Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

هل تحتاج الانتخابات إلى إلغاء العد والفرز الإلكتروني؟

2022.08.14 - 13:10

حسين الحاج حمد

أسبغ الدستور العراقي لعام 2005 على قرارات المحكمة الاتحادية العليا صفتي البتات والإلزام، جريا على ما سارت عليه الدساتير بشأن أحكام القضاء الدستوري. ومفاد هاتين الصفتين أن قرارات المحكمة نهائية، ولا يجوز الطعن ضدها بأي طريق من طرق الطعن المعروفة. وأيضا تمتعها بالحُجية المطلقة وإلزامها للسلطات كافة، وللغير حتى وإن لم يكونوا طرفا في الدعوى التي صدر فيها ذلك القرار؛ نظرا لعينية الدعوى الدستورية.

 

 

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

وإذا كان من المتفق عليه تمتع قرارات المحكمة بصفتي البتات والحُجية المطلقة، فإن السؤال الذي يطرح هنا يرتبط بأجزاء القرار التي تكتسب الحُجية المطلقة، أو بتعبير أدق هل تشمل الحُجية الأمر المقضي فيه لكل مكونات الحكم؟ إذ من المعلوم أن الحكم القضائي يتكون - بشكل عام - من الأسباب ومنطوق الحكم (الفقرة الحكمية) ولا تختلف قرارات المحكمة الاتحادية العليا بهذا الشأن.

 

وإجابة عن التساؤل المتقدم يتمتع منطوق الحكم بحُجية الأمر المقضي فيه بالإجماع. إلا أن الاختلاف قد وقع بشأن أسباب الحكم إلى اتجاهين، الراجح فيهما شمول الحُجية للأسباب التي ترتبط بمنطوق الحكم ارتباطا وثيقا، وتعد مكملة له.

 

ومنطوق الحكم هو جزؤه الذي تفصل فيه المحكمة بالدعوى سواء أكان بشكل إيجابي أم على نحو سلبي، ويمثل غاية الخصوم، وعادة ما يكون المنطوق مسبوقا بعبارة: "ولكل ما تقدم قررت المحكمة" أو "لهذه الأسباب حكمت المحكمة". وبغض النظر فيما إذا كان المنطوق بأسلوب الفقرات أو على شكل سردي. وأما الأسباب فيراد بها الأدلة والحجج التي بحثتها المحكمة واستندت إليها للوصول إلى منطوق الحكم.

 

وبالرجوع إلى قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (159/اتحادية/2021 في 27/12/2021) والمتعلق بالدعوى المقامة لغرض إلغاء نتائج الانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب لعام 2021. فالملاحظ أن المحكمة قد ردت الدعوى استنادا إلى أحكام المادة (93/سابعا) من الدستور، المتعلقة باختصاص مصادقتها على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وهو في الحقيقة استدلال غير موفق. مع أنها - أي المحكمة -  لم توضح سبب الرد بشكل صريح، وفيما إذا كان لعدم اختصاصها، علما أنها قد أوردت (13) حيثية في ثمانِ صفحات، ترتبط جميعها بموضوع الدعوى، بما يؤكد تجاوزها مسألة الاختصاص. أم أن الرد كان لأسباب موضوعية، وما يناقض ذلك أنها أقرت الكثير من وقائع الدعوى مما يستلزم قبولها والحكم فيها تبعا لذلك القبول.

 

ومن الواضح أن الاعتبارات العملية قد كان لها الدور الكبير في عدم وضوح موقف المحكمة، والتناقض الحاصل بين قناعتها بشأن بعض وقائع الدعوى ومنطوق قرارها؛ بسبب تردد المحكمة في إلغاء نتائج الانتخابات؛ لما يتركه ذلك الحكم - بحسب نظرها - من آثار سياسية وشعبية وليست أخيرا مالية.

 

وبغض النظر عن ذلك فإن أهم ما في هذا القرار العبارة الواردة في الحيثية رقم (13) وهي: (تجد هذه المحكمة بوجوب حصول تدخل تشريعي من قبل مجلس النواب القادم لتعديل قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم 9 لسنة 2020 واعتماد نظام العد والفرز اليدوي بدلا من العد والفرز الالكتروني).

 

وتثير هذه العبارة أكثر من إشكال يرتبط أبرزها بالحُجية التي تتمتع بها قرارات المحكمة الاتحادية العليا، ومدى شمولها لتلك العبارة.

 

 وقبل بيان ذلك سنسلط الضوء على إمكانية رقابة المحكمة الاتحادية العليا على السلطة التقديرية لمجلس النواب.

