Shadow Shadow
كـل الأخبار

الهيئة تحدد مدة الإنجاز..

أمر ديواني للبدء ببناء ’مفاعلات نووية’ في العراق

2020.09.24 - 15:39
App store icon Play store icon Play store icon
أمر ديواني للبدء ببناء ’مفاعلات نووية’ في العراق

بغداد – ناس

كشفت الهيئة العراقية للسيطرة على المصادر المشعة، الخميس، تشكيل لجنة بأمر ديواني للبدء ببناء مفاعلات نووية للأغراض البحثية، مؤكدةً وجود رغبة دولية لمساعدة العراق في استرجاع مكانته النووية.

 

وقال رئيس الهيئة كمال حسين لطيف للوكالة الرسمية، وتابعه "ناس" (24 ايلول 2020)، إن "رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي يعيي أهمية ملف الطاقة الذرية من خلال طرحه في اجتماعاته الأخيرة مع الجانب الفرنسي، وتشكيل لجنة بأمر ديواني للبدءِ ببناء المفاعلات".

وأضاف، أن "العراق يتطلع لإعادة مكانته العلمية النووية، التي كان يحتلها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كما أكدت ذلك رغبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقرار مجلس الأمن الداعم لمشروع نهوض العراق من جديد في المجال النووي وتطبيقاته السلمية المفيدة".

وأكد، أن "بناء المفاعلات النووية، سيسهم في إنتاج النظائر الطبية، والعدد الصيدلانية، إضافة إلى تطوير مختلف التطبيقات الزراعية والصناعية، كتشعيع البذور والمكافحة البايولوجية للحشرات، فضلاً عن إنتاج النظائر المشعة في مختلف التطبيقات الصناعية، وفي تطبيقات الفحوص الائتلافية، إذ توجد 20 مادة نووية، يمكن أن ينتجها هذا النوع من المفاعلات".

وأشار إلى أن "العراق بحاجة  لبناء مفاعل نووي للإغراض البحثية بسعة 10 ميكا، فضلاً عن إمكانية بناء مستشفى استثماري للطب النووي،يكون قريباً من المفاعل"، مرجحاً،  أن " يستمر بناء مثل هذا المفاعل نحو 5 سنوات".

وأوضح، أن "هذا المشروع سيسهم في  تدريب الملاكات العراقية للعمل في المفاعلات النووية، فضلاً عن تراكم الخبرات لديهم ؛ ما سيمكنهم من تشغيل مفاعلات القدرة مستقبلاً، إذ لابد للعراق من أن يتجه نحو إنتاج الكهرباء بالطاقة النووية والتقليل من حرق الوقود النفطي (الأحفوري)، الذي لايمتلك غيره كمادة رئيسة للتصدير".

واستدرك، قائلاً: إنه "في مطلع عام 2030 سيتم حرق مايقرب من نصف المنتج النفطي العراقي لإنتاج الكهرباء، حينما يصل معدل الطلب 42 كيكاواط من الطاقة الكهربائية".

ولفت إلى أنه "قدم مقترحاً إلى لجنة الطاقة الوزارية الحكومية في عام 2009، لبناء ثلاثة مفاعلات للقدرة، كان من المفترض أن ينتهي بناؤها عام 2019، لتغطي فعلياً نصف الحاجة على الطلب".

وتابع ،أنه "لو شرع ببناء المفاعلات  في ذلك الوقت، لكان العراق الآن لايعاني من شحٍ في إنتاج الكهرباء، فضلاً عن تصدير كمية أكبر من النفط بدلاً من حرقها".

 وبين، أن  "الملف النووي ملف وطني ذو أهمية قصوى، وأولوية كبيرة  يمكن أن يفيد مستقبل العراق وأجياله".

 

وعبر رئيس الوزراء المصطفى الكاظمي، الاربعاء، عن شكره "للجهود التي يقودها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتثبيت إستقرار المنطقة"، بعد زيارته إلى بيروت، كاشفاً عن تفاهمات بين بغداد وباريس على مستوى مشاريع الطاقة النووية.  

  

وقال الكاظمي في مؤتمر صحفي مع ماكرون، في بغداد، تابعه "ناس" (2 ايلول 2020)، إنه "تكلمنا عن مشروع للتعاون في مجال الطاقة، وكذلك عن مشروع مستقبلي فيما يخص الطاقة النووية لانتاج الكهرباء والمشاريع السلمية على أن يكون تحت إشراف منظمة الطاقة الدولية ومنظمة الطاقة الفرنسية".  

واضاف الكاظمي أنه "سعيد بزيارة ماكرون إلى بغداد"، مؤكدا أن زيارة الرئيس الفرنسي "نعدها بداية حقيقية لشراكة عراقية فرنسية".  

واوضح رئيس الوزراء اهتمام العراق "بتوسيع الشراكة مع فرنسا"، لافتا الى وجود الكثير من جوانب التعاون بين بغداد وباريس".  

واكد الكاظمي سعي العراق الى "تفعيل العمل بوثيقة التفاهم الاستراتيجي مع فرنسا"، مشيرا الى أن "باريس قدمت الدعم للعراق في حربه ضد داعش".  

واشار الى ان الحكومة "ستعمل على تذليل كل التحديات أمام الشركات الفرنسية"، معربا عن شكره للرئيس الفرنسي لاهتمامه بحماية سيادة العراق".  

وتابع الكاظمي أن "سيادة العراق خط احمر"، مبينا ان الحكومة ستعمل "بقوة على دعم استقرار المنطقة".  

من جهته أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على "الصداقة بين البلدين لاجل مواصلة احلال الديمقراطية في العراق"، مشيرا الى ان المباحثات مع الجانب العراقي، تم التطرق خلالها الى "الوضع الحالي وسبل تنفيذ خارطة الطريق العراقية الفرنسية التي تم الاتفاق عليها".  

