Shadow Shadow
كـل الأخبار

’ريبة من التيار وكره للإطار’

باحث عراقي يحلل مواقع التقارب والتباعد بين الصدريين والتشرينين

2022.08.20 - 13:52
App store icon Play store icon Play store icon
باحث عراقي يحلل مواقع التقارب والتباعد بين الصدريين والتشرينين

بغداد - ناس

سلّط الباحث العراقي وأستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في السليمانية عقيل عباس، الضوء على مواقع التقارب والتباعد بين التشرينيين والصدريين، فيما أشار إلى انهم ينطلقون من موقعين مختلفين في خصومتهم مع النظام السياسي الحالي لكنهما يتفقان على أنه لم يعد صالحاً ولا قابلاً للاستمرار.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

وذكر الباحث في مقال تحليلي عبر "سكاي نيوز" تابعه "ناس" (20 آب 2022) أن "الصدريين ينطلقون من داخل النظام السياسي حتى من موقع عدم تصالحهم الكامل معه، فيما يأتي التشرينيون من خارجه ويستسهل كثيرون منهم إصدار دعاوى الإطاحة الكاملة به، من دون القدرة على اقتراح خارطة طريق معقولة وعملية لتحقيق هذا بدون دفع البلد نحو الأسوأ".

 

نص المقال:

منذ المصادقة على نتائج انتخابات أكتوبر 2021 وتأكد فوز التيار الصدري بها، انتهج التيار خطابا واضحا يتشارك مع خطاب الاحتجاج التشريني في مواضيع أساسية: إن نظام ما بعد 2003 ظالم وفاسد غير قابل للحياة في شكله الحالي، وإن إنقاذه يتطلب إصلاحات عميقة وجذرية وسريعة تبدأ بتفكيك الميليشيات وتمر بمكافحة الفساد وصولا إلى جعل السلطة الحاكمة مسؤولة أمام الشعب.

 

يُصور الخطاب الصدري مواجهته الحالية مع أحزاب الإسلام السياسي الشيعي الحاكم، المتمثلة بالإطار التنسيقي، على أسس ثَنائية، طبقية وأخلاقية، بمحتوى اقتصادي: صراع بين أغنياء متغولين ومتمترسين في السلطة ومؤسسات الدولة، وفقراء مُهَمشين تكمن قوتهم في أغلبيتهم العددية وغضبهم المبرر ضد مُستغليهم.

 

رغم الشعبوية الكامنة في هذا الخطاب، فإنه حظي بتعاطف شعبي هائل لأنه يمسك بقدر كبير من الحقائق المريرة التي صنعت عبرها النخبة السياسية الحاكمة، على الأخص في جزئها الشيعي المُهيّمن، الكارثةَ العراقية الحالية.

 

تعني الشعبوية عموما الارتياب بالمؤسسات والنخب التي تقودها إذ يُنظر للمؤسسات على أنها تخدم مصالح النخب، وتهمل مصالح الشعب.

 

فمثلاً يُعاقب القانون، عبر مؤسساته القضائية، المواطنين العاديين والفقراء عند ارتكابهم الجرائم والخروقات، لكنه يسكت أو يعجز عن تعقب جرائم وخروقات ساسة النخبة، خصوصاً المتعلقة بالفساد.

 

تزدهر الشعبوية في مثل هذه السياقات الجائرة والازدواجية حيث الفروق بين الحاكمين والمحكومين شاسعة ومجحفة، كما هي الحال في العراق اليوم.

 

يكمن إغراء الشعبوية في قدرتها على تقديم شروح وحلول بسيطة لمشاكل معقدة، تضيع فيها الصيروراتُ المهمة والتداخلُ المعتاد لعلاقات السبب والنتيجة.

 

في بعده الشعبوي، لا يختلف كثيراً الاحتجاجُ التشريني في أشهره الستة بين عامي 2019 و2020 عن هذا الخطاب الصدري.

 

اختصرَ الشعارُ المشهور حينها الذي استخدمه الاثنان في سياقات مختلفة "شلع قلع كلهم حرامية" التشابه الكبير بينهما.

 

مع ذلك، يأتي التشرينيون والصدريون من موقعين مختلفين في خصومتهم مع النظام السياسي الحالي الذي يتفقون على أنه لم يعد صالحاً ولا قابلاً للاستمرار.

