Shadow Shadow

أفكار عن الأزمة التي أثارتها الرسوم الفرنسية

2020.10.31 - 20:03

حارث حسن

حارث حسن

ليس جديداً القول ان تعامل البعض في فرنسا واوربا مع "أزمة الإسلام" المفترضة يتسم بالتبسيط، وان الطلب من "المسلمين" ان يتصرفوا كالمسيحيين واليهود وغيرهم عند تعرض "رموزهم" للاهانة او السخرية هي فكرة سطحية تغفل ان الأديان تمثل انساقاً سوسيو-ثقافية مختلفة، وان مشكلة التصالح بين قيم الدولة -الامة بمعناها الذي تعتنقه العلمانية الفرنسية مع فكرة الامة الدينية بمعناها الذي تعتنقه وتروج له الكثير من المنظمات والأحزاب الإسلامية هي مشكلة معقدة وقد سال فيها حبر كثير وجدل عميق منذ مطلع الثمانينيات -على الأقل – ولايمكن لاشتراطات صفرية من قبيل ان تمتثلوا لقيمنا او ترفضونها ان تحله، او في الاقل ان تحله بدون استخدام العنف والقسر، واستدراج العنف المضاد.

هذه مشكلة فلسفية قديمة في "الليبرالية" الغربية، وتعكس نزاعاً بين تفسيرات معينة لليبرالية، تراها منظومة لادارة الاختلافات والتعدد بالاحتكام الى القيم العقلانية، وبين فكرة "التعددية" بوصفها إقرار بان النظم القيمية والأخلاقية متباينة وغير قابلة للمقارنة والتفضيل، خصوصاً مع ما شهدته مرحلة ما بعد الحداثة – والمفكرون الفرنسيون هم رواد لها – من نزوع شديد نحو النسبية الى حد "العدمية" والافتراض انه لايوجد نظام قيمي-أخلاقي اعلى من غيره. هذه إشكالية صعبة لم تجد حلولا جاهزة حتى ممن يقدمون بوصفهم اساطين لليبرالية الحديثة مثل ازايا برلين . وفي فرنسا فان مُثل "الجمهورية" بطابعها العلماني المعادي للاكليروس تفرض تلوينا خاصاً لليبرالية الفرنسية، وتجعل قبولها للتعدد مشروطاً بالاقرار بعلوية قيم معينة، كحرية التعبير. ولكن حتى هنا تظل هناك فجوة بين النظرية والواقع: فهل حقاً كل شيء مسموح بقوله في فرنسا، ام ان الانحيازات الأيديولوجية-السياسية للنخب السياسية-الثقافية المستمكنة ترسم حدوداً للقول "المشروع" في الفضاء العام؟

لكن على المقلب الآخر، لابد ان تثير الازمة الراهنة أسئلة نقدية عند النخب السياسية-الثقافية في البلدان "المسلمة"، فكيف يستقيم دفاع تلك البلدان عن "سيادتها" ضد التدخلات الخارجية، ومن ضمنها محاولة فرض قيم "اجنبية" عليها، مع استنفارها في معركة فرنسية داخلية؟ واذا كانت المشكلة مع مجلة فرنسية ساخرة لا تحترم مقدسات المسلمين وتهينها علناً، لماذا تتسامح تلك الدول مع خطابات دينية استعلائية تصف علناً المخالفين للدين الإسلامي او الخارجين عن الدين، واحيانا اتباع اديان أخرى، بانهم "كفار" او "منحرفين" او "مارقين"؟  قد يكون الجواب هو ان غالبية البلدان الاسلامية لا تدعي انها ليبرالية او انها تقبل التعددية على الطريقة الغربية، وهي تقول صراحة ان "الإسلام هو دين الدولة"، لكن  ذلك يقود الى مشكلة اخرى، فمع كوننا نتحدث عن ما يقترب من 50 دولة، وان لكل من هذه الدول نظامها السياسي-الاجتماعي وخصوصياتها الثقافية وسيادتها التي تذود عنها – غالباً في مواجهة دولة "مسلمة" أخرى- ، فاننا بالضرورة نتحدث عن "اسلامات" متعددة، وهذه الاسلامات قد تتصارع فيما بينها وتدخل في حروب أهلية وإقليمية كما يخبرنا الماضي القريب جدا، وبالتالي فان الافتراض بوجود "اسلام" متعالي محدد يجب احترامه وعدم اهانته ينطوي في الحقيقة على تغليب مفهوم محدد للاسلام على حساب غيره من المفاهيم، ويستبطن هيمنة تفسير تتبناه نخب ومنظمات وأحزاب وقيادات معينة على غيره من التفسيرات.

