Shadow Shadow

تغطية حراك تشكيل الحكومة.. لحظة بلحظة

المشاريع الاستراتيجية.. مسامير فشل أحزاب السلطة التنفيذية في العراق

2022.06.24 - 12:30

القاسم العبادي

قد لا يجدُ أي باحثٍ في الشأن السياسي العراقي أي حاجةِ لعمل استبانةٍ أو استطلاعِ رأيٍ عن حقيقة فشل السلطات وأحزابها، فغياب الخططِ و المشاريعِ التنموية أبسطُ مؤشرٍ ملحوظ لدى المواطنين يؤكد عدم جدية تلك الأحزاب في جعل العراق دولة تنافسُ الدول في أي مفصل.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

يتابعُ المواطن العراقي تعاقبَ الدورات الانتخابية مع بصيص أملٍ مطلع كل بداية برلمانٍ جديد بإنتاج حكومة أفضل من سابقتها، لكن سرعان ما يتلاشى ذلك الأمل بعد عدّة أشهر و يترجم على شكل سخطٍ شعبي، بدأ بعدة عشرات يجوبون ساحة التحرير وسطَ بغداد شتاء عام ٢٠١١ في حكومة المالكي، وتنامى بشكلٍ تدريجيٍ في كل موجةٍ احتجاجية، حتى بلغ أقوى و أشد تمظهراته في احتجاجات تشرين ٢٠١٩ أيام حكومة عبد المهدي.

في عراق ما بعد ٢٠٠٣، تنطلقُ الحكومات المتعثرة بعد نيلها ثقة مجلس النواب، لتباشرَ مهامها و مسؤولياتها بالعمل وفق الالتزامات الدستورية والشعبية، وقُبيل إنهاء السنوات الأربعِ من عمرها، تبدأ الحكومة بغرس مساميرِ الفشلِ بمطرقةٍ مطرزةٍ بمختلف المبررات والقوالب الجاهزة من تهم العمالة والتخوين والتحريض بحق مجموعةٍ من صناع الرأي، وتصويرهم كحفنة عملاء يخدمون مصالح جهاتٍ خارجيةٍ لا تريد الخير للعراق و العراقيين.

 

المالكي و مسمار البنى التحتية

طُرح مشروع هذا القانون في عام 2009 للتصويت عليه، وتم تحويله الى اللجانِ البرلمانية ذات العلاقة وعدلت بعض بنوده ولم يظهر مجدداً.

ذلك القانون الذي أثير حوله الكثير من اللغط والمؤاخذات، كانت أبرزها أن القانون يعتمد طريقة تسديد الشركات الصينية والكورية بكميات من النفط الخام العراقي أو العملة الأجنبية، على نقيض ما تنتهجه حكومات دول العالم باعتماد عملاتها المحلية في مشروعات القوانين، إضافة لما هو متعارف عليه عالمياً، إن مشاريع البنى التحتية لا تعود بأرباح كبيرة، فقد سقط المالكي بمغالطة إدعاءه أن تكاليف تلك المشاريع ستسدد بشكلِ دفعاتٍ و بفوائدَ رمزية، على خلاف حقيقة أن تلك الفوائد المطروحة في مشروع القانون كانت بصيغة آجلة تتضاعف بمرور السنين و تحمل الحكومات التي تليها ديوناً متراكمة ترهق كاهل الموازنات الإتحادية.


على الرغم من أن المشروع قد أصبح بمرور الوقت مسماراً جاهزاً يدقه المالكي متى ما شاء في جدار كسر الإرادات السياسية، و استخدامه لمشروع القانون في لعبة الصفقات السياسية باشتراطه تمرير القانون مقابل تمرير قانون العفو العام، فقد استخدم المالكي ذلك المسمار لكيل مختلف الاتهمات المباشرة بالتآمر من قبل الباحثين و صناع الرأي بتحشيد الرأي العام ضد القانون، بكونهم مدفوعين من أجندات خارجية و تعطيلهم مشروع الطفرة النوعية.