 

ففيما يأتي الصدريون من داخل النظام السياسي حتى من موقع عدم تصالحهم الكامل معه، برغم استمرار استثمارهم فيه واستفادتهم منه وسعيهم إلى إصلاحه من الداخل، يأتي التشرينيون من خارجه ويستسهل كثيرون منهم إصدار دعاوى الإطاحة الكاملة به، من دون القدرة على اقتراح خارطة طريق معقولة وعملية لتحقيق هذا بدون دفع البلد نحو الأسوأ.

 

في الأزمة الحالية التي بدأت في شهر فبراير بعد اشتراط المحكمة الاتحادية نصابَ الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية، أو ما أصبح يُعرف بالثلث المعطل، الذي حَرَمَ عملياً الأغلبية البرلمانية من حقها في تشكيل الحكومة ورَسَّخَ التوافقَ والمحاصصة، قاد عجزُ التحالف الثلاثي، بزعامته الصدرية، عن تشكيل حكومة الأغلبية، إلى بدء عملية الانسلاخ التدريجي، لكن المتسارع للتيار الصدري عن النظام السياسي ونخبته الحاكمة.

 

هذا تطور مهم وغير متوقع، وبالترافق مع الخطاب الشعبوي المدافع عن الفقراء بإزاء أغنياء السياسة الفاسدين والتوعد بالانتقام منهم وإخراجهم من مواقع السلطة، كَسب التيار الصدري جمهوراً واسعاً متعاطفاً معه، لكن ليس موالياً أو تابعاً له.

 

في لحظة الوضوح السياسي الحالية والنادرة، حيث الخنادق والمواقف معلنة وصريحة ومتضادة، يقف الكثير من العراقيين مع الصدريين في صراعهم مع الإطار التنسيقي، ليس لأنهم يؤمنون بقيم التيار الصدري وأفكاره، وإنما لأنهم يجدون في الصدريين القوةَ الوحيدة القادرة على هزيمة الإطار التنسيقي بوصف الأخير الممثل الرسمي والمؤسساتي، والمنتفع الأول والأكبر من نظام ما بعد 2003، والأشد فساداً وتمسكاً بالسلطة فيه.

 

قد يتراجع الصدريون عن احتجاجهم الحالي، ويعودون الى النخبة السياسية الحاكمة في سياق تسوية أو صفقة ما تمنحهم المزيد من الامتيازات في البنية الحالية لهذا النظام.

 

لكن ستكون مثل هذه العودة خياراً استراتيجياً بالغَ السوء، يشبه الانتحار السياسي للتيار، وعلى الأغلب لن يرتكب التيار مثل هذا الخطأ المصيري. لكن بُنية التيار القائمة على الطاعة المطلقة لزعيمه تجعل مثل هذه الاحتمالات وغيرها قائمة ومقلقة.

 

يطالب كثير من التشرينيين المترددين من النزول للشارع وخوض المواجهة الحالية بضمانات أن التيار الصدري لن يتراجع في المستقبل عن سقوفه الاصلاحية العالية الآن لمصلحة صفقة مستقبلية مع الإطار التنسيقي ويتركهم لوحدهم في الساحة.

 

هذا التساؤل/الطلب إشكالي جداً، ويمثل أحد الامثلةً الأكثر شيوعاً في أيامنا هذه على الأسئلة الخطأ التي تقود حتماً إلى الأجوبة الخطأ.

 

لا يوجد احتجاج شعبي حقيقي في العالم يطالب بضمانات على حصول أشياء أو عدم حصولها في المستقبل شرطاً للقيام بالاحتجاج! لم يطالب التشرينيون في احتجاج 2019 بضمانات قبل شروعهم باحتجاجهم الباسل حينها. كانوا محتجين حقيقيين حد الفدائية، إذ واجهوا رصاص القنص والقنابل "الدخانية" التي كانت تخترق الجماجم وتقتل المحتجين وواصلوا الاحتجاج.

 

لم يطالب أي احتجاج عراقي قبل 2019 بضمانات شرطاً للاحتجاج.

 

ينطوي كل احتجاج شعبي حقيقي في أي مكان في العالم على قدر من المغامرة، مخاطرة ما، بالحياة احياناً، من أجل هدف سامٍ ونبيل يؤمن به المحتجون ويعتقدون بأنه يستحق التضحية لبلوغه.