واضاف ماكرون ان بلاده تدعم  "الانتقال السياسي الى الديمقراطية في العراق"، مشيرا الى ان باريس "ملتزمة في المجالات التربوية والثقافية مع العراق، فضلا عن استعداد فرنسا لتامين مصادر الطاقة للعراق".  

واكد ماكرون، أنه تم مناقشة "تعزيز التعاون العسكري مع العراق لا سيما وان الاخير عانى الكثير في الحرب ضد داعش".  

وكذلك اكد الرئيس الفرنسي أن باريس "ستدعم المشاريع المهمة في العراق بينها (مترو بغداد)، لافتا الى ان "بلاده مستعدة لتجنيد المجتمع الدولي متى ما احتاج العراق لذلك".  

 

وسلط تحقيق صحفي، الضوء على ظروف العمل السيئة في موقع التويثة النووي جنوب شرق العاصمة بغداد، وارتفاع نسبة الاشعاعات في الموقع، وأخطاء معالجة النفايات الملوثة اشعاعياً في المواقع العسكرية والمدنية التي تعرضت لليورانيوم المنضب نتيجة للقصف الامريكي على العراق عامي 1991 و 2003.  


ويكشف التحقيق الذي ينشر "ناس" نصه كاملاً، استخدام العاملين في مجال الاشعاع النووي لبدلات رخيصة غير صالحة، وافتقارهم إلى الفحوصات الدورية لقياس نسبة الاشعاع بالجسد والمتابعة الطبية، فضلاً عن قلة مرتباتهم.  

ويرصد التحقيق - الذي يحمل اسم "تشرنوبل" العراق… مخاطر مميتة تهدد العاملين في الطاقة الذرية، وهو من اعداد الصحفي ليث ناطق لصالح شبكة نيريج- عشرات الإصابات بالامراض السرطانية في المناطق المتاخمة لموقع "التويثة" النووي، ومن بينها منطقتي الزعفرانية وجسر ديالى، وكيف بدأت تلك المناطق بفقدان خصوبة تربتها وظهور تشوهات خلقية وامراض جلدية مزمن، وإصابات فايروسية متفاقمة نتيجة ضعف المناعة التي تسبب بها الإشعاع وفقاً لخبراء تحدثوا في التحقيق.  


ويتزامن نشر التحقيق مع إعلان العراق عزمه إحياء مشروع المفاعل النووي بالتعاون مع فرنسا، وذلك خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بغداد مطلع أيلول 2020.
ووفقاً للمعلومات الأولية، فإن التفاهم العراقي الفرنسي، سيشمل تدقيق البيانات المتوفرة، وإعداد برنامج لمعالجة آثار القصف الأميركي، وما تلاه من إهمال للموقع خلال حقب مختلف الحكومات بعد العام 2003، قبل الشروع بإحياء مفاعل جديد يحمل إسم "السلام" سيكون مخصصاً للأغراض السلمية، وعلى رأسها إنتاج الكهرباء.  

  

في السياق: إحياء مفاعل تموز النووي على خريطة اهتمامات الكاظمي.. ومقترح لاسم جديد  

  

نص التحقيق:
ليث ناطق
"لم يمهله مرض السرطان أكثر من خمسة أشهر، ليفارق الحياة"، تقول "ضحى" أرملة محمود، أحد موظفي مديرية معاملة وإدارة النفايات المشعة، بينما يصارع عدد من أقرانه في موقع "التويثة" النووي الموت بصمت.  


أوائل 2014، عاد محمود فاضل، من البصرة للعاصمة بغداد منقولاً بسيارة اسعاف، بعد أن قضى آخر رحلة عمل له خارجها، والتي استهدفت تطهير موقع معمل الحديد والصلب ورفع النفايات المشعة منه ومعالجتها، وبعد اشهر قليلة من تلك الحادثة فارق الحياة لإصابته بأحد الأمراض السرطانية النادرة.
بعد أيام قليلة من ذهاب محمود للبصرة، تلقت زوجته ضحى نامق (47عاما) اتصالا هاتفيا من أحد زملائه، يُنبؤها بتردي مفاجئ في الحالة الصحية لزوجها "إنها ليست رحلة محمود الاولى الى البصرة، سبقتها رحلات عمل اخرى لمعالجة المواقع الملوثة اشعاعياً في مختلف المحافظات، لكنها كانت الأخيرة في حياته" تقول أرملة محمود.  


تقرير الطب العدلي بعد تشريح جثة محمود عزا سبب وفاته لـ "تليّف نخاع العظم (أحد أنواع سرطان الدم المزمن النادرة)، وفشل جهاز الدوران، وعجز القلب".
أحد زملائه، الذي رفض الكشف عن أسمه خوفاً من الملاحقة الإدارية، يرجع إصابة محمود بهذا المرض ووفاته "لعمله في معالجة النفايات المشعة واحتكاكه المباشر مع الاشعاع سيما في موقع التويثة" النووي، مشيرا الى ان وسائل الوقاية التي يُزوَّد بها العاملون ليست كفوءة.
ورغم تكتم مديريات الطاقة الذرية على اعداد من أُصيبوا بأمراض سرطانية من موظفيها، رصدنا خلال فترة اجراء التحقيق، إصابةَ خمسة موظفين، مع عدد من الاصابات المرضية غير السرطانية، في وقت سجلت مناطق ناحية جسر ديالى (الرياض والجعارة والوردية الملاصقة لموقع التويثة) عشرات الوفيات بالأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض الناجمة عن تعرض تلك المنطقة للإشعاع، بحسب باحثين.  


me_ga.php?id=5772  

me_ga.php?id=5771  

  

