Shadow Shadow

عن الشعب الحزين واليد الحانية..انطباعات عن زيارة البابا إلى العراق

2021.03.28 - 12:01

فيء ناصر

أكاد أجزم أن ما من عراقي لم يعانِ أو يتألم أو يُظلم، لا أقصد بأي حال المشقة البشرية المألوفة التي يكابدها كل الناس في كل بقاع الأرض جراء المرض والفقر والفقد وتقلب الأحوال، فبالإضافة إلى هذه المعاناة المشتركة مع الانسانية يكابد العراقي معاناته الخاصة التي هي جزء من المعاناة العامة التي طبعت حياة العراقيين منذ أربعة عقود وأكثر. 

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

 

مامن عراقي لم يفقد ابناً أو أباً أو أخاً أو قريباً أو صديقاً في حروب العراق الحديثة، بدءاً بحرب الثمانينيات مع إيران وحرب الخليج الأولى وحرب احتلال العراق ولم تنته طبعاً بالحرب الأهلية بين عامي (2005_2007) ومافعله الإرهاب بشتى مسمياته في مدن العراق وأرهاب داعش ثم حرب تحرير الموصل، وخسارة خيرة شباب العراق في احتجاجات تشرين 2019 .

ما من عراقي لم يُعتقل أو يُهجر قسراً أو أُضطرَ إلى الهروب وترك أهله ووطنه وتاريخه للنجاة بنفسه، ما من عراقي لم يُضيق عليه في القول أو الفعل أو الرزق، ما من عراقي لم يشهد موتاً أمام عينيه، ما من عراقي لم يُحرم من شيء أساسي في حياته ، كل عراقي له وجعه الخاص وقصته الشخصية التي هي انعكاس للظروف غير الطبيعية لوطنه سواء كان داخل العراق أو خارجه، كل عراقي له حزنه الشخصي الذي لا يشبه حزن بقية العراقيين، وغالباً يعيش العراقي بتوحد تام مع حزنه لدرجة أن تغدو أيّ شكوى أو وصف لهذا الحزن مزيداً من التوحّد به والتقوقع داخله بدل التخفيف عنه، وصلنا لدرجة التباهي والتباري بالأحزان والمصاعب مع بعضنا ومع ذلك هناك حزن عراقي جمعي يشترك به كل العراقيين باختلاف طوائفهم وقومياتهم ومناطقهم، المصاعب الشخصية والإحساس بالظلم والحيف وانعدام الأمل بالإنصاف قادتنا إلى الهشاشة الانسانية وغدونا بأمسّ الحاجة إلى من يضع كفا رحيمة على أكتافنا المثقلة بالهموم والمصائب، من جهة أخرى منحنا الحزن الجماعي كعراقيين رابطة أقوى للتضامن الانساني، فالعراقي أدرى بوجع العراقي، وربما كان هذا التضامن أحد اسباب نهوض غريزة المواطنة واللإنتماء لفكرة الوطن الجامع خلال ثورة تشرين 2019، تلك الفكرة التي كانت مغيبة لصالح انتماءات اخرى. نهوض فكرة المواطنة كان ايضا نتيجة الحاجة العميقة للانتماء لشيء أكبر من ذواتنا، حاجة تدعونا للانزياح عن حزننا الشخصي، وبحالة العراقي خاصة فان هذا الإنتماء كأنه انصهار الحزن الشخصي بالانتماء لفكرة الوطن الجامع للاحزان الفردية.

*هل ساهمت زيارة البابا فرنسيس في تحفيز ونضوج غريزة المواطنة والفخر بالإنتماء للعراق رغم كل الظروف المهينة التي يتعرض لها العراقي من الجنوب إلى الشمال؟

يبدو أن بابا الفاتيكان الحالي الذي اختار لنفسه أسم فرنسيس تأسياً بالقديس فرانسيس الأسيزي (1182-1226 ) الذي كان نصيراً للفقراء والمظلومين ونادى بالمحبة والاحترام للناس أجمع، واشتهر بالرفق بالحيوانات والنباتات وحثُّ عليه وبشّر بالأخُوّة والمساواة، ودعا للاقتصاد وعدم التبذير، واحترام جميع الديانات ويذكر أنه التقى عام 1219 بالسلطان الكامل الأيوبي وهو الأخ الأكبر لصلاح الدين الايوبي أثناء الحملة الصليبة الخامسة لقاءً سلمياً وكان ذلك اللقاء رمزاً للحوار الأول في التاريخ بين الأديان، منحه السلطان تصريحاً كتابياً يخوّله زيارة البلاد المقدسة والوعظ في مصر، يبدو أن البابا فرنسيس الحالي إستلهم نهج القديس فرنسيس الأسيزي حينما زار المرجع الديني علي السيستاني وكان قد إلتقى قبل ذلك بامام الأزهر أحمد الطيب. وصف البابا فرنسيس زيارته التاريخية الى العراق بالحج وأن أرض العراق هي أرض القديسين رجالا ونساء، وكانت كلماته وصلواته منتقاة بدقة ولم تقتصر على رسائل انسانية تضامنية آنية إلى الشعب الحزين والمثقل بآلامه والتي تقترب من آلام السيد المسيح فقط، بل كانت تتضمن رسائل أبلغ إلى العراقيين بأن كونوا فخورين بعراقيتكم وفخورين بتاريخكم وبأرضكم التي شهدت ولادة النبي ابراهيم أبو الانبياء وفخورين بتنوعكم الطائفي والأثني والقومي. وما زيارته لمدينة أور الاثرية في جنوب العراق وصلواته في مجلس ضم بقية الديانات والطوائف في العراق إلا دليل واضح ان بابا الفاتيكان قد عرف جيدا ان الرجوع الى الإرث التاريخي هو القاسم المشترك بين العراقيين بكل طوائفهم وأديانهم: (أشجعكم كي لا تنسوا من أنتم ومن أين أتيتم، حافظوا على الروابط التي تجمعكم معا وحافظوا على جذروكم)، كما أن القاسم المشترك الآخر بينهم هو الحزن والاضطهاد ولم يبخل البابا فرنسيس على العراقيين بالكف الحانية التي مسدت على الحزن بالتضامن والمواساة، لم يبخل سواء بصلواته وكلماته وحمامات السلام والتجوال في أرض العراق من وسطه الى جنوبه الى شماله رغم كبر سنه ووجع عرق النسا الذي يعاني منه والذي كان واضحا في مشيته ومخاطر الفايروس والمخاطر الأمنية.

يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير: (إن التسامح نتيجة حتمية لكوننا بشر نحن جميعاً مصابون بالهشاشة، محطمون، قابلون للكسر، وعرضة للخطأ، دعونا أذن نعفو عن بعضنا)، لكن البابا فرنسيس دعا العراقيين إلى المغفرة وشجاعة المضي في طريقها، فالعفو هو أن تعفو عمن أساء لك لكن لاتنسى فعله بينما تعني المغفرة العفو ونسيان الإساءة وبالطبع أن المغفرة صعبة ومضنية خصوصاً لاؤلئك الذين فقدوا أهليهم وأملاكهم وأُستُبيحت أعراضهم.

(سيبقى العراق في قلبي) هذا ما قاله حبر الكنيسة الكاثوليكية الأعظم حينما عاد إلى الفاتيكان، وبالطبع سيبقى البابا فرنسيس ويده الحانية التي مسدت الجراح وصلواته التضامنية في قلب كل العراقيين.

 

"المدى برس"