ان هذه الصناعة السياسية-الإعلامية لـ "عالم إسلامي" اهينت مشاعره وكرامته برسمة في مجلة فرنسية وبخطاب سطحي من زعيم اوربي تقفز على حقيقة ان كثير من مواطني البلدان الإسلامية يعرفون عن فرنسا (وتأثر تاريخهم الحديث بوجودها) اكثر مما يعرفون عن "الشيشان" التي انحدر ذباح المعلم الفرنسي منها، وان اختلاق ثنائية المسلمين / الآخرين، بالقفز على كل التنوعات الداخلية فيما يعرف بـ "العالم الإسلامي" (وأحيل هنا لكتاب الباحث التركي Cemil Ayden عن فكرة العالم الإسلامي ودور النخب الثقافية والسياسية الغربية والمسلمة في اختراعها)، هي فعل سياسي ذا قصدية لا تختلف عن قصدية اليمين الأوربي في استدعائه الفج والسطحي للخطر الإسلامي، وان هذا الفعل يعكس شبكة من المصالح والقيم التي تبحث عن رصيد سياسي وهيمنة ثقافية.

ان هذا الميل لاضفاء الجوهرانية على الجماعات، وافتراض انها كتل صماء لا تتغير، وهي تتحرك حصراً بتحفيز من ثقافة سرمدية، ينتهي في النهاية الى خدمة مشروع "اليمين" على الجانبين، لأنه مشروع قائم على افتراض الصراع الدائم مع "الآخر" وضرورة بناء الخنادق والحدود، والأهم اسكات الصوت المختلف بينـ"نا". لكن المفارقة ان هذا المشروع التقى مع الكثير من الأصوات التي تصنف نفسها في اليسار والتي تنطلق من حساسية – مفهومة – لما انتجه الاستعمار والهيمنة الغربية من مظالم، فتفترض ان الغرب اساء لتلك المجتمعات و "الثقافات" وان أي محاولة للتدخل في حوار "المسلمين" الداخلي هو نوع مستنكر من الوصاية والاستعلائية، ووصل هذا الخطاب في تطرفه عند بعض "اليسار" الى حد افتراض ان هناك "جوهراً" خاصاً لتلك المجتمعات وانها لا تنسجم مع معايير النظرية الغربية ومفاهيمها في التحرر، ولها طريقتها الخاصة و "حداثتها" الخاصة، وهو خطاب التقى مع مشروع اليمين في البلدان "المسلمة" الذي يقوم على تأكيد هذه "الخصوصية" و "الاختلاف" لينتهي الى تبرير استمرارية انساق الهيمنة السياسية-الثقافية الخاصة به.

هذا الاختلاط و الارتباك هو الذي ينتج ظواهر غريبة اليوم من قبيل ميل الكثير من "الليبراليين" من بلداننا الى ترامب واشباهه، من حيث ان اولويوتهم هي مواجهة الإسلاميين ولو عبر تجنيد اليمين الغربي، وميل الكثير من "المحافظين" المسلمين في الولايات المتحدة الى الديمقراطيين الذين يصنفون انفسهم كـ "ليبراليين" وفق المعنى الأمريكي لليبرالية.