"التويثة" النووي..
في الطرف الجنوبي الشرقي من بغداد يقع المقر الرئيسي للنشاطات النووية والاشعاعية العراقية والمعروف بـ"التويثة"، حيث بدأ البرنامج النووي العراقي قبل 60 عاما تحديداً، بتفاهم مع الاتحاد السوفيتي، وموافقة فرنسا بعدها على بناء محطة نووية لتضم مفاعلي تموز1 وتموز2.
ظهيرة السابع من حزيران 1981، شنت ثمانِ مقاتلات حربية اسرائيلية من طراز (F16-F15)، بعد اجتيازها الحدود السعودية نحو العراق، هجوماً بستة عشر صاروخاً (جو-ارض) استهدف منشأة التويثة للأبحاث النووية، وليتم تدمير مفاعل تموز، وتتحول المنشأة إلى انقاض، في عملية عُرفت باسمِ "أوبرا".
وفي عام 1991، قصفت الطائرات الامريكية، عدد من الأبنية في موقع التويثة، فيما كررت ذلك خلال غزوها للعراق عام 2003، بعد استهدافها خمس "حاويات" داخل الموقع، كان بداخلها مواد اشعاعية من مخلفات حرب الخليج الثانية، مستخدمة بذلك قنابر تحمل اليورانيوم المنضب، وذلك وفق أحد العاملين في الموقع آنذاك.
وفق وثيقة حصل عليها كاتب التحقيق، يبلغ عدد منتسبي المديريات الرئيسية العاملة في مجال الاشعاع النووي والتابعة لوزارة العلوم والتكنلوجيا (1227) موظفا وعاملا، يتوزعون على 7 مديريات رئيسة.  


وقدر مصدرٌ من داخل موقع التويثة، رفض الكشف عن هويته، عدد المعرضين للإشعاع بنسب عالية بشكل مباشر، من العاملين في معالجة النفايات المشعة ومشاريع تفكيك مفاعل تموز والرادوكيميا، بما يقارب الـ(300) عامل وموظف، بينما يتعرض اكثر من (400) موظف من الاداريين في موقع التويثة إلى الاشعاع لكن بنسب أقل.
لكن الخطر لا يهدد حياة هؤلاء فقط، بل حياة عشرات آلاف الأشخاص ممن يعيشون في مناطق قريبة من مواقع التلوث، بحسب المصدر.  

  

البرلمان العراقي يكشف..
في السادس والعشرين من آذار 2019 أصدرت لجنة الصحة و البيئة في مجلس النواب العراقي بيانا أقرّت خلاله بوجود تخبط بعمل مديريات الطاقة الذرية التابعة لوزارة العلوم والتكنلوجيا المدمجة مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، كاشفة عن إصابة أحد موظفي الطاقة الذرية (باسم جاسم حطاب) بـ "اشعاعات خطرة وطفح جلدي وتشوهات جلدية وانخفاض في كريات الدم البيضاء".
فيما عزت اللجنة، بحسب البيان، الإصابة الى ارغامه (حطاب) على العمل قرب مفاعل تموز النووي في موقع التويثة, أثناء تفكيكه عام 2018 رغم طلبه الاعفاء.  

  

me_ga.php?id=5774  

me_ga.php?id=5773

  


المهندس عبد الباري سلمان -احد العاملين في موقع التويثة- أكد أن "ظروف العمل في هذا الموقع لا تحمي العاملين من مخاطر الاشعاع"، ويضيف "لا تتوفر لدينا ابسط وسائل الحماية، فملابس العمل التي نرتديها في المواقع غير صالحة ولا تؤمن سلامتنا، لأنها ببساطة ليست مخصصة للعمل في المواقع المشعة".  

  

بدلات "حماية" ولكن ...
يرتدي العاملون في مديريات معاملة النفايات المشعة وتصفية المواقع النووية والمديريات والاقسام الاخرى المعنية بالعمل في الملوثات الاشعاعية، نوعين من البدلات، الأولى بدلة TAHA القطنية الزرقاء، وبدلة PRAIME CAPTAIN ذات الاستخدام الواحد DISPOSABLE، بحسب مجموعة من موظفي معالجة النفايات المشعة.  


موظف إداري في الطاقة الذرية، كشف عن أن مصدر شراء البدلات المستخدمة في المواقع النووية، هو سوق السنك وسط العاصمة بغداد، وهو احد الأسواق المخصصة لبيع لوازم العمل الميداني. اتجه كاتب التحقيق الى السوق لمعرفة ماهية البلدات وطبيعة استخدامها.  


ازاح علاء البهادلي، صاحبُ محل بيع أدوات السلامة المهنية، نظارته الطبية السميكة نحو الاسفل قليلاً، وارتسمت على وجهه علامات الدهشة، وهو يجيب عن سؤالنا عما اذا كانت بدلة TAHA او كما تلفظ بالعربية "طه" -التي هو أحد مستورديها- قادرة على الحماية من الاشعاع، "هذا النوع من البدلات غير قادر على حماية مرتديه من مخاطر الاصابة بالاشعاع"، مؤكداً أن "هذه البدلات غير صالحة لمثل ذلك الاستخدام، ولا توجد في التعليمات المرفقة بها أية كلمات تدل على أنها صنعت لهذا النوع من الأعمال".
وأضاف علاء أن "أغلب من يستخدم بدلة "طه"، هم العاملين في قطاع الكهرباء، أو في المصانع والورش الاهلية الصغيرة على اختلاف مجالات عملها"، فهي الاكثر رواجاً ومبيعاً في سوق بيع ملابس وأدوات السلامة المهنية نظراً لسعرها المنخفض "لكنها ليست الاكفأ".  


