Shadow Shadow
كـل الأخبار

مشاركة لافتة للفتيات

قصص من التحرير: يتخفون من عوائلهم لكنهم يجدونهم أمامهم!

2019.11.24 - 18:44
قصص من التحرير: يتخفون من عوائلهم لكنهم يجدونهم أمامهم!
ناس- بغداد بدت مساهمة المرأة في المظاهرات المتواصلة في العراق الظاهرة الأكثر لفتا للنظر في هذه الحركة الاحتجاجية التي طغت على شوارع العاصمة وبعض المدن العراقية في الأيام الأخيرة. وبدا حضور المرأة طاغيا في الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي عن هذه المظاهرات وأنشطتها المختلفة. ولعل تلك ليست ظاهرة جديدة، فمساهمة الحركة النسوية في الحراك السياسي والاجتماعي في العراق في العقدين الأخيرين كانت تبرز في لحظات مفصلية، كما هي الحال مع المظاهرات النسوية الحاشدة في عام 2003 التي اسقطت محاولة الأحزاب الدينية تغيير قانون الأحوال المدنية في العراق واستبداله بقانون آخر يستند إلى التشريعات الدينية في الطوائف المختلفة. ساحة التحرير "وطن" لتسليط الضوء على هذه الظاهرة اتصلنا بعدد من الناشطات المشاركات في هذه المظاهرات ليقدمن لنا شهاداتهن عن تجاربهن ودورهن في ساحات التظاهر. "ساحة التحرير باتت وطنا لنا" تعمل ريا في إيصال التجهيزات والمواد الطبية والإمدادات للمتظاهرين وتحرص على الحضور يوميا إلى ساحة التحرير في قلب بغداد حيث يتجمع المحتجون، وكتبت تلخص تجربتها: أنا في ساحة التحرير، ليس بوصفي متظاهرة بل كأم. أخاف كثيرا على الشباب هنا وأتمنى أن لا يهدر دم أكثر، بل وأخاف حتى على من يرتدي الزي العسكري ويقف وهو خائف من الأوامر لأنه ابن بلدي ايضا. وأخاف على من في ساحة التحرير وفي "جبل أحد" وعلى الجسر لأن أغلبهم ولد بعد عام 2003، ولم يعيشوا تحت استبداد صدام حسين لكنهم شعروا بالفساد الذي يحدث حولهم وبتحطم آمالهم. أصعب شيء أن تعيش بلا أمل. لقد وصلوا إلى مرحلة شعروا فيها أنه لم يعد لديهم شيء يخسرونه بعد الآن لذا قدموا دماءهم. كان حضور النساء في الأيام الأولى قليلا، ثم بدأ يتزايد. بتُّ أرى نساء من كل الأجيال ومن مختلف الشرائح الاجتماعية. بت أرى الجدات اللواتي يجهزن الخبز والسياح (الخبز المصنوع من طحين الأرز) وبائعات الشاي إلى جانب الشابات العصريات. رأيت المرأة البغدادية في ساحة التظاهر بصورتها الفلكلورية التي لم أرها منذ زمن طويل، تلك الخاتون التي ترتدي العباءة والشيلة و"الجلاب" في جانبها، تقف تدعو ربها وهي ترتدي محبس شذر في يدها وتردد "الله ينصركم الله يحفظكم ويبعد الشر عنكم". أمهات مع الأبناء رأيت أمهات بعمري قدمن مع أبنائهن ورأيت صبايا وشابات وهن يهتفن بصوت عال بكل طموح الشباب وجموحه، الذي أشعر أننا فقدناه مع أشياء كثيرة فقدناها. كنا (كجيل) نتعثر دائما بخيبات كثيرة لكن هؤلاء الشابات والشباب أقوياء أكثر منا وما زالوا بعنفوانهم وأتمنى أن لا يمروا بما مررنا به. لم أتمكن من حبس دموعي في كثير من الحالات الإنسانية ومواقف التضامن التي شهدتها هناك. وهي كثيرة لا أستطيع اختصارها. أمس، قمنا بحملة لتنظيف