Shadow Shadow

أخطبوط تركيا الإعلامي وحلم العثمانية الجديدة

2020.10.26 - 15:10

عارف سلیمي

بغداد - ناس 

لا يخفى على أحد هذه الأيام السياسات التوسعية الأردوغانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في إطار ما يسمى بـ"العثمانية الجديدة " التدخلات السياسية والعسكرية التركية في الدول العربية وبشكل خاص في ليبيا والعراق وسوريا وحتى في قطر واليمن وإستراتيجية "الوطن الأزرق" في البحر المتوسط والإستثمار طويل المدى على الحركات القومية الأذرية في إيران، إضافة إلى التهديدات التركية ضد أرمينيا واليونان كلها تدل على نية أردوغان لإحياء الإمبراطورية العثمانية.

لا يقتصر الأمر على مجرد التدخل العسكري والسياسي في شؤون الدول الأخرى ولم يبدأ ذلك مؤخرا، إنما بدأ أردوغان يوظف كافة الأدوات الثقافية والدبلوماسية والإعلامية لتحقيق مشروعه منذ توليه السلطة. تتراوح هذه الأدوات والأنشطة ما بين محاولة مد النفوذ في مراكز القرار الأمريكية مرورا بتشكيل شبكات التجسس بأروبا والترويج للعثمانية الجديدة عبر المسلسلات التلفزيونية التركية ثم وصولا إلى التوغل في وسائل الإعلام الإقليمية والدولية.

علي سبيل المثال يكشف مايكل روبن، باحث مقيم في معهد انتربرايز ومسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية، في مقالين (أنظرهنا وهنا) نشرا له على موقع صحيفة "واشنطن إكزامنير" الغطاء عن الدبلوماسية الموازية التركية للنفوذ على الحملات الانتخابية الإمريكية. فقد شرح روبن في هذين المقالين تفاصيل صرف حكومة أردوغان الملايين من الدولارات على الحملات الإنتخابية الحالية والسابقة للحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في نفس الوقت لكي يضمن لنفسه نفوذا في البيت الأبيض في حال فوز أي من الطرفين. كما أن روبن ينبه إلى أن أردوغان -و رغم علاقته الشخصية الوطيدة بترامب- يراهن أيضا على إمكانية فوز بايدن في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة.

من جهة أخرى، تسيطر الحكومة التركية على منظومة كبيرة من المراكز الإسلامية بألمانيا تحت إطار "الإتحاد الإسلامي التركي"ديتيب" ومراكز أخرى في النمسا والسويد التي تضم عددا من المؤسسات الدينية التي يراقب أردوغان من خلالها الجالية التركية بأروبا وتحركات معارضيه. كما أن المراكز تسعى جاهدة للتسويق والترويج لمشروع أردوغان ومخططاته بأرجاء أوروبا. فقد تم اعتقال العشرات من المواطنين الأتراك المنتقدين لسياسات أردوغان والحزب الحاكم والحكم عليهم بالسجن حال وصولهم إلى تركيا بناء على تقارير عملاء الحكومة التركية في هذه المراكز الإسلامية. 

علاوة على ذلك، تعرض العديد من النشطاء والصحفيين المنتقدين الأتراك للتهديدات والمضايقات الممنهجة من قبل مجموعات الضغط الموالية للحكومة التركية مما قد تستلزم تدخل الأجهزة الأمنية للحفاظ على حياة هؤلاء. من بينهم هايكو باغدات الصحفي المعارض لسياسات أردوغان الذي يعيش تحت حماية أمنية مشددة في ألمانيا بعد تلقيه تهديدات مكررة من هذه الجماعات.

وقد اعترف مواطن نمساوي من أصول تركية قبل فترة بأنه كان يزود جهاز الإستخبارات التركية (ميت) بمعلومات عن معارضين أتراك في النمسا مما أثار غضب واحتجاج السلطات النمساوية. وفي حالة أخرى كشف شخص عرف نفسه كعميل للميت التركي بأن الأخير قد كلفه باستهداف بريفان أصلان، سياسية كردية وعضو البرلمان النمساوي الأسبق. كما أن الصحف السويدية وجهت مؤخرا اتهامات مشابهة لإمام مسجد في مدينة مالمو. حسب الإعلام السويدي، فقد قام إمام المسجد المذكور الذي يخضع لإشراف وزارة الشؤون الدينية التركية -ديانت- بتزويد الحكومة التركية معلومات عن عدد من المواطنين السويديين الذين ينتقدون أردوغان على وسائل التواصل الاجتماعي.