لم يردنا رد من شركة TAHA، على استفساراتنا التي ارسلناها لبريدها الإلكتروني الرسمي، لكن الملفت للنظر أن شركة (TAHA) الأم باكستانية الجنسية، بينما يرتدي العاملون في مديريات موقع التويثة بدلات (TAHA) ذات منشأ (صيني) وتحمل علامة Made in China.  

me_ga.php?id=5775  

لكنا حصلنا على إجابة عبر "واتساب" من أحد وكلاء شركة PRIME CAPTAIN حول صلاحية استخدام البدلات التي تصنعها والموردة للعراق في البيئات الاشعاعية، مؤكدة أنها "لا تصنع أي بدلة او اي نوع من الادوات الواقية تصلح للاستخدام في بيئة اشعاعية".  

me_ga.php?id=5776me_ga.php?id=5777

  


فارق سعر...
ثلاثة مصادر خاصة من إدارة موقع التويثة، رفضوا الافصاح عن اسمائهم، كشفوا عن تكلفة البدلة الواحدة من نوع "TAHA" التي تتعاقد الدائرة على شرائها، وأكدوا ان مديريات الطاقة تشتريها بقيمة 20 الف دينار عراقي، أي ما يعادل (16) دولارا أميركي.
لكن بجولة بسيطة على محال بيع معدات السلامة المهنية في بغداد، يمكن معرفة ان سعر بدلة TAHA يتراوح بين (8-10) آلاف دينار أي نحو (8) دولارات وهذا سعر البيع بالتجزئة، وفق ما يؤكده "علاء" الذي يبيع تلك البدلات في سوق السنك.  

  

نقص الموارد
يقول المهندس في موقع التويثة عبد الباري سلمان، ان "العاملين في الموقع يضطرون أحيانا لشراء بدلات جديدة من حسابهم الخاص"، وهم يتعرضون مرارا الى ما وصفه بالـ "خذلان" من قبل ادارة دوائر الطاقة الذرية.  


ويستطرد سلمان، "في عام 2017 ذهب فريق منا لإزالة التلوث الاشعاعي من محطة كهرباء محافظة الناصرية (352 كم جنوب بغداد) ولم يزود أعضاء الفريق بالبدلات فاضطروا لاستخدام بدلاتهم القديمة، الملوثة اصلا بسبب استخدامها في موقع سابق".  


يشكل ذلك مصدر خطر على العاملين الذين يضطرون أحيانا للعمل بمناطق ملوثة حتى مع عدم تأمين كامل معدات السلامة.
وتٌظهر صور ومقطع فيديو حصلنا عليه، ارتداء عمال من "مديريات الطاقة الذرية" لبدلتي "TAHA" و "PRIME CAPTAIN" ذات الاستخدام الواحد، اثناء عملية تطهير أحد المواقع الملوثة في محافظة البصرة (540 كم جنوب بغداد)، من مادة "اليورانيوم المنضب".  

me_ga.php?id=5778  



  

  


لكن مدير عام دائرة الاتلاف والمعالجة والمشرف على مديريات الطاقة الذرية الدكتور ماجد الساعدي، استبعد في اتصال هاتفي وجود اية مخاطر على العاملين في مديريات موقع التويثة، وأكد "إنهم يتمتعون بحماية كافية من خلال ما يتوفر لهم من بدلات عمل وواقيات رأس وكفوف".  

  

أشعة Gamma تخترق بدلات العاملين ..
تعتقد الخبيرة في مجال معالجة الملوثات الاشعاعية د. اقبال لطيف أن هذه الأنواع من البدلات "قد" تحمي العاملين فقط من مخاطر أشعتي (Alpha،Beta ).
لكنها تؤكد أن "البدلتين المستخدمتين من قبل العاملين في هيأة الطاقة الذرية العراقية لا تقيان من مخاطر أشعة Gamma، لأن العمل في بيئة تنتشر فيها تلك الأشعة أو جرعات عالية من أشعة Alpha بحاجة الى دروع خاصة وهي بدلات يدخل في تكوينها عنصر الرصاص".  


موقع منظمة (SAFEOPEDIA) المختصة بقضايا البيئة والصحة والسلامة، كان قد نشر دراسة اوضحت الشروط الواجب توفرها في صناعة بدلات العمل التي تستخدم في بيئات العمل الاشعاعية والمكونات الرئيسة التي يجب ان تجتمع لصناعة هذه البدلات.  

me_ga.php?id=5779  

وذكرت الدراسة أن "بدلات العمل المستخدمة في البيئة الاشعاعية يجب ان تضم في صناعتها مجموعة عناصر أهمها المطاط والرصاص والالياف، بالإضافة الى الكاربون المنشط والبورون".  

  

تعتيم إعلامي
كانت عملية جمع المعلومات والاحصاءات حول أعداد الوفيات والمصابين للعاملين في موقع التويثة صعبة جداً، حيث رفض نحو 30 موظفا وعاملا تم الاتصال بهم، الادلاء بأية معلومات عن الظروف الصحية التي ترافق عملهم في المواقع المشعة أو حالات الاصابة في صفوف الموظفين، فيما عللوا ذلك بخوفهم من الملاحقة الادارية وتلقيهم تحذيرات من مسؤوليهم بشكل دائم بعدم الافصاح عن أية معلومات تخص طبيعة عملهم.  


في رحلة البحث عن خبراء وعلماء عراقيين في الفيزياء النووية والاشعاع، واجهنا تعتيماً إعلامياً كبيراً على كل ما يخص برامج الطاقة ومخاطره في العراق، فقد رفض ستة خبراء بمجال الطاقة الذرية في العراق، بعد اتصالات اجريت معهم بشكل شخصي، الادلاء بتصريح ، وأعتذر غالبيتهم بلهجة عراقية عامية مرددين: "استروا علينا".
ومن أجل التحقق من المعلومات بشأن "مدى خطورة الاشعاعات النووية في العراق ومؤشراتها" قدمت شبكة "نيريج" للصحافة الاستقصائية طلباً رسميا إلى كلية العلوم "قسم الفيزياء" في جامعة بغداد، للسماح بإجراء مقابلات مع بعض استاذة الفيزياء النووية.  