القمامة، وجاء رجل بعمر والدي في السبعينيات من عمره يحمل صينية فيها قوري شاي وأقداح (استكانات) مزخرفة وبدأ بتوزيع الشاي على الفتيات والشباب المشاركين في الحملة. شاهدت قصصا عديدة، رأيت امرأة فقدت اثنين من أبنائها (شهداء) وجاءت إلى الساحة مصرة على إعداد الخبز وتوزيعه على المتظاهرين، قائلة :"أنتم أبنائي الذين ستعوضوني عن أبنائي". رأيت امرأة أخرى كبيرة في السن، لديها 7 أولاد، وهم كلهم مع أحفادها في الساحة، وهي تقوم بإعداد خبز "السياح" ويساعدها زوجها في إعداده، كي توزعه على أحفادها وأولادها وبقية المتظاهرين. إن اندفاع العراقيين للمشاركة في المظاهرات لا يوصف. كثير من الشباب جاءوا إلى المظاهرات وأخفوا خبر مشاركتهم عن عوائلهم، كي لا يثيروا قلقهم لكنهم اكتشفوا أنهم سبقوهم إلى ساحات التظاهر، كما هي الحال مع صديقتي تقى، التي أعدت "سندويتشات" لتوزيعها على المتظاهرين واتصلت بي كي تأتي معي لتوزيعها في الساحة مخفية الأمر عن أمها وقائلة لها إنها ستذهب إلى صديقتها، لكنها اكتشفت عندما وصلنا إلى الساحة أن أمها نفسها قد سبقتها إلى هناك، وكذلك أخيها الذي كان قد أخبر أمه أنه ذاهب للعب كرة قدم مع أصدقائه. وكانت الأم البسيطة تحمل أدعية وتوزعها عليهم كي تحفظهم من الأذى وهم في ساحة التظاهر. ورأيت امرأة كانت توزع الطعام على المتظاهرين وقد قدمت دون علم زوجها لتكتشف أنه في الصفوف الأمامية للمتظاهرين على الجسر، والتقيا قرب الجسر، على الرغم من أنه المكان الأخطر بالنسبة للمتظاهرين، إذ يمثل من يقفون هناك الساتر الأول وطليعة المتظاهرين الذين كلما تقدموا أبعدوا القوات الأمنية ومدى القنابل المسيلة للدموع عن ساحة التحرير. لذا يتحدى المتظاهرون القوات الأمنية (ويسمونها قوات مكافحة الشعب وليس الشغب) ويحاولون دفعها إلى الخلف إلى منتصف الجسر. شاهدت شابا وفتاة يعلنان خطوبتهما في مبنى المطعم التركي وسط ساحة التظاهر ويقولان إننا سنعيش في عراق جديد. كان هناك دائما انعزال وفصل بين الرجال والنساء، لكن في الحروب والثورات تتغير هذه الصورة. تعلم كثير من بناتنا كيف يركضن لنقل المغذي لغسل وجه من التهبت عيناه بالدخان المسيل للدموع، وتعلمن إسعاف الجرحى بالإسعافات الأولية البسيطة. وثمة طالبات وطلبة من كلية الطب أيضا يحاولون المساهمة بما يستطيعون عملة من خياطة الجروح والإسعافات. وكلما ذهبت إلى مكان جديد أرى خيمة إسعافات جديدة تنتصب، في الأيام الأولى كان ثمة تخبط، وكانت هناك خيم فيها أدوية وأخرى بدون أدوية، ولكن خبرتنا تراكمت بمرور الأيام. وبتنا نوزع الأدوية والتجهيزات عليها جميعا. الشباب والشابات.. خلية نحل يعمل الشباب والشابات مثل خلية نحل، نظفوا الشوارع وصبغوا الأرصفة وزينوا الجدران بالرسوم. خذ "جبل أحد" (مبنى المطعم التركي الذي بدأت تسميته بنكتة أطلقها الشباب المعتصمون هناك عندما قالوا أرسلوا لنا سجائر ومأكولات كي نتمكن من الصمود ولا ننزل كما فعل المسلمون في أحد وتفشل الثورة) تمكن المتطوعون من إيصال الكهرباء