Shadow Shadow
الناصرية ..سلّة الثورات

رأي

{AUTHDETILE}

*مجاهد ابوالهيل

الناصرية ..سلّة الثورات

2019.11.24 - 20:13

*مجاهد ابوالهيل   الناصرية "سلال من تمر ونهود " كما قال عنها الشاعر صلاح نيازي، ابنها الغائب عنها منذ اكثر من خمسين عام، لم تعد هكذا، منذ عقود وهي  تنزف بطالة وفقراً وشهداء. كتبتُ قبل اكثر من عشرة أعوام انها "مدينة المعاملات " لكثرة العاطلين عن العمل فيها وناشدت الحكومة آنذاك بالالتفات الى مطالب ابناء أزقتها الواسعة كسعة قلوبهم ومضايفهم فاغرة الأبواب ليل نهار بحثاً عن ضيوف. الناصرية التي أطعمت  العراق ثورة وشعراً وغناء استيقظت من غفلتها جائعة لوطن يتسع لحضاراتها  القادمة من عمق الزمن. ومن عنق الزمن ينفلّتُ شباب الناصرية صارخين بوجه الجميع “نريد وطن " ... وطن يعرف للناصرية حقها عليه، يعرف عدد شهدائها وشعرائها وحناجر مطربيها التي بُحت من الشجن وحناجر فقرائها حنجرة حنجرة وهي تشكو الضما لما يسمونه الوطن. وطن يحصي شوراع الناصرية المهملة شارعاً شاعراً،  ويندب جسرها " الأثرم" الذي كتب عنه رزاق الزيدي منذ ان كسرت اسنانه الطائرات الامريكية عام 1991.   في عام 1977 فتحتُ عيوني في قرى الناصرية الطيبة التي يأوي سكانها الى مضيف جدي كل صباح ومساء، وحينما اشتدّ سمعي كنت أُرهفُه لأغاني الصيادين العائدين من الهور وفي سلالهم السخية حفنة من سمك وطيور ماء وما يخبئونه من اسرار الثورة وثوار الأهوار الذين صنعوا ثورتهم من القصب والبردي والبنادق القديمة التي ورثوها من سيدهم الحبوبي الذي يتوسط المدينة حاملاً فتوى الجهاد ضد الغزاة والفاسدين. بعمامته السوداء "وخاچيته" التي علاها غبار الثورة يتوسط تمثال السيد محمد سعيد الحبوبي محافظة ذي قار مذكّراً اَهلها والمارة من أقضيتها وقراها، بوجوب الثورة التي حمل فتواها بيد وصولجانها بيد اخرى. لم تدرك السلطات المتعاقبة على المدينة والوطن ان الثورة مخبئة تحت عباءة الحبوبي وان أهل الناصرية يحجّون الى شارع الحبوبي كل يوم ليس للتبضع وارتياد عيادات الأطباء المكتضة في هذا الشارع، إنما ليستلهموا عبق الثورة ويحفظوا تعاليمهما من فتوى الحبوبي التي فات السلطات جميعها، محو سطورها الخالدة . جينات الثورة إرث للناصريين تسري في خلاياهم المتعاقبة جيلا فجيل. الناصرية التي أطعمت الوطن لحم ابنائها وسخونة دمائهم السمراء في الموصل وسامراء والرمادي والفلوجة وبغداد ومدن اخرى، لا تطالب بحقها او ثمن تضحياتها ولا تبحث عن وطن يوزع في البطاقات التموينية أو في المراكز الانتخابية، إنما تريد وطناً قادراً على إشغالها عن الثورة وتشغيل العاطلين من ابنائها والاعتراف بحضاراتها الاولى  بين الحضارات. الناصرية التي تنتفض وتموت كل يوم بحاجة الى اسعاف وطني يضمد جراحاتها المزمنة، جراح الحضارة التي تنزفها مدن ذي قار وأرصفتها منذ آلاف الأعوام والنكبات. ما حصل في الناصرية طوال شهرين كاملين يستحق القراءة المتأنية والوقوف عنده طويلاً، لإعداد الإجابات المناسبة لكل أسئلة الاحتجاج. لماذا أحرق الناصريون كل مكاتب الأحزاب والنواب والمسؤولين؟ الناصرية المولعة بالسياسة والقراءة والكتابة والتي وُلدتْ من رحم أزقتها ومدنها اغلب الأحزاب العراقية وتسترَ قصبُ أهوارها على اشرس الثوار واطعمت مضايفها المسؤولين والجند، كيف قلبت انتفاضة تشرين كل تلك الصفحات لتفتح سجلاً جديداً بلا احزاب ولا مسؤولين ولا ساسة؟. أسئلة كثيرة طرحها ابناء الناصرية، على الحكومة الحالية والقادمة  الإجابة عليها بالعودة الى سيرة المدينة ومسيرة ابنائها في ساحات القتال وفي الأهوار وفي ساحة الحبوبي الان.