وفي هذا الشأن يذهب أغلب الفقه الدستوري إلى جواز اخضاع سلطة المشرع التقديرية لرقابة المحكمة الاتحادية العليا. إذ إن هذه السلطة - وبما تسمح به للمشرع من حرية اختيار البديل المشروع والمناسب لمعالجة الموضوع المراد تنظيمه قانونيا - ليست مطلقة، وإنما هي سلطة قانونية محددة بما وضعه الدستور من ضوابط وأحكام في هذا الشأن.

 

ويترتب على ذلك عدم جواز اختيار مجلس النواب بديل (الحل التشريعي) لا يتفق مع الدستور، وإلا كان للمحكمة الحكم بعدم دستورية ذلك البديل إذا ثبت لها مخالفته للأحكام الدستورية.

وبالرجوع إلى نصوص الدستور نجدها قد خلت من أية حلول محددة بشأن عد وفرز أصوات الناخبين، ومفاد ذلك تمتع مجلس النواب بسلطة تقديرية تسمح له باختيار الطريقة اليدوية أو الالكترونية أو الجمع بينهما لعد وفرز الأصوات، وذلك بحسب المعطيات المطروحة أمام المجلس.

 

وتبعا لذلك لا يصح القضاء بعدم دستورية أي بديل من البدائل المتقدمة؛ لأن اختياره يندرج تحت السلطة التقديرية التي يتمتع بها مجلس النواب في هذا الشأن.

 

وهذا ما اكدته المحكمة الاتحادية العليا نفسها في قرارها المرقم (105/اتحادية/2021 في 8/9/2021) بقولها (إن أسلوب العد والفرز الالكتروني لا يشكل أي مخالفة دستورية ويعتبر ضمانة لنزاهة الانتخابات وعدم وقوع أي تزوير).

 

إلا أن المحكمة وبعد اجراء الانتخابات قد اختلف موقفها بشكل جذري عندما ذهبت إلى وجوب حصول تدخل تشريعي لاعتماد نظام العد والفرز اليدوي بدلا من العد والفرز الالكتروني.

 

ففي قرارها الأول نجد المحكمة قد أقرت بدستورية العد والفرز الالكتروني، وأنه يعد خيارا تشريعيا لا يخالف الدستور. في حين نراها - وبالتشكيل نفسه وبشأن المادة ذاتها - أوجبت حصول تدخل تشريعي لاعتماد العد والفرز اليدوي بدلا من العد والفرز الالكتروني.

 

ولم تبين المحكمة فيما إذا كان وجوب التدخل التشريعي - بالمعنى المتقدم - هو نتيجة عدم دستورية الطريقة المعتمد نفسها، أم بسبب المخالفات التي رافقتها. وشتان ما بين هذين الأمرين؛ إذ إن الأول يعطي للمحكمة اختصاص النظر فيه. في حين يخرج الثاني عن اختصاصها، ويدخل في اختصاص الجهات والهيئات القضائية التي حددها الدستور والقانون.

 

وإذا سلّمنا بالتبرير الأول فإنه يلزم من المحكمة عندئذ تحديد وجه المخالفة الدستورية على نحو واضح ودقيق، لا سيما وإن مجلس النواب يتمتع بسلطة تقديرية بشأن اعتماد الطريقة المناسبة لعد وفرز أصوات الناخبين. وهو ما لم تقم به المحكمة لا من قريب ولا من بعيد.

 

أما إذا ركنا إلى التبرير الثاني فنجد أن المحكمة قد أقحمت نفسها في موضوع لا يندرج تحت اختصاصها، ولا تنبسط ولايتها عليه، مما يجعل رأيها منعدما، وليس له أي أثر قانوني؛ نتيجة مخالفته للدستور.

 

ولو تنزلنا وسلّمنا جدلا بأن ما قضت به المحكمة - وفق ما تقدم - يندرج تحت اختصاصها بالرقابة على دستورية القوانين، فإن هذا الاختصاص يقتصر على بيان مدى اتفاق القانون مع الدستور، ولا يتعداه لإمكانية توجيه أوامر من المحكمة الاتحادية العليا إلى مجلس النواب.

 

فاختصاص الرقابة الدستورية لا يعطي للمحكمة سلطة إلزام مجلس النواب بعمل معين، وهذا ما خالفته المحكمة عندما قضت بوجوب استبدال العد والفرز الالكتروني بنظيره اليدوي. وهو ما لا ينعقد لها؛ كونها قد سلبت مجلس النواب أهم اختصاصاته الدستورية بتشريع القوانين، والسلطة التقديرية المتروكة له في هذا الشأن، من دراسة البدائل ومناقشتها، واختيار أكثرها ملاءمة - حسب رأيه - لتنظيم الموضوع.

