Shadow Shadow

موقف الدستور العراقي من نصاب انعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية

2022.02.05 - 15:05

حسين الحاج حمد

تعليقاً على قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (16/اتحادية/2022)

أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها المرقم (16/اتحادية/2022 في 3/2/2022) المتضمن تفسيرها للمادة (70/أولا) من الدستور. بناء على طلب رئيس الجمهورية، وفيما إذا كانت تستلزم حضور أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، أم يكفي في ذلك الأغلبية المطلقة. بعد أن اشترط الدستور الأغلبية الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية.

 

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

وبعد استعراض المحكمة لنصوص الدستور والقانون الخاصة برئيس الجمهورية وشروطه وانتخابه، قررت ضرورة حضور (ثلثي) عدد اعضاء مجلس النواب لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، دون أن تحدد سندا دستوريا ومنطقيا لتفسيرها المتقدم.

وإذا كانت المحكمة قد حددت نصاب انعقاد الجلسة بحضور ثلثي الأعضاء، دون ذكر مفردة (أغلبية) وهو ما يغيّر المعنى، إلا أن ذلك قد يبدو خطأ ماديا، أكثر من كونه أمرا مقصودا.

وبغض النظر عن هذا الخطأ فإننا لا نتفق مع ما توصلت له المحكمة من تفسير، ولأكثر من سبب.

1-   عَرِف الدستور أغلبيتين لمجلس النواب: أحدهما لنصاب انعقاد جلساته، والأخرى لاتخاذ القرارات فيها. والملاحظ هنا الاختلاف بين تلك الأغلبيتين من حيث المضمون والنطاق. فقد اشترط الدستور الأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء لصحة انعقاد جلسة مجلس النواب. في حين اكتفى بالأغلبية البسيطة - بعد تحقق نصاب الانعقاد - لصحة قرارات المجلس.

كما إن الاختلاف لا يقف عند هذا الحد، وإنما نجد الدستور قد غاير بين الأغلبيتين من حيث النطاق أيضا. ففي الأولى نجده قد وضع قاعدة عامة، دون أن يورد استثناء منها، خاصا بجلسة أو جلسات معينة.

وعلى خلاف ذلك نجده قد حدد القاعدة العامة لاتخاذ القرارات في مجلس النواب، إلا أنه قد وضع استثناء عليها بقوله (ما لم ينص على خلاف ذلك)؛ كونه قد نصَّ في مواد دستورية أخرى على أغلبية خاصة لاتخاذ قرارات معينة، تبعا لأهمية الموضوع، كما هو الحال - على سبيل المثال - في تشريع قانون المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وقانون المحكمة الاتحادية العليا، وانتخاب رئيس الجمهورية، والبت في صحة العضوية، حيث حدد لصحة القرارات في تلك الأمور تصويت أغلبية الثلثين لعدد الأعضاء.

ويتضح مما تقدم إن المشرع الدستوري قد أوجد أغلبية متعددة بشأن اتخاذ القرارات، تبعا لأهمية الموضوع محل التصويت، في حين أنه حدد أغلبية واحدة لنصاب انعقاد مجلس النواب. ولو كان هنالك أغلبية أخرى للانعقاد، لحددها في النصوص التي تنظم المواضيع اللازمة لها أولا. ولنص على استثناء في عجز الفقرة الخاصة بنصاب الانعقاد ثانيا، كما هو الحال بشأن أغلبية اتخاذ القرارات، وهو ما لم يورده المشرع الدستوري. ولازم ذلك عدم وجود أغلبية أخرى لانعقاد مجلس النواب، سوى الأغلبية المطلقة.

2-   قد يقال إن الدستور اشترط لانتخاب رئيس الجمهورية حصول المرشح على أغلبية الثلثين. ومن مقتضـــــــيات ذلـك، ضرورة انعقاد مجلس النواب بتلك الأغلبية؛ لأنه كيف ينتخب رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين، ونصاب الانعقاد يتحقق بالأغلبية المطلقة؟

وفي الحقيقة لا يصعب رد هذا الإشكال؛ كونه ينطلق من فهم غير دقيق لحقيقة أغلبية نصاب الانعقاد. فالأخيرة تمثل الحد الأدنى الذي تنعقد به جلسة مجلس النواب، وليس العكس. ومعنى ذلك إن الدستور يستلزم حضور 165 أو 166 نائبا - بحسب فهم الأغلبية المطلقة - لصحة انعقاد جلسة مجلس النواب.

وبناء على ذلك فإن التحديد الدستوري المتقدم لا يمنع من حضور نواب أكثر من الأغلبية المطلقة، ومن ثم قد يصل الحضور إلى العدد الكلي لمجلس النواب، بحسب معطيات معينة، تتمثل بأهمية الجلسة، وما يحتويه جدول أعمالها من مفردات، أو تعذر حضور بعض النواب لظروف خاصة بهم. إلا أن اللازم هو حضور الحد الأدنى، وبغض النظر عن الحد الأعلى الذي يبقى متروكا وفقا للمعطيات أعلاه.

