Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

’مكس عراقي’.. مقدمة للنهوض من ركام صراع الأمم

2022.06.25 - 11:26

ياسين البكري

في هذه اللحظة التاريخية الفارقة يقف العراق على تصادم صراعات وإثبات هوايات، حيث يتأرجح بين موجات تسونامي وهو مطأطأ الرأس، ينتظر مرور العاصفة، أو كرم الجيران،  لحظة بهذه المواصفات تشكل صورة الاستسلام المحض الذي دائماً يكون ثمنه باهظاً عراقياً وإقليمياً ودولياً.

 

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

غابت عظمة العراق وكيمياء خلط الجينات، فتغطرس الآخرون، أطلسيون وفرس وأترك وعرب، وبقي العراق الحالي كفطيم يصارع وهو الكبير منذ سومر وبابل وأيقونة العظمة حين تقطر في قاع فخاره  كل خمر الدنيا وتعتق ببغداد العباسية، لتتشكل صورة جديدة للعالم مختلفة عن إمبراطوريات سابقة ممتدة، حتى الإمبراطوريات الحاضرة في مزج عناصر مختلفة وثقافات متنوعة لشكل جديد متفرد.

 

في قانون الظهور والأفول للأمم يكون لعنصر "الهوية" دور مهم في البقاء، لكن بفقدان هذا العنصر يتراجع دور الدولة (بوصفها حاضة للهوية)، بالتالي تصبح مجرد تابع أو ملعب أو ولاية على الهامش قد تنعم بالإستقرار لكنها ليست فاعلة، (مجرد هامش).

 

بغداد التي فهمت معنى المزج والتلاقح انتهت اليوم على تصارع الطوائف والقوميات بافتقادها للخيارات، فهي اما لاعب، أو ملعب يستبيحه الآخرون لعظمتهم.

 

يتمنى الكثير أن تكون بغداد هامشا، بشرط الاستقرار، لكن قواعد الجيوبوليتيك وجذوة الحضارة الكامنة لا تنطبق على بغداد التي كانت وما زالت بين خيارين مرين، إما فاعلة مشعة أو آفلة منفعلة.

 

مأساة العراق إنها نقطة وسطية، وتلك أيضا ميزته، والعامل الفارق هو النظر بعمق لمكونات الذات المجتمعية، بين ان تكون تابعاً، مؤثراً أو متبوعاً والتمييز بين الثلاث قصص آخرى، الحد الفاصل بينهما سمة العدائية أو التأثير أو الاستكانة، ليبقى عنصر التأثير حاضرا بوصفه قادراً على البناء والتفاعل وإنتاج صيرورات تضخ في أوردة الإنسانية دماً محملاً بالإبداع.

 

الهوية، لعبة خطرة دقيقة التركيب لإنتاج خصوصية، فقد كانت الإمبراطوريات تعتمد على خلق عدو لزيادة تماسكها عبر غرس الإحساس الجمعي بالخطر من الآخر لانتاج بنية قادرة على الصمود والنمو والتوسع، المشكلة أن هذا المسار حقق غاياته في الإمبراطوريات الكبرى عبر التأريخ، ولم يكن غريباً أن تعتمده الدولة العراقية الحديثة في مسار بنائها الوليد منذ الملك غازي في مغادرة لمسار فيصل الأول الذي كان مهتماً بالعناصر الداخلية وتنميتها وفهم ميكانيزمات تصارعها التي تحتاج لبناء وئيد متدرج عبر حكمة السياسي ودوره الأهم، غير أن ذلك المسار لم يعجب العسكر المستعجلين الذين وجدوا في الملك الشاب ضالتهم لاستثمار عوامل الصراع الطبيعية مع الأمم المجاورة والتي يمكن حلها بطرق الدبلوماسية الهادئة التي قد تحقق مكسباً في ملف هنا، وخسارة في ملف هناك، وتأجيل لملف أخر، وهي الطريقة التي تتيح بعد نظر في فهم عناصر القوة الذاتية وتحدياتها وتنمية الممكن منها.

 

المخاوف من التنوع المجتمعي العراقي والخشية من استثماره سياسياً عبر الخارج، دفع مهندسو الهوية العراقية باعتماد الطريق الأسهل والأسرع والأخطر بنفس الوقت، عبر تعظيم التحديات الخارجية لخلق هوية عراقية تشعر بالخوف والخطر من آخر متخيل أو طبيعي في صراع الأمم، صيغت الهوية العراقية بوصفها متحدية لمطامع الأخر(لا يعني ذلك إنكار عداوات الآخر تجاه الذات العراقية)، بعيداً عن خصوصيات الهويات الفرعية وحقوقها، ولا غرابة ان تكون قضية الكويت حاضرة في ثلاث لحظات مفصلية ابتدأت مع الصعود اللافت للعسكر في زمن الملك غازي واستمرت مع عبد الكريم قاسم وصدام حسين.

 

لا أحد ينكر إشكالية الكويت،  لكنها من نوع الإشكاليات القابلة للتأجيل والحل البطئ بعيداً عن التصعيد والصِدام المر الذي دفع العراق ثمنه معاناة ما زالت قائمة كواقع وكإشارات في كل إحاطة لمندوبي الأمم المتحدة في تقريرهم لمجلس الأمن الذي يؤشر لخطيئة ارتكبت بقياس زمن الأمم المتحدة المثالي من ناحية، واختلال ميزان القوى الواقعي من ناحية أخرى.

 

العراق قصة جغرافيا متناقضة وديمغرافيا متنوعة يشبه حجر الزاوية بين طموحات أمم مجاورة، وتنوع يأخذ من المتصارعين بعض ألوانهم النقية أو المفروضة عليه كمتخيل من الآخر، وهنا معضلة، أو فرصة للعراق أو المتحاربين الخارجيين.

 

العراق نقطة صراع، أو ملتقى أمم بخصوصية لا تنتمي لأحد سواه.

 

تلك تحديداً نقطة الفهم الأساسية لمزيج الكيمياء العراقي التي حين يفهمها أبناؤه، أو المتحاربون، سيفهمون معنى أن يكون العراق أمة عظيمة متنوعة تساهم في الثراء الإقليمي والعالمي، دون أن تكون أداة لأحدهم في حربه التي تزيد مأساة العراق مساحة كبرى من القتل المتعمد، لفرصة قد تمنح المحاربين مساحة لقاء وسلام.

 

حين يطرح العراق بوصفه جسراً بين الأمم لا يعني أن يكون تابعاً لأحد، وليس هو الدور الذي منحه للعراق هذا التنوع الاجتماعي والتوسط الجغرافي، العراق يجب أن يُفهم من أبناه بوصفه مزيجا ينتج بنية مختلفة ومتميزة عن مجموع مكوناته، ويفهم من قبل المتحاربين الإقليميين والدوليين على أنه عصي على أن يكون لأحدهم.

 

العراق بهوية عراقية جامعة للداخل والخراج، وذات متميزة، هي وصفة لمن يمسك بمفاتيح السلطة في الداخل العراقي في كيفية التعاطي مع الآخر دون عنجهية أو خضوع، ووصفة للخارج المتصارع بأنه لن يكون أداة لأحدهم، ويمكن أن يكون حين يصححون زاوية نظرهم، نقطة تعاف ولقاء لصراعات المنطقة.