لكن إدارة قسم الفيزياء امتنعت عن السماح للأساتذة بالتصريح وطلبت زيارة عمادة كلية العلوم، فتم تقديم طلب لمقابلة عميدها، ولكن بعد انتظار دام اكثر من ثلاث ساعات لم يُجرَ اللقاء، وطلب منا استحصال موافقة رئاسة الجامعة.
وبعد زيارة رئاسة الجامعة، وبشكل "شفوي" أُبلغنا بوجوب تقديم طلب معنون إلى رئاسة الجامعة، وإذا تمت موافقة الرئاسة على الطلب فإن المقابلة ستُجرى بوجود لجنة خاصة، وفيما يبدو انها ستكون مسؤولة عن طبيعة الاسئلة التي من الممكن أن يجيب عنها الخبير/ الاستاذ الجامعي.  


لهذا كلفت "نيريج"، وبكتاب خطي، الصحفية التونسية "صبرة الطرابلسي"، كونها قريبة من مقر "الهيئة العربية للطاقة الذرية" في تونس، بإجراء مقابلة صحفية مع رئيس الهيئة أو من ينوب عنه وعدد من الخبراء، لمعرفة ما تمتلكه الهيئة من معلومات عن وضع العاملين في المجال الاشعاعي في العراق.  


وبعد مخاطبة الصحفية لمسؤول إعلام الهيئة جمال الرايسي، ابدى ترحيبه بفكرة اللقاء، وأخبر مندوبة "نيريج" بأنه سيمدها بمعلومات ووثائق مهمة عن وضع الاشعاع في العراق، وتم تحديد موعد للمقابلة.
لكن في يوم المقابلة اعتذر الرايسي، بحجة سفر مدير الهيئة، وتم تغيير موعد اللقاء لما بعد اسبوع، وكرر مسؤول إعلام الهيئة اعتذاره أكثر من مرة لاحقاً، حتى بات لا يجيب على اتصالات مندوبة "نيريج".  

  

إصابات سرطانية ..
لم تتوقف محاولات التقصي وإقناع موظفي مديريات الطاقة الذرية بالحديث.
بعد محاولات عديدة وافق عدد قليل من موظفي مديرية معاملة وادارة النفايات المشعة، على الحديث بشرط عدم ذكر اسمائهم وإخفاء أية معلومة قد تدل عليهم.
أوّلهم شكك بعمل مديرية السلامة الاشعاعية وبأجهزة الفحص والفحوصات الدورية التي تجريها للعاملين بمجال الاشعاع، قائلاً "نادراً ما نَطّلِع على نتائج الفحوصات، ودائماً تأتي في اطار ما يعرف بالجرعة السليمة، بينما شهدنا إصابة عدد من الزملاء بأمراض سرطانية او امراض أخرى أدى بعضها للوفاة".
خلال فترة البحث والتقصي المحصورة بين شهري آب وأيلول 2019، رصدنا عدداً من الاصابات بين موظفي الطاقة الذرية بالأورام السرطانية، مازالوا مستمرين بعملهم، رغم حاجتهم للراحة والعلاج وتقليل الجرعات المكتسبة من موقع العمل.  


لكن مدير عام دائرة الاتلاف والمعالجة، د. ماجد الساعدي، نفى وجود أية إصابات مرضية خطرة في صفوف الموظفين بمديريات النفايات المشعة والمواقع النووية. فيما أمتنع مركز الوقاية من الاشعاع في وزارة الصحة والبيئة عن الادلاء بأية معلومات أو بيانات حول المصابين من الموظفين العاملين في مجال الطاقة الذرية.  


مركز السرطان في وزارة الصحة والبيئة، وعلى لسان الدكتورة مناهل المختار، كشفت عن "مراجعات بين الحين والآخر لموظفين يعملون في موقع التويثة النووي أو من موظفي مديرية رفع واتلاف النفايات المشعة، لكن لا توجد قاعدة بيانات في المركز تصنّف المصابين على أي أساس سببي، لأن السرطان ببساطة لا يمكن معرفة أسبابه الحقيقية".
وعند سؤالها عن احتمالية ان تكون البيئة المشعة سبباً؟، قالت: "حتى الآن لم يعرف سبب معظم الإصابات السرطانية، لكن لوحظ من خلال الدراسات ان هناك عوامل مساعدة نطلق عليها (عوامل الخطورة) قد تكون سببا في الإصابة".
وتضيف المختار "من بين عوامل الخطورة هذه هناك العوامل الفيزيائية والتي يتقدمها التعرّض للأشعة الايونية حيث يزيد الى حد بعيد من احتمالية الإصابة بالسرطان، وهذا ما اثبتته تجربة قنبلة هيروشيما حيث ازداد المصابون باللوكيميا بعدها بشكل هائل".  

  

50 الف دينار مقابل تفكيك مفاعل
يقول خبير بمجال الطاقة النووية (غ ه) وهو أحد العاملين في موقع التويثة منذ تسعينات القرن الماضي: "عملت فرق من مديريتي تصفية المنشآت النووية ومعاملة وإدارة النفايات المشعة على تفكيك الأجزاء المتبقية من مفاعل تموز في موقع التويثة، فضلاً عن الاستمرار بمعالجة معدات مشعة في مواقع متفرقة من العراق، بأدوات بدائية لا تخضع للمعايير العلمية التي تراعي العوامل الصحية والبيئية".
"بعض الكوادر العاملة في تفكيك المفاعلات غير مدربة وتفتقر للمعدات الخاصة بالتصفية"، يقول الخبير مبدياً انزعاجه ويضيف "يعتمد العاملون على معدات و دروع بدائية لا تقيهم خطر الاشعاع، ولا يعي بعض العاملين في مجالنا مخاطرَ العمل عموماً، وهذه مسؤولية تتحملها الإدارة".  

me_ga.php?id=5780  

تنهد، (غ ه)، وهو يتحدث عما جرى خلال عملية تفكيك "مفاعل تموز" عام 2018، معبراً عن أسفه لما قام به المسؤولون في مديريات الطاقة، حين "اغري بعضُ العاملين البسطاء للعمل في تفكيك المفاعل، عبر وعدهم بمكافآت مجزية، فقضى الفريق ساعات اضافية خارج الدوام الرسمي لشهرين متتاليين وفي تلك البيئة الخطرة، وفي النهاية كوفئ كلُ فرد بـ (50) ألف دينار فقط (نحو 40 دولاراً).  