من جهة أخرى، قد قامت الحكومة التركية في العقدين الأخيرين بإنتاج مسلسلات تلفزيونية مكلفة في نطاق واسع تروج للعثمانية الجديدة إما مباشرة أو بشكل غير مباشر. حيث تم عرض العشرات من المسلسلات التاريخية التركية خلال هذه الفترة في القنوات الفضائية الشعبية العربية والفارسية والكردية والأردية وحتى على القنوات المدفوعة الدولية كنتفليكس التي تروج للقيم الأردوغانية  والتأريخ "المجيد العظيم" للأتراك السلاجقة والعثمانيين بشكل واضح. في مقال لها على موقع فارين بوليسي بعنوان "كيف فتحت القوى الناعمة التركية باكستان؟"، فقد شرحت فاطمة بوتو، كاتبة باكستانية حيثيات التوغل التركي في المجتمع الباكستاني عبر هذه المسلسلات التلفزيونية.

من ناحية أخرى، يستخدم أردوغان شبكة الإخوان المسلمين في أنحاء العالم لتحقيق مخططاته التوسعية. إن الإعلامين والمغردين المحسوبين على الإخوان المسلمين قد تحولوا فعلا إلى ذراع أردوغان الثقافي والإعلامي في العديد من دول المنطقة. لو تابعنا نشاطات هؤلاء وتغريداتهم على وسائل التواصل الاجتماعي سيتضح لنا بوضوح كيف أنهم يبررون سياسات أردوغان الخارجية والداخلية مثلما فعلوا مؤخراً في موضوع تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد نموذجا. كما أنهم يلمعون السياسات الإقليمية التركية على القنوات التليفزيونية والإذاعية العربية والإقليمية والدولية حيث يتواجد العديد من الإعلاميين المقربين من الإخوان المسلمين في وسائل الإعلام العربية والغربية كبي بي سي وواشنطن بوست وسي إن إن وغيرها.

لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب وإنما القائمون على الشبكة الدعائية التابعة لأردوغان قد حاولوا جاهدين التوغل في الإعلام الدولي وشراء ذمم الإعلاميين الأجانب المهتمين بشؤون الشرق الأوسط. ويتم هذا عبر كسب ولاء هؤلاء الإعلاميين تارة وتخويفهم تارةً أخرى لثنيهم عن نشر تقارير أو أخبار سلبية عن نظام أردوغان.

إن الحكومة التركية قد زجت المئات من الصحفيين الأتراك بالسجون بذريعة دعمهم للإرهاب والمنظمات الإرهابية مما جعل تركيا تحتل المرتبة الثانية ضمن أعلى الدول في عدد الصحفيين المعتقلين في العالم، بحسب قائمة مجلة ذي إيكونوميست. كما أنه تم إبعاد العديد من الصحفيين الأجانب من البلد أو حظر دخولهم إلى تركيا بسبب نشرهم تقارير يراها الأتراك سلبية أو مسيئة لأردوغان وتركيا منهم يورغ براسه، صحفي ألماني الذي طرد من تركيا لمجرد نشره تقريرا عن الأوضاع في شمال سوريا و ما إن سمح له بإستئناف العمل في تركيا حتى بدأ ينتقد وحدات حماية الشعب الكردية في تغريدات لاذعة له على حسابه في تويتر.

وحتى الصحفيون الإيرانيون الذين يعملون في تركيا لقوا نصيبهم من رعب وتهديد السطات التركية. وقال صحفي إيراني يعمل في تركيا إن كافة أنشطته ترصد من قبل مؤسسة تسمي بـ "مركز أنقرة للدراسات الإيرانية" وما إن تصدر وجهة نظر منتقدة إلى أردوغان في تقاريره حتى يتلقى تحذيرا من قبل هذا المركز أو تهديدا بطرده من تركيا. يؤكد هذا الصحفي الذي فضل عدم الكشف عن إسمه بأنه قد تم استدعائه الى المركز المذكور آنفا أكثر من مرة بسبب مشاركته في برامج على القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية. 

ومعظم الصحفيين الذين زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في شمال سوريا تم التحقيق معهم أو طردهم أو أحيانا هُدِدوا بالإعتقال حال وصولهم إلى تركيا. جيار غول، مراسل البي بي سي الفارسية مثلا تم إعتقاله في مطار إسطنبول وإبعاده من تركيا قبل عدة سنوات بتهمة لقاء صحافي قد كان أجراه مع أحد قيادات حزب العمال الكردستاني وأيضا بسبب زياراته المتعددة إلى شمال سوريا لتغطية الأحداث هناك في إطار مهنته الصحافية.

كما أن الصحفيين الذين يريدون أن يزوروا المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات التابعة لتركيا في سوريا يجب أن يحصلوا على إذن من السلطات الأمنية التركية إذ إن حكومة أردوغان لا تسمح بتسريب أي معلومات عن الأوضاع في هذه المناطق.

محاولات الحكومة التركية لتقييد التبادل الحر للمعلومات لا تنحصر فقط على الداخل التركي بل هناك شواهد تدل على أن أردوغان وعبر حلفائه في المنطقة يعرقل عمل الإعلاميين الذين تعتبرهم تركيا "غير مرغوب فيهم" في أنحاء الشرق الأوسط خاصة في مناطق رخوة كإقليم كردستان حيث يتمتع الأتراك بنفوذ كبير بفضل علاقاتهم الوطيدة مع الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني مما مكنهم من اختراق الإعلام هناك والسيطرة النسبية عليه.