 

وبذلك نجد أن المحكمة الاتحادية العليا قد خالفت مبدأ الفصل بين السلطات، وما تضمنته النصوص الدستورية من أحكام وضوابط لبيان هذا المبدأ، وبالتحديد اختصاص مجلس النواب بتشريع القوانين.

 

وفيما يتعلق بمدى حُجية الأمر المقضي فيه الذي تتمتع به قرارات المحكمة الاتحادية العليا فقد تبين أن الدعوى تستهدف إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2021؛ بسبب الادعاء بوجود مخالفات سبقت، وعاصرت، ولاحقت عملية الانتخاب. أي أن سبب الدعوى يرتبط بتطبيق طريقة العد والفرز الالكتروني والاجهزة المستخدمة في هذا الشأن، وليس في الطريقة بحد ذاتها، وقد توصلت فيها المحكمة إلى رد الدعوى.

 

أما بشأن ما ذكرته المحكمة من وجوب التدخل التشريعي لإلغاء العد والفرز الالكتروني واعتماد اليدوي مكانه فإنه يخرج عن نطاق الدعوى، إلا أن ذلك لا يمنع من تصدي المحكمة للمادة (38) من قانون انتخابات مجلس النواب رقم 9 لسنة 2020 وإصدار الحكم المناسب بشأنها.

 

وإذا كانت المحكمة ترى عدم دستورية المادة أعلاه، فلماذا لم تستخدم سلطتها في التصدي لها، والحكم وفق ما تراه بشأنها، وبما أنها لم تسلك هذا السبيل فإن العبارة محل البحث والنقاش تكون غير صادرة على سبيل القضاء.

 

فحسم مصير المادة (38) التي اعتمدت العد والفرز الالكتروني من الناحية الدستورية لا يكون إلا بتصريح المحكمة بذلك في منطوق قرارها أو الأسباب المكملة له، حتى وإن كانت قد رفضت الدعوى الأصلية، استنادا إلى التصدي الذي مارسته المحكمة من قبل بشكل عملي، على الرغم من عدم ادراجه في نظامها الداخلي.

 

وبما إن المحكمة لم تورد تلك العبارة في منطوق حكمها، ولم تصرح باستخدام سلطة التصدي، ولم توزن المادة (38) بشكل واضح مع الدستور، فإنه يمكن القول بعدم تمتع تلك العبارة الواردة في حيثيات قرارها بحُجية الأمر المقضي فيه.

 

إذ تبين لنا سابقا بأن تلك الحُجية تثبت للمنطوق والأسباب التي تكمله، وبالرجوع إلى عبارة المحكمة نجدها لا تشكل منطوقا للحكم، وليس جزءا منه، ولا تندرج تحت الأسباب المكملة له، لا سيما وأنها قد ذكرتها - أي المحكمة - من دون اتصال صحيح بالنص، وعدم وجود مخالفة دستورية واضحة.

 

وحتى لو فرضنا بأن ذلك يعد حكما من المحكمة الاتحادية العليا بشأن عدم دستورية العد والفرز الالكتروني فهل تُسقِط هذا العبارة المبهمة والغامضة والمخالفة للدستور حكم المحكمة السابق الصريح، والواضح، والمنسجم مع الدستور الذي قضيت فيه بأن العد والفرز الالكتروني لا يشكل أي مخالفة دستورية؟

 

أو بتعبير آخر هل يسقط منطوق الحكم الصريح المتمتع بحُجية الأمر المقضي فيه الوارد في قرار المحكمة المرقم (105/اتحادية/2021 في 8/9/2021) بعبارة ينتابها الخلل والقصور في كل تفاصيلها؟

 

وفي الحقيقة يصعب الإجابة بـنعم على التساؤل أعلاه؛ لعدم وجود مبرر مقنع لذلك، إلا إذا بيّنت المحكمة أسباب سلوكها هذه الطريقة غير المعهودة في القضاء الدستوري لحسم مواضيع مهمة يرتبط بها وجود الدولة وشرعية سلطاتها.

 

وبناء على ذلك تعد طريقة العد والفرز الالكتروني موافقة للدستور؛ استنادا لقرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (105/اتحادية/2021 في 8/9/2021) الذي قرر ذلك بشكل صريح وواضح، أما ما ورد في قرارها المرقم (159/اتحادية/2021 في 27/12/2021) بوجوب حصول تدخل تشريعي لاعتماد نظام العد والفرز اليدوي بدلا من العد والفرز الالكتروني فإنه يخرج عن دائرة القرارات بعدم الدستورية، ولا يرتب آثارها.