اما بخصوص ربط أغلبية نصاب الانعقاد بأغلبية انتخاب رئيس الجمهورية، فهو لا يعدو أن يكون في اطاره السياسي دون الدستوري، من خلال إلزام الكتل النيابية المتحالفة لأعضائها، بضرورة حضور جلسة مجلس النواب الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية؛ دعما لمرشحها في الحصول على الأغلبية التي حددها الدستور، ولا يتعدى ذلك إلى الإلزام الدستوري.

3-   لو سلمنا بالارتباط بين نصاب انعقاد جلسة مجلس النواب، وأغلبية انتخاب رئيس الجمهورية من الناحية الدستورية، ولازمه حضور أغلبية الثلثين في جلسة الانتخاب، فإن ذلك يخالف حكمة المادة (70) بكاملها، وقد يعطّل الفقرة الثانية منها.

فالمادة المذكورة جاءت بتنظيم متكامل لعملية انتخاب رئيس الجمهورية، ابتدأه المشرع الدستوري بأغلبية خاصة. وفي حال عدم الحصول على تلك الأغلبية يصار إلى جولة ثانية، اكتفى فيها الدستور بأغلبية الأصوات، وبغض النظر عن حجم تلك الأغلبية.

فالحكمة من الفقرتين أعلاه تبدو واضحة، فبالنسبة للفقرة الأولى فإنها تهدف إلى إعلاء شأن رئيس الجمهورية، من خلال استناده إلى أغلبية برلمانية، وضرورة انتخابه من أغلبية ثلثي ممثلي الشعب. وتمثل هذه الطريقة الحالة المثالية لانتخاب رئيس الجمهورية.

أما الثانية فهي تعالج الواقع العملي المتمثل بعدم وجود مرشح يحظى بأغلبية برلمانية تؤهله للحصول على أغلبية الثلثين، وتسهيلا لانتخاب رئيس الجمهورية اكتفى المشرع الدستوري بأغلبية الأصوات.

والسؤال الذي يثار هنا يتعلق بمصير أغلبية نصاب الانعقاد في الجولة الثانية، وهل تسري عليها ما حددته المحكمة من نصاب، أم أن ذلك يقتصر على جولة الاقتراع الأولى؟

وبالرجوع إلى تفسير المحكمة نجده قد اقتصر على تفسير الفقرة الخاصة بجولة الاقتراع الأولى - التزاما بما محدد في طلب التفسير - دون بيان الأمر الخاص بجولة الاقتراع الثانية.

 

وتبرز أمامنا هنا أغلبيتين مغايرتين، للإجابة على ذلك هما: أغلبية الثلثين بالقياس على تفسير المحكمة، والأغلبية المطلقة طبقا للقاعدة العامة المقررة في الدستور.

فإذا اعتمدنا الأغلبية الأولى فإن ذلك قد يتنافى مع حكمة الفقرة الثانية من المادة (70) المتمثلة بتسهيل انتخاب رئيس الجمهورية، بل قد يصل الأمر إلى تعطيل الجولة الأولى، إذا تعذر تحقق نصاب الانعقاد بأغلبية الثلثين، وهو أمر ممكن واقعيا، في ظل التنافس بين المرشحِين، والكتل النيابية الداعمة لهم. وبذلك يتحقق التشدد - من دون سند يؤيده - في موضع تساهل الدستور إزاءه.

وأما إذا قلنا الأغلبية المطلقة، فإن ذلك يؤكد القاعدة العامة لأغلبية الانعقاد، إلا أنه قد لا نصل إلى الجولة الثانية عند عدم تتحقق نصاب أغلبية الثلثين للمضي في جولة الاقتراع الأولى. إذا سعى بعض النواب أو الكتل النيابية إلى عدم تحقق ذلك النصاب من خلال عدم حضور الجلسة. مع وجود مدة دستورية حتمية للانتخاب، محددة بثلاثين يوما من أول انعقاد لمجلس النواب.

والفرضيات المتقدمة هي نتاج الربط بين أغلبية نصاب انعقاد مجلس النواب، وأغلبية انتخاب رئيس الجمهورية. وتلافيا لذلك نقول بأن أغلبية نصاب انعقاد جلسة مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية، هي الأغلبية المطلقة، وليست أغلبية الثلثين، كما ذهبت إلى ذلك المحكمة الاتحادية العليا في قرارها التفسيري أعلاه، سواء أكان في جولة الاقتراع الأولى أم الثانية، طبقا للقاعدة العامة التي حددها الدستور لانعقاد جلسات مجلس النواب.