لهذا المبنى الذي كان مهجورا وجلبوا فرنا كهربائيا لإنتاج الخبز الكهربائي كما مدوا أنابيب الماء وأصلحوا الحمامات. وباتت حديقة الأمة المجاورة لساحة التحرير مكانا يلتقي فيه الجميع ويتحاورون وينصبون الخيم ويدعمون المعتصمين في "جبل أحد". لم تعد ساحة التحرير مجرد موقع للتظاهر والاحتجاج، بل باتت بالنسبة لنا وطنا. وطن اتسع وأصبحت فيه محلات وشوارع، ويتسع تدريجيا ليشمل المدينة كلها، حتى نرى بغداد جديدة. "جئت من كركوك لأقف معكم" مريم أديب- خريجة جامعية لم تحصل على وظيفة بعد أنا مريم من مدينة كركوك في شمال العراق من مواليد ١٩٩٦ وقد تخرجت من الجامعة لكنني حتى الآن لم أحصل على وظيفة. عندما بدأت المظاهرات كنت أراقبها من مدينتي البعيدة عن بغداد، وبدأت أرى صورا مؤثرة في مقاطع الفيديو التي انتشرت تبين شجاعة الشباب، لم أستطع كبح تدفق دموعي أو النوم وأنا أفكر في أوضاع المتظاهرين ومصيرهم. قلت لزوجي وهو خريج جامعة ولم يحصل على وظيفة مثلي "أريد أن أذهب إلى التحرير" فرد مستغربا "وين تروحين ؟!" قلت "أذهب إلى بغداد. أريد أن أكون معهم". رد "لكن الوضع خطر في ساحة التحرير". بيد أنه تراجع في النهاية عندما رأى إصراري على الذهاب والمشاركة في أي شيء مهما كان بسيطا مع أبناء وطني . وبدأنا بجمع تبرعات وقررنا الذهاب إلى بغداد من دون علم أهالينا لأنهم كانوا يخشون على حياتنا ويرفضون ذهابنا. عندما وصلنا إلى بغداد ذهبنا قرب ساحة التحرير وسألنا عن المستلزمات الأكثر احتياجاً لدى المتظاهرين وسجلناها، ثم بدأنا برحلة تسوق وجمعنا ما نستطيع شراءه بالمبلغ المتوفر لدينا. كان عددنا ٦ شباب وأنا الفتاة الوحيدة معهم، لكنني شعرت أنني الشاب السابع ضمنهم. ذهبنا إلى موقع التظاهر من منطقة قرب جسر السنك، لكننا واجهنا إطلاق نار قربنا فحاولنا أن نحتمي في مكان قريب حتى نتمكن من مواصلة طريقنا وإيصال المساعدات التي بحوزتنا، وساهمنا مع الآخرين في مساعدة بعض من تعرضوا لقنابل الغاز المسيل للدموع،(التي يسمونها دخانية). وخرجنا نبحث عن طريق آخر يوصلنا إلى ساحة التحرير، حتى وصلنا ونحن محملين بالمستلزمات الطبيه والوقائية والمأكولات. كان الطعام متوفرا ولكن أعداد المتظاهرين في تزايد، تمنيت أن أطعم كل الموجودين من يدي. حاولت أن آخذ بيدي ما استطيع نقله وأتسلق بناية المطعم التركي (جبل احد ) أو أصل إلى جسر الجمهورية، وأرى المتمترسين هناك وأحس بنفس الخوف او التوتر أو حتى الشعور بالنصر القريب الذي يحسونه وأهتف معهم "لبيك يا عراق" أو ننشد معا نشيد "موطني"، لكن الشباب منعوني، فبكيت مثل الأطفال لأنني لم استطع الوصول إلى المكان الذي أريده. لقد كان الشباب الذين وصلوا إلى الجسر أو المطعم التركي بلا حماية تقيهم من الإطلاقات وقنابل الغاز المسيل للدموع، وظلوا مرابطين بدون راحة أو نوم وكل ذلك من أجلي ومن أجل إخوتي وأخواتي بل وحتى أولادي وأحفادي مستقبلا. بهرني شعور التضامن والتكاتف الذي شاهدته هناك، مشهد يجعلك تبكي وتضحك فرحا وتصرخ في الوقت نفسه.