فالكثير من الأكراد ينظرون إلى قناة "روداو" التي يمتلكها نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان أو قناة "كردستان ٢٤" التي يمتلكها مسرور بارزاني، رئيس وزراء الإقليم، كقناتين داعمتين لأردوغان وسياساته في المنطقة. قناة روداو مثلا كانت القناة الوحيدة التي يسمح لها من قبل الحكومة التركية بتغطية الهجوم التركي على منطقة عفرين واحتلالها. كما أن عددا من الموظفين السابقين في القناة قد تحدثوا مراراً عن سيطرة العناصر الموالية لأردوغان عليها إذ إن هذه القناة كانت ولاتزال تنشر معظم خطابات أردوغان مباشرة مع الترجمة الفورية المتزامنة.

ومن جهة ثانية، قام الحزب الديمقراطي الكردستاني كحليف إقليمي لأردوغان بتقييد عمل الصحفيين والمراسلين المنتقدين لأردوغان بشكل متزايد في السنوات الأخيرة.

و في الإطار نفسه، طرد عدد من الصحفيين والموظفين العاملين في القنوات الإخبارية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بطلب تركي عقب الإنقلاب الفاشل عام ٢٠١٦ في تركيا بظن انتمائهم إلى حركة فتح الله غولن وحتى تمت معاقبة بعضهم قضائيا. منهم ريبوار كريم ولي، أحد مدراء قناة روداو السابقين الذي اضطر إلى مغادرة إقليم كردستان بعد طرده من القناة واتهامه بدعم فتح الله غولن، رجل الدين التركي المعارض. وقد صرح ولي على صفحة في الفيسبوك وخلال عدة مقابلات معه في أكثر من مناسبة بأن الحكومة التركية أصدرت قرارا باعتقاله.

وفي حالة مماثلة، فقد تم إحتجاز سوران قرباني، مراسل قناة إيران انترناشونال الناطقة بالفارسية الذي زار أربيل لإعداد تقرير قبل سنة من قبل الجهاز الأمني التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني -باراستن- وأطلق سراحه بعد ساعات من التحقيق وتهديده بالتعذيب ومسح ذاكرة جواله وتفتيش غرفته بالفندق بيد أنه منع من الدخول إلى الإقليم مجددا بعد عدة أسابيع من عودته إلى بريطانيا. يرى سوران قرباني بأن السبب وراء هذه الإجراءات التعسفية وقرار منع الدخول هو زيارته إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد شمالي سوريا مسبقا في إطار عمله الصحفي.

وفي صعيد آخر، هناك شواهد تدل على أن الحزب الديمقراطي الكردستاني على غرار حليفها أردوغان، يحاول شراء ذمم الإعلاميين الكرد العاملين في القنوات الفضائية الناطقة الفارسية أو توظيف العناصر الموالية له في هذه القنوات. 

والجدير بالذكر أنه مؤخراً، تم توظيف عدد آخر من المراسلين والصحفيين العاملين سابقا بالمواقع الإلكترونية والقنوات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني في قناة إيران إنترناشونال المحسوبة على السعودية. هذا وإن هؤلاء بسبب ولائهم إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني ونظرا إلى تحالف الأخير مع تركيا يلتزمون الصمت تجاه السياسات التركية في المنطقة أو يدعمونها لو اضطروا بالتعبير عن آرائهم.

طريقة تغطية مجريات الحرب الأخيرة في إقليم ناغورني قره باغ من قبل القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية ك يورونيوز الفارسية أو إيران إينترنشنال مثال آخر على الإختراق التركي في الإعلام حيث أن القناتين المذكورتين لم تلتزما بالحياد سواء كان في المحتوى المتعلق بالموضوع أو الوقت المخصص لنقل وجهة نظر طرفي الصراع. مراسل إينترنشنال في إسطنبول مثلا يظهر على الشاشة يوميا لنقل  آراء و مواقف الأتراك من الصراع الراهن بين أرمينيا و أذربيجان بينما نظيره في يرفان الذي يعكس وجهة نظر الجانب الأرمني يشارك في النشرات الإخبارية للقناة كل يومين.

وأخيرا نظرا إلى توغل الصحفيين التابعين للحزب الديموقراطي الكردستاني في قناة إيران انترناشونال نموذجا وتضييق الخناق على بعض من مراسلي القناة غير التابعين لتركيا وقرار منع دخول آخرين منهم إلى إقليم كردستان، هذا السؤال يطرح نفسه: يا ترى، إلى أي مدى نجحت تركيا في اختراق حتى الإعلام المحسوب على المملكة العربية السعودية؟