Shadow Shadow
حان وقت تحسين علاقة العراق والأردن

شاكر رفايعة

كاتب من الأردن    

حان وقت تحسين علاقة العراق والأردن

2021.02.05 - 13:48

شاكر رفايعة

في الأيام الأخيرة أعلن الأردن عن استئناف واردات النفط العراقي وبكميات قليلة نسبيا على أساس سعري غير تفضيلي متفق عليه منذ سنوات ومرتبط بمؤشرات الأسواق العالمية. وفي حين أفسح ذلك المجال لمراقبة ردود فعل العراقيين والأردنيين وانتقاداتهم الموجهة للحكومتين في بغداد وعمّان، فقد أضاء بالتأكيد على ما آلت إليه طبيعة العلاقات الرسمية وتأثيرات المزاج الشعبي في البلدين الجارين.

قناة "ناس" على تلكرام.. آخر تحديثاتنا أولاً بأول  

مرت العلاقات الأردنية – العراقية بحالة من الجفاء في السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي والإطاحة بنظام صدام حسين في 2003. ومذّاك انطبعت العلاقة بأجواء مد وجزر وتأثرت بمزيج من التوترات الإقليمية ومشاعر الارتياب المتبادل وحسابات الخصوم والأصدقاء.

قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة كانت للأردن معاملة تفضيلية في عموم التبادلات التجارية مع العراق وأسعار مخفضة إلى النصف أو بالمجان لواردات النفط العراقي التي كانت تمثل الجزء الأكبر من استهلاك المملكة. كل هذا لم يعد موجودا.

التحول الذي شهده العراق بعد الغزو الأميركي لم يكن ليشكل عوائق فعلية أمام عمّان، حليفة واشنطن، لتعزيز علاقاتها مع بغداد ولو كان في إطار شراكة الأمر الواقع بين الإيرانيين والأميركيين في رسم السياسة الخارجية للعراق.

لا تُعجب العراقيين، على الأغلب، المعاملة الخاصة المفترضة للأردن الذي يستضيف بعثيين ومسؤولين وضباطا سابقين وأفرادا من أسرة الرئيس الراحل وأبرزهم أكبر بناته.

لا يزال سياسيون ونقابيون أردنيون يمجّدون صدام الذي تباع صوره في الأسواق وتوزع جمعيات خيرية إعانات غذائية على المحتاجين منذ سنوات في ذكرى إعدامه. حزب البعث العربي الاشتراكي مسموح له العمل في المملكة وقائم منذ عقود، ويسمّى اختصارا “بعث العراق”.

مع تولي الأحزاب الدينية الموالية لإيران سدة الحكم وبعده اندلاع الحرب الطائفية في العراق، شعر الأردنيون بأن العراق الذي يعرفونه لم يعد موجودا. كما ساهمت موجات الشحن المذهبي في خلق رأي عام أردني مضاد للسلطات الجديدة في العراق.

الموقف الرسمي في الأردن ظل لسنوات طويلة مطبوعا بالارتياب من تأثيرات النفوذ الإيراني على علاقات العراق بمحيطه العربي، ومنسجما مع سياسات حلفائه الإقليميين والدوليين. ولا يزال العراقيون يذكرون تحذيرات العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في 2004 من “الهلال الشيعي” الذي يراد له أن يمتد من إيران والعراق إلى لبنان والسواحل السورية.

العلاقات الأردنية – العراقية مرت بحالة من الجفاء في السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي وانطبعت العلاقة بأجواء مد وجزر وتأثرت بمزيج من التوترات الإقليمية ومشاعر الارتياب المتبادل

هذه التركة الثقيلة من العلاقات بين البلدين في عهد صدام وما بعده، لا ينبغي أن تبقى ثقيلة إلى الحد الذي يمنع التخلص منها والبناء عليها، بدلا من إضعافها وأحيانا تجاهل أهميتها وحصرها في النفط الذي يستورده الأردن حاليا من العراق لتغطية 7 في المئة فقط من احتياجاته.

لا شك أن مجالات التعاون الاقتصادي المتاحة في العراق مرشحة لأن تكون عماد العلاقات مع الأردن، شحيح الموارد، والذي يعتمد اقتصاده على ما يجنيه من ضرائب ورسوم وما يحصل عليه من قروض ومساعدات خارجية.

كان على الأردن الاقتراب أكثر من جاره الشرقي، على الأقل، لتلافي الهزات والخسائر التي لحقت باقتصاد المملكة بسبب الأحداث والتحولات التي مر بها العراق.

كان من مصلحة الأردن الاستفادة من رؤوس الأموال العراقية التي تدفقت على المملكة منذ ما بعد غزو الكويت في أوائل التسعينات من القرن الماضي مرورا بالسنوات التي أعقبت الإطاحة بالنظام العراقي السابق.

معظم رجال الأعمال العراقيين الذين فكروا في الاستقرار في المملكة ظلوا يشتكون إما من عقبات بيروقراطية في مجال الاستثمار وإما من حزم الضرائب المرتفعة أو حتى المضايقات، ما دفع العديد منهم إلى تحجيم أعمالهم أو نقلها نهائيا إلى خارج الأردن الذي يُنظر إليه عموما على أنه بيئة طاردة للاستثمار.

قبل سنتين تماما شهدت العلاقات الثنائية دفعة إلى الأمام بتوقيع جملة من اتفاقيات التعاون بين العراق والأردن. الاتفاقيات واعدة وتتضمن مشاريع ضخمة أبرزها أنبوب لتصدير النفط يمتد بين البصرة وميناء العقبة الأردني ومشروع آخر لتزويد العراق بالكهرباء.

هذه الاتفاقيات سبقها تبادل للزيارات بين كبار المسؤولين وعلى رأسهم العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني والرئيس برهم صالح. وبدت الخطوة انعكاسا لإرادة سياسية عليا في البلدين تستهدف عودة العلاقات وتعزيزها.

لكن كل ذلك يظل دون المستوى المتوقع من اعتبارات الجغرافيا والتاريخ وإمكانيات البلدين في البدء بخلق فرص اقتصادية معقولة وقابلة للتنفيذ تكفل استدامة العلاقات وتقويتها. كما لا ينبغي أن تغيب المصارحة والشفافية والعمل وفق حسابات المصالح الوطنية والنأي بالعلاقات ما أمكن عما يدور في الإقليم من تأثيرات للأحلاف والمحاور.

دائما كانت العلاقات الجيدة مع بغداد ضرورية لعمّان. واليوم هي أدعى إلى أن تكون أكثر جدوى وأشد احتياجا إلى إزالة كل ما يكتنفها من شكوك وتلكؤ وكل ما يحيط بها من لغو ودعايات سلبية.

خبر استئناف شراء النفط تلقّفته مؤخرا الكثير من وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي في الأردن والعراق وقدمته للوهلة الأولى على أنه صفقة بأسعار تفضيلية ربما لغايات النفخ الإعلامي أو لمسايرة اتجاهات الرأي العام.

وفعلا صار الخبر “غير الصحيح” مادة للجدل الفارغ وتوجيه الاتهامات، لكنه من جهة أخرى يعدّ مؤشرا على أهمية البدء في تحسين العلاقات بلا تأجيل أو تثاقل.

 

"صحيفة العرب"