسحة للأمل مع ذلك، حتى لو بقيت الأمور على حالها، لايزال هناك متسع للأمل. أحد الاحتمالات هو أن تتحول ساحة التحرير الى مكان شبه دائم للاحتجاج والتعبير السياسي. وفي مثل هذا السيناريو، سوف تصبح التحرير ومواقع الاحتجاج الأخرى مصدر ضغط مستمر على الحكومة والتي ستبقى بدورها في صراع تناقضات مستمر بين محاولات بالقضاء على المظاهرات وبين محاولات بإرضاء المحتجين ومواكبة الرأي العام. يمكن لهذا النوع من صراع الشد والجذب بين الشارع والطبقة السياسية، أن يكون مثمراً تدريجياً على المدى الطويل، ذلك لأن الطبقة السياسية قد تجبر على التنازل التدريجي عن المزيد من قبضتها على الأدوات القانونية والسياسية والاقتصادية. ولكي تزيد الاحتجاجات من مكاسبها السياسية الى حدودها القصوى، من المهم ان يتم انتاج كيانات وشخوص سياسية قارة على التحول من مصدر ضغط على الطبقة السياسية الى منافس لهم في العمل السياسي. قد يكون التفاوض بدلاً من القلع مصدرا محتملاً لإحداث التغيير في المستقبل، فإذا انبثق نظام جديد فسوف يحتفظ حتماً بعناصر من النظام الذي قبله، وعملية تحديد ماهية هذه العناصر التي يمكن القبول بالحفاظ عليها في عملية انتقال افتراضي للسلطة، يتطلب قيادة داخلية فعالة تستطيع إدارة الصراع من دون رفض كلي لما هو موجود . ناس المضي قدماً بعد 16 عام، صار النظام الحالي مترسخاً بشكل عميق عن طريق مصالح هائلة – عراقية وغير عراقية. تتشابك هذه المصالح مع مختلف الشرائح المجتمعية عبر علاقات المحسوبية والتخادم. وببساطة شديدة، فإن الطبقة السياسية ومن يقف وراءها لن يسلموا مفاتيح السلطة بسهولة ولن يحزموا حقائبهم ويغادروا العراق . إن التحدي الذي لا يترك مجالاً لخروج آمن أو يتضمن التفاوض على إدراج أمور جديدة، سيؤدي الى مزيد من المقاومة من النوع الذي شهدناه في الشهرين الماضيين أو أسوأ منه. وعلى نفس الوتيرة، لا يمكن لأية قوة كانت أن تُطفئ شعلة الاحتجاج، إذ أن هذه الاحتجاجات قد قامت بتشكيل وعي وثقافة سياسية جديدة. يتعين على الطبقة السياسية والقوى العالمية الداعمة لبقاء هذه الحكومة أن تدرك إن هذه الاحتجاجات تحتاج إلى أن يتم استيعابها والمضي معها قدما.ً إن هذا التعنت الذي لا رابح فيه والمتمثل بالصراع الدائر بين السلطة والشارع يجب أن يفسح المجال في النهاية أما لحلٍ وسط حذر أو الى دوامة من العنف يمكن أن تخرج عن السيطرة بسرعة. إن الطريق الذي سيتحدد من خلاله مستقبل العراق هو مرهون في الغالب بيد طيف مفكك من الطبقة السياسية العراقية وداعميها الأجانب. هذا التفكك – وبدون قول شيء عن الدماء التي سفكت خلال الشهرين الماضيين، لا يترك مجالاً للتفاؤل في المدى القريب. يستحق الناس الذين بنوا ذلك المشهد والروح الموجودين في ساحة التحرير ومواقع الاحتجاج الأخرى بل والعراقيون بشكل عام، واقعا أفضل.