  

تعتيم على ارتفاع نسبة الاشعاع بموقع التويثة..
في لقاء متلفز بُث في السابع من نيسان/أبريل 2019, ظهر د. ماجد الساعدي مدير عام دائرة الإتلاف والمعالجة والمشرف على مديريات الطاقة الذرية ليرد على بيان لجنة الصحة البرلمانية عن حالة باسم جاسم حطاب، فعرج على حالة موقع التويثة بالقول أن "نسبة الإشعاع في موقع التويثة تساوي نسبة إشعاع أي شارع من شوارع بغداد"، وهو بذلك ينفي ارتفاع نسبة الاشعاع في موقع التويثة عن الحد الطبيعي.  

  

  

لكن الخبير بالنشاط النووي (غ ه) فند بشكل قطعي حديث "الساعدي"، وأكد ارتفاع نسبة الاشعاع في موقع التويثة خصوصاً قرب موقع قلب " Core" المفاعل الذي تم تفكيكه مؤخراً، وفي موقع محطة النفايات المشعة، بمعدلات عالية وخطرة، فضلاً عن وجود مخاطر لتلوث المساحات المحيطة بمواقع العمل في التويثة، والتي حصلنا على صور لها تظهر وجود نفايات مشعة ملقاة على الأرض في العراء وبكميات كبيرة دون معاملتها.  

me_ga.php?id=5781me_ga.php?id=5782me_ga.php?id=5787me_ga.php?id=5788me_ga.php?id=5786me_ga.php?id=5785me_ga.php?id=5784me_ga.php?id=5783me_ga.php?id=5789  

وعبر مصادر خاصة، حصلنا على صورة لمقياس النشاط الاشعاعي "RADE YE" الخاص بقياس الاشعاع سطحياً، ومن داخل موقع الراديوكيما -وهو موقع محظور الدخول اليه او الاقتراب منه حتى على العاملين-، تثبت ارتفاع الجرعة الاشعاعية داخله، لتصل إلى (7.13) "Bq/Cm2" –"البيكرل" هي وحدة قياس النشاط الاشعاعي- علما أن الخلفية الاشعاعية الطبيعية لجهاز الـ "ريد آي" هي (0.20) "Bq/Cm2" أي أن الجرعة داخل الموقع أكثر من المعيار بـ (35) ضعف عن الطبيعي.  

  

me_ga.php?id=5790  

في وقت يؤكد فيه (غ ه) ارتفاع النشاط الاشعاعي في نقاط معينة من موقع التويثة، يكشف عن "وصول النشاط الإشعاعي للسائل الملوث الموجود داخل موقع (الراديوكيميا) إلى (8) ملايين بيكريل، كما ورد في إحدى التقارير المقدمة للوكالة الدولية من قبل علماء عراقيين". ويضيف أنه "لا توجد معلومة دقيقة عن حجم السائل الملوث وكميته".
و"الراديوكيميا", اسم يطلق على أحد المواقع المدمرة داخل موقع التويثة، يصفه العاملون هناك بالخطر لوجود (8) خزانات للسائل الملوث داخل غرف تحت الأرض.  

  

me_ga.php?id=5791me_ga.php?id=5792me_ga.php?id=5795me_ga.php?id=5797me_ga.php?id=5796me_ga.php?id=5793

  

  

بداية العام الجاري (2020) علم كاتب التحقيق أن مديريات الطاقة الذرية العراقية تعتزم معالجة موقع "الراديوكيميا" المدمر. يعتقد الخبير (غ ه) ان عملية معالجته شبه مستحيلة، والسبب على حد قوله: "وجود تسرّب للسائل الملوث خارج الخزانات، وعدم وجود معدات للتعامل مع السوائل الملوثة، اضافة لخشيتنا من كمية الجرعات الاشعاعية العالية التي قد نتلقاها اذا دخلنا لغرف الخزانات تلك".  

  

منطقة موبوءة ..
في صبيحة العاشر من نيسان 2003 ومع سيطرة القوات الامريكية على العاصمة بغداد، سمحت تلك القوات لأهالي المناطق القريبة من ناحية (جسر ديالى) بدخول موقع التويثة النووي ونهب بعض محتوياته، التي غالبيتها مواد ملوثة اما اشعاعياً او كيميائياً.
قام البعض بنهب العشرات من "البراميل" البلاستيكية التي كانت تحوي على مواد كيمياوية أو بقايا سوائل ملوثة اشعاعياً، فضلاً عن العديد من الاثاث المكتبي ومعدات انشائية وعجلات، والتي استخدمها الاهالي في منازلهم بشكل مباشر دون ادراك لخطورتها.  


الخبيرة في مجال معالجة الملوثات الاشعاعية د. اقبال لطيف، أجرت على مدى سنوات عديدة مسوحات ميدانية في المناطق المحصورة بين الزعفرانية (غرب موقع التويثة) مروراً بجسر ديالى وصولاً إلى قريتي الوردية والجعارة (شرق التويثة).
وهذه المنطقة، بحسب الدكتور لطيف وعدد من الباحثين، تعد من أخطر المناطق الملوثة في العاصمة بغداد، لوجود موقع التويثة النووي المدمر من جهة، ووقوع معارك عنيفة بناحية (جسر ديالى) خلال غزو العراق 2003، والتي حاولت فيها القوات الامريكية "المارينز" اقتحام بغداد من جانبها الشرقي وعبور جسر ديالى نحو قلب العاصمة، حينها واجهت تلك القوات مقاومة من قبل قوات "الحرس الجمهوري" -احد اقوى تشكيلات القوات المسلحة العراقية حينها-، "لهذا استخدمت قنابر تحوي على اليورانيوم المنضب بهدف حسم المعركة سريعاً"، بحسب شهادات عسكريين من أهالي المنطقة، كان دليلهم على ذلك "هو انصهار عدد من مقاومة الطائرات والعجلات العسكرية".  


