Shadow Shadow

هل نستوعب الدرس الألماني - الروسي في العراق؟

2022.09.03 - 22:26

منقذ داغر

بعد مناورات روسية كثيرة بخصوص تزويد أوربا بالغاز الروسي الذي يشكل 35-40% من واردات الطاقة الأوربية،قطع الروس مؤخراً وبالكامل خط تزويد الغاز(نوردستروم1) عن ألمانيا التي تستهلك حوالي 150 مليار متر مكعب (bcm) من الغاز سنوياً يأتي ثلثه تقريباً من روسيا. وقد كان الروس ينتظرون الجنرال شتاء ليقف بصفهم كما وفعل ذلك عندما هزم جيوش هتلر الزاحفة الى موسكو في الحرب الثانية.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

نعم، كان الروس يراهنون أن الشتاء الأوربي القارس الذي يحتاج للغاز الروسي، سيجبر أوربا على الوقوف على الحياد في حربها مع أوكرانيا ويفشل العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا والعالم الغربي على روسيا بعد غزوها أوكرانيا.

 

لكن دراسة ألمانية جامعية أُعلنت قبل يومين أظهرت أن ألمانيا ستنجح في تجاوز القطع الروسي للغاز ليس هذا الشتاء حسب، بل والشتاء القادم أيضاً أذا ما أستمرت الأمور بنفس المنوال. فكيف تمكن الألمان خلال 6 أشهر فقط من تعويض حوالي 50 مليار متر مكعب من الغاز وهو الأمر الذي كان يبدو مستحيلاً لكثير من الخبراء قبل بضعة أشهر؟.

 

أكتب الآن كتاباً عن الثقافة الأجتماعية والشخصية العراقية، أجبرني على دراسة الثقافة الأجتماعية الألمانية لأغراض المقارنة. لقد أكدت لي دراستي ملاحظاتي الميدانية عند زيارتي (للكوكب) الألماني! فهذا (الكوكب) مثل (الكوكب) الياباني يتمتع بمزيج متوازن من الحكم الرشيد، والديموقراطية المسؤولة، والثقافة الاجتماعية الصلبة Tight Culture.

 

ونظراً لتوازن هذا المزيج فأن تفاعله يكاد يكون مثالي. فالدولة تستند في كل قراراتها على ثقافة أجتماعية منضبطة تجعل الناس مثلاً يخفضون أستهلاكهم من الطاقة بمجرد أن تقول لهم الدولة ذلك وبدون أي قطع مبرمج أو وضع مفتش على باب كل بيت أو مصتع خاص ألماني.

 

لذا نجحت ألمانيا في تخفيض أستهلاكها من الطاقة بمقدار 15% فب الربع الأول من هذا العام رغم أن الطقس كان بارداً أيضاً. لكن مقابل ذلك كان هناك ألتزام شديد من الحكومة بخططها التي لم تبدأها هذه السنة بل من سنين سابقة.

 

فقد رفضت الحكومة الألمانية مثلاً أيقاف خطتها التي بدأتها عام2011 للتخلص من المفاعلات النووية لتوليد الطاقة وأصرت على أغلاق آخر ثلاث محطات توليد كهرباء من الطاقة النووية هذا العام على الرغم من الحاجة التي تبدو ملحة لهم لتعويض نقص الطاقة الروسية! أن قرار غلق هذه المصانع لم يكن قراراً سياسياً بالأساس بل مطلباً شعبياً بدأ بعد كارثة شيرنوبل ثم تعمق في 2011 بعد كارثة المفاعل النووي الياباني.

 

هذه المطالب الشعبية تجسدت بمظاهرات واسعة آنذاك لمطالبة الحكومة بالتخلص من خطر الطاقة النووية، ثم انتخاب حزب الخضر ليصعد للسلطة ضمن الائتلاف الحاكم. لذا أحترمت الدولة وعدها للشعب بالتخلص من الطاقة النووية ولم تغير خططها بحجة نقص مصادر توريد الغاز.لقد أثبتت الحكومات المتعاقبة لشعبها نجاحها في الأيفاء بما تعهدت به فباتت 50% من مصادر الطاقة المستهلكة في ألمانيا تأتي من مصادر نظيفة ومتجددة.

 

لقد كان واضحاً أن هناك عقد ضمني غير مكتوب بين الشعب ودولته نجح فيه كلا الطرفين في الأيفاء بالتزاماته،فبُنيت الثقة بينهما. وفي العقود غير المكتوبة فأن الثقة هي الأساس في نجاح التعاقد. فحين تكون الثقة متبادلة بين الطرفين ينجح العقد.ومقارنة بالعراق (رغم ظلم المقارنة) أذكر أنني كنت ضمن فريق استشاري للبنك الدولي لمساعدة الحكومة العراقية لأصلاح قطاع الكهرباء.

 

لقد كانت مشكلة الأستهلاك الجائر للكهرباء (فضلا عن الفساد) من أكبر المشاكل التي تواجه منظومة الكهرباء. وحينما كنا نحاول أقناع المواطن بتسديد ما عليه من فواتير أولاً، والاقتصاد في الاستهلاك ثانياً كان رد جميع من قابلناهم من العراقيين: (خلي الحكومة توقف السرقات وتعمل بنزاهة واخلاص ثم تطالب المواطن بالاقتصاد)! بمعنى أن العقد الأجتماعي لا يمكنه أن يكون من طرف المواطن فقط بل يجب أن يبدأ بالحكومة والدولة لأنها المرجع.

 

وهكذا يبدو مستغرباً،بل مستنكراً عندي مطالبة بعض النخب والقيادات المواطنين لتحسين ثقافتهم الأجتماعية وأن يصبحوا مثل مواطني الدول المتقدمة في الوقت الذي لا تلتزم فيه الدولة بما يخصها من العقد الأجتماعي!.

 

وبعكس بوتين، فأن ما يسمى بمسافة السلطة power distance بين الدولة والشعب قصيرة في ألمانيا. لذا فأن التناغم بين الشعب والدولة ممكن. أما في روسيا التي لم تحقق بعد أكثر من 6 أشهر نصراً عسكرياً حاسماً كما كان يطمح بوتين، فأن الدرس التاريخي الأبرز يقفز للواجهة مرة أخرى: قد يربح المتفردون بالسلطة معركةً،لكنهم بالتأكيد سيخسرون الحرب لأنهم لا يرون أبعد من أنوفهم، ولا يسمحون لأحد أن يريهم ما يجهلون.

 

أنهم أتباع وصفة فرعون الجهنمية في الحكم "لا أريكم الا ما أرى،وما أهديكم الا سبيل الرشاد"! ولطالما عانى العراقيون وما زالوا للآن يعانون من أمثال أولئك الذين أخطأوا قراءة النص فقادونا الى مستشفى الرشاد بدلاً من سبيله!.