 

فقط الساسة، الذين يعقدون الصفقات والتسويات، يحتاجون إلى ضمانات ويصرون عليها أحياناً كثيرة، لكن ليس المحتجين.

 

المحتجون مغامرون وطنيون وليسوا مفاوضين يعقدون اتفاقيات أو صفقات ويطالبون بضمانات من أجل تنفيذ الاحتجاج!

 

الخطورة الأخرى، والمغالطة الفادحة، في طلب الضمانات شرطاً للاحتجاج هو تأكيد عكس ما تسعى اليه تشرين: تابعيتها للتيار الصدري، فيما هي تؤكد على استقلاليتها.

 

لا يحتج التشرينيون، إذا قاموا بذلك، من أجل التيار الصدري أو دعماً له، وإنما يحتجون من أجل العراق الذي احتجوا من أجله في 2019 و2020، ويرفعون شعارات ومطالب رفعوها في ذلك الاحتجاج الاستثنائي.

 

كل الذي يعنيه تجدد الاحتجاج التشريني الآن هو أنه يختار لحظة ضعف استراتيجي تمر بها النخبة السياسية التي خرج ضدها ويستثمرها لتحقيق أهدافه. يعني هذا ايضاً فائدة متبادلة تشرينية-صدرية وليس تابعية طرف لآخر.

 

بوصف الاحتجاج، أي احتجاج، بضمنه الاحتجاج الصدري الحالي، مغامرةً في الأشياء غير مضمونة النتائج، الصحيح هو أن يُهيِئ التشرينيون، إذا قرروا الاحتجاج، أنفسهم للتعاطي مع الأسوأ والأصعب حتى احتمالات تعرضهم للرصاص والقمع، وانسحاب التيار الصدري من الاحتجاج لأسباب صدرية.

 

كاحتجاج مستقل عن الاحتجاج الصدري، الصحيح هو أن يتواصل الاحتجاج التشريني بأدواته ولغته ومطالبه.

 

الذي صنع تشرين كتجربة وطنية عابرة للطوائف والجماعات وجديرة بالاحترام، ليس حقيقةَ الاحتجاج نفسه وسقوط ضحاياه واستهداف السلطة له، بل الالتفاف الوطني العراقي الواسع حوله: التفاف الناس العاديين والصحافيين والكُتاب ورجال الدين والناشطين وسواهم من المؤثرين في الرأي العام حوله، وتعاطفهم معه ومطالبتهم السلطة بوقف القمع ضده ومحاسبة القتلة.

 

لولا هذا الالتفاف والتعاطف العام مع محتجي تشرين، لأصبحت تشرين على الأغلب تحدياً أمنياً آخر للسلطة يُقمع بالسلاح والتعتيم الإعلامي والإنكار الحكومي، فتموت ذكراه بمرور الزمن، دون أن يحفر وجوده الدائم الحالي في قصة هذا البلد وتأثيره العميق عليه. المجتمع هو الذي حمى تشرين في 2019، وسيحميها مرةً أخرى إذا خرجت في 2022.

 

أخيراً، خروج تشرين محتجةً، في خضم مواجهة احتجاجية مختلفة عن مواجهة 2019، تتسم بأهداف أكثر وضوحاً وتحديداً، سيدفعها لتشذيب بعض شعبوية خطابها لصالح براغماتية تحتاجها تشرين في ابتداع الحلول والانتباه للصيرورات، والتخلص من المنطق الطهراني المتشدد القائم على الكل أو لا شيء.

 

في أيام الاحتجاج الصدري هذه، يوازن الصدريون ببراعة، لحد الآن، بين خطاب تحشيد عام ينطوي على الكثير من الروح الشعبوية، ومطالب سياسية ومؤسساتية براغماتية وقابلة للتحقيق، كالانتخابات المبكرة وحل البرلمان والحفاظ على القانون الانتخابي الحالي.

 

ربط الفعل الاحتجاجي بمطالب سياسية إصلاحية هو أحد خطوات النضج الذي تأخرت عنه تشرين لأسباب متداخلة وكثيرة. تحتاج تشرين أن تطور مطالبها الخاصة بهذا الصدد.

 

اللحظة العراقية الحالية مناسبة لتشرين كي تواصل وضع بصمتها في حياة هذا البلد ومستقبله بدلاً من الاكتفاء بالانتظار والتفرج والمطالبة بضمانات تجعلها محتجة من جديد!