عدا استهداف القوات الامريكية لخمس حاويات في موقع التويثة، تعرضت للقصف بصواريخ تحوي اليورانيوم المنضب، وهذه الحاويات كانت مخصصة لحفظ مستلزمات العمل الذري الملوثة وفق عاملي زامنوا الحادث.
وتعتقد الخبيرة في الملوثات الاشعاعية د. اقبال لطيف بأن سماح القوات الامريكية للمدنيين بدخول منطقة التويثة لم يكن اعتباطياً "تلك العملية جرت بتعمد، فهي تعرف جيداً مضار تلك الحاويات على المدنيين". لكن لطيف لم توضح الهدف من ذلك؟  


وتكشف لطيف عن ارتفاع نسبة الاشعاع النووي في منطقة التويثة وماحولها، وهذا كله وفق تجارب وقياسات علمية اجرتها على تلك المنطقة، حيث تمكنت من قياس الناتج النهائي لليورانيوم في 238هكتار من التربة عبر زراعة نبات الرشاد فيها، فوجد في عشرة آلاف متر مربع متفرقة (3.720) غم من اليورانيوم وذلك كله عبر تجربة استغرقت ثلاثة اشهر، بينما يجب ان تكون النسبة الطبيعية (0.02) غم.
ورصدت الخبيرة في الملوثات الاشعاعية زيادة كبيرة بنسبة نظير البوتاسيوم وبعض العناصر الاخرى وهذا دليل فقدان التربة خصوبتها بسبب ارتفاع نسبة اليورانيوم المنضب.
وكشفت لطيف عن الامراض التي اصابت المدنيين بمناطق جسر ديالى والتويثة والوردية المحيطة بقلب مفاعل تموز، حيث سُجلت زيادة كبيرة بالأمراض السرطانية، واحتل سرطان الثدي المرتبة الاولى للإصابات السرطانية، وجاء بعده سرطان الدم بالمرتبة الثانية والقولون بالمرتبة الثالثة، كما سُجلت عشرات الحالات لسرطانات الجهاز الهضمي كسرطان البنكرياس الذي يعتبر من اشد انواع السرطانات، كما سجل سرطان الكبد والمستقيم والمعدة والغدد والعين وغيرها.  


وبينت ان ارتفاع سرطان الغدد بين المدنيين في تلك المنطقة يدل على ان كمية الاشعاع والجرع الاشعاعية عالية جداً، خصوصاً في منطقة "الوردية"، ومنطقة "قرب الاسالة" المطلة على نهر دجلة والتي تغذي اكثر من مليون ومئتي الف نسمة بالمياه الصالحة للشرب.
واضافت اقبال أن المناطق المحيطة بالتويثة كجسر ديالى وصولاً للزعفرانية غرباً أُشِّرَت فيها زيادة كبيرة بالامراض الفايروسية، لأن ارتفاع نسبة الاشعاع يضرُّ بالجهاز المناعي بشكل كبير، وسُجِّلَت اصابات بأمراض فايروسية عديدة كالتهاب الكبد الفايروسي وغيره.  


واشارت، الخبيرة في مجال معالجة الاشعاع، إلى أن ارتفاع الاشعاع ادى الى تراجع خصوبة التربة والزراعة بشكل عام في تلك المناطق، حيث سجلت عملية موت للنخيل "الذكري" نتيجة ارتفاع اشعة Gamma بشكل يفوق الطبيعي.  

  

موظفون يواجهون الموت
"محمود فاضل"، الذي وافته المنية بسبب تليف نخاع العظم، وغيره ممن اصيبوا بالأمراض السرطانية والجلدية من العاملين في مجال الاشعاع الذري، "تركوا ليواجهوا مصيرهم المحتوم دون أي دعم مادي أو معنوي حكومي، سيما من قبل المديريات التي ينتسبون لها"، تقول ضحى نامق أرملة المتوفى محمود.
يفتقر العاملون في مجال الطاقة الذرية لوجود مركز صحي "خاص" بهم في مديريات الطاقة، لعلاجهم من الامراض التي تنتج عن تعرضهم للإشعاع، الشيء الذي يضطرهم للجوء الى المستشفيات العامة (الحكومية والاهلية) للفحص والعلاج في ذات الوقت.  


بعد عدة اتصالات هاتفية وساعات من الانتظار، التقينا في أحد مقاهي العاصمة بغداد بـ "عدنان شلش" (اسم مستعار) الموظف في إحدى مديريات الطاقة الذرية، وصاحب الخمسة واربعين عاما، والذي كان أجرى قبل اشهر قليلة عملية جراحية لاستئصال "ورم خبيث" في جسده.
بوجهه الشاحب وشعره الذي بات خفيفاً وبعينين جاحظتين أضناها المرض، حدثنا شلش عن معاناته وآلامه التي لا تهدأ، قبل ان يفتح حقيبة صغيرة محملة بالتقارير الطبية وصور اشعاعية لجسده النحيل الذي خسر 30 كلغم، تظهر مكان "الورم" في جسده.  