 

عبد المهدي.. مسمار الاتفاقية الصينية وطريق الحرير


جاءت حكومة عبد المهدي بعد معركةٍ شرسةٍ خرج منها العراق منتصراً على أعتى تنظيمٍ إرهابي، كانت تنتظر تلك الحكومة استحقاقات كثيرة بعد حقبة من فساد و سوء إدارة حكومتي المالكي، و انخفاض أسعار النفط الخام عالمياً بالتزامن مع الحرب على داعش التي عَطلت حكومة العبادي، و غيرها من الاستحقاقات التي بادرت حكومة عبد المهدي بالالتزام بتحقيقها أمام العراقيين، منها مكافحة الفساد و الوصول للاكتفاء الذاتي و النهوض بالقطاعين الصناعي والزراعي و دعم القطاع الخاص لتوفير فرص عمل للعاطلين الذين بلغوا في عام تسلم تلك الحكومة أكثر من ١٤ مليون حسب إحصاءات رسمية.


ظهر عبد المهدي بزيارة رسمية للصين منتصف أيلول ٢٠١٩ وهو يتجول في عدة منشآت صناعية، ليعود للعراق بإعلانٍ كبيرٍ بشر به العراقيين وهو توقيع اتفاقية مع الصين الشعبية، مع سرد مقتضب لتفاصيلها، الذي رأه عدد من المراقبين مشروع ذو ملامح متطابقة مع مشروع البنى التحتية لسلفه المالكي من حيث الفكرة و المضمون.

 

هَزت شوارع العراق في نهاية تشرين الأول من نفس العام موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية، طالت العاصمة بغداد و محافظات الوسط و الجنوب، بعد قرابة عام على منح حكومة عبد المهدي الثقة في البرلمان و نفاذ صبر العراقيين بوعود تلك الحكومة و ما رافقها من اخفاق شامل كامل بكل التزاماتها التي وعدت بها، و سخط المواطنين على جميع الأحزاب المشاركة بحكم العراق منذ العام ٢٠٠٣. ليبدأ بعد فترة وجيزة من تلك الموجة الاحتجاجية العارمة فصلٌ مكررٌ من التبرير مارسته حكومة عبد المهدي و داعميها السياسيين و منصاتهم الإعلامية، باستخدام نفس مسمار الفشل الصدئ الذي طرقه المالكي، بسيناريو جديد يُحمل المحتجين عدم إتمام تلك الاتفاقية، و وصفِهم كذراعٍ مسيرٍ من الغرب و أميركا و إسرائيل، هدفه الاطاحة بتلك الحكومة التي نجحت بعقد تلك الاتفاقية الصينية التي كانت ستحدث القفزة التنموية لو منحت فرصتها الكافية، لتقدم الحكومة استقالتها على إثر تلك الاحتجاجات.
يَكشف بعض المختصين و المقربين من مصادر القرار في العراق، أن لا وجود لاتفاقية بين العراق والصين، وإن توقيع العراق على أي اتفاقيه سيادية يحتم مرورها بالبرلمان للمصادقة عليها و تشريعِ قانونٍ خاص بتلك الاتفاقية، و هذا ما لم يحصل، حيث تبين فيما بعد أن ما تم التفاوض عليه بين العراق و الصين هو عبارة عن حزمة مذكرات تفاهم لا تحتاج لمصادقة السلطة التشريعية، بشكلٍ يفند كل التهم و الاكاذيب التي روجتها الأطراف السياسية الداعمة لحكومة عبد المهدي و منصاتها الإعلامية.

 

الآن وبعد مرور عدة سنوات، يتيبن أن مشروعي البنى التحتية والاتفاقية الصينية لم تكن سوى سرديات تبريرية لحكومات لم تمتلك أبسط مقومات وخطط الوصول لدولة الحد الأدنى في الحقوق والخدمات الأساسية، واستخدمت ذات المسمار المستهلك لتعليق صورة الآمال الضائعة في جدار الفشل، كمحاولة لإقناع جمهورها بأنها حكومات لم تُعطَ فرصتها الكافية لتحقيقِ مشاريعها الجدلية التي ثبتت ركة تفاصيلها ورخو أساستها المليئة بالمؤاخذات والتناقضات وفق الموازين الدستورية والقانونية والنواحي الاقتصادية والسياسية.