يرجّح شلش إصابة أكثر من 100 من العاملين في مجال رفع ومعالجة النفايات المشعة بالأمراض، (5-8) منهم بامراض سرطانية، وآخرون بامراض متعددة كالفشل الكلوي والامراض الجدلية الحادة.
لا يوجد معدل عالمي لأجور العاملين في المجال الاشعاعي, لكن رواتب العاملين العراقيين في هذا المجال خارج سباق اقرانهم في دول العالم، ففي الولايات المتحدة يتقاضى العاملون في المؤسسات النووية ما معدله (92) ألف دولار سنويا، وفي المملكة المتحدة يصل معدل أجور العاملين في ذات المجال الى (62) ألف يورو سنويا، اما في كندا فمعدل أجور العاملين في القطاع النووي يتجاوز (71) ألف دولار سنويا. وذلك وفق موقع "نيو فو" لتوفير الوظائف.  


تقول الموظفة في مديرية معاملة النفايات المشعة بتول أحمد "رواتبنا لا تسد الحاجات اليومية للعائلة، فالراتب الاسمي لحامل شهادة البكالوريوس والذي يعمل على ملاك الدولة لا يصل الى (400) ألف دينار عراقي، تضاف اليه مخصصات خطورة و زوجية ليبلغ نحو (800) ألف دينار شهرياً، أي (9.600.000) دينار سنوياً (نحو 8000 دولار امريكي).
وبهذا الراتب، فإن العامل في مجال الإشعاع النووي في العراق يتقاضى ما نسبته (8.6%) من مرتب اقرانه في الولايات المتحدة الامريكية.
وتشير بتول إلى أن "كثير من العاملين في المواقع الملوثة ليسوا على ملاك الدولة، فمنهم من يعمل بنظام الأجر اليومي والذين لا تتجاوز مدخولاتهم الشهرية (250) الف دينار (200 دولار)، واخرون متعاقدون بمرتبات لا تتجاوز (400) ألف دينار (325 دولار)".  


يبلغ عدد الاجراء اليوميين الذين يعملون في وزارة العلوم والتكنلوجيا (دمجت مع وزارة التعليم العالي) 138 اجيراً يتوزعون على مديريات و تشكيلات الوزارة، 33 منهم ينتسبون لدوائر تعنى مباشرة بالعمل الاشعاعي في مديريات الطاقة الذرية، منهم 14 أجيراً في مديرية معاملة النفايات المشعة، و7 اجراء في مديرية تصفية المنشآت النووية، و12 آخرين في مديرية اسناد المواقع.
ووفقاً لوثيقة صرف مستحقات الاجراء لشهر شباط 2018، فان الأجر اليومي للعامل في مديريات معاملة النفايات المشعة وتصفية المنشآت النووية واسناد المواقع يبلغ (10) آلاف دينار فقط (نحو 8 دولارات).  

  

فوضى إدارية ..
يشتكي العاملون في مديريات الطاقة الذرية من فوضى إدارية يقعون ضحية لها، فقد كانت تشكيلاتهم مرتبطة بوزارة العلوم والتكنلوجيا، لكن مديريات موقع التويثة ووزارة العلوم والتكنلوجية أجمعها، تم دمجها بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
يصف الخبير القانوني، جمال الاسدي، تحويل موظفي مديريات الطاقة الذرية للارتباط بوزارة التعليم، بالخطأ الكبير، مؤكداً أن "مضمون اعمال هذه المديريات لا صلة له بوزارة التعليم".
ويضيف الأسدي "كان لا بد من ادراج هذه الدوائر وأي تشكيل آخر يعنى بالعمل الاشعاعي والنووي ضمن تشكيلات (هيئة الطاقة الذرية العراقية) التي تشكلت في كانون الثاني 2017، لأن عمل المديريتين يتطابق مع عمل الهيئة".  


ويشكو موظفو مديريات الطاقة الذرية من تدني رواتبهم، ما دفعهم في آذار 2019 الى جمع تواقيع لطلب رفع مستحقاتهم المالية تماشيا مع ما ورد في قانون هيئة الطاقة الذرية.
تعليقا على الرواتب المتدنية يقول الأسدي، ان قانون هيئة الطاقة الذرية وتحديدا المادة 18 منه تنصف نسبيا موظفي الهيئة "لكن دوائر التويثة لم تلتحق بالهيئة التي لم تباشر أساساً وبالنتيجة فان الموظفين الضحية الوحيدة".  


يقول الباحث البصري في مجال البيئة د.شكري الحسن، أن العراق كان يعد من البيئات النظيفة والخالية من التلوث الإشعاعي بشكل تام، على الرغم من تدمير مفاعل تموز، الذي لم يحدث فيه تسرب خطير بالإشعاع خارج الموقع".  


لكن مشكلة التلوث الإشعاعي، بحسب الحسن "تفاقمت بعد عام 1991 وقصف العراق بمئات القنابر الحاوية على اليورانيوم المنضب، فضلاً عن استعمال الامريكان عام 2003 لذخائر تحتوي اليورانيوم المنضب بشكل كبير"، والتي تُقدّر بـ ( 2000) طن حسب د.الحسن.  


وقبل عام 1991 كانت الخلفية الاشعاعية في العراق لا تتجاوز (7.5 جزء من المليون روتنجن/ ساعة)، إلا أنها ارتفعت الى (8.08) جزء من المليون روتنجن/ ساعة، حسب مركز الوقاية من الإشعاع.
ذلك الواقع يتطلب جهودا كبيرة لتخفيف مخاطر الإشعاع على الإنسان والبيئة، والجزء الأكبر من هذه المهمة يقع على عاتق عاملين وخبراء وموظفين عراقيين يفتقرون لوسائل الحماية والوقاية الكافية.
"لا أحد يهتم" تقول ضحى نامق، وهي تشيح بنظرها على صورة زوجها المعلقة على جدار غرفة منزلهم المتواضع، ثم تُكمل "أشفق على العاملين في مجال الاشعاع... أتمنى أن لا يلقوا مصير محمود".  

  

*تم إخفاء أسماء المتحدثين بناء على طلبهم خشية الملاحقة.
*انجز التحقيق بدعم من شبكة "نيريج" للصحافة الاستقصائية وتحت اشراف أحمد الربيعي.