Shadow Shadow
قصصنا

الأغاني الشعبية وجدل الذائقة العراقية.. ’غناء هابط’ أم ذاكرة للشعوب!

2020.08.12 - 18:26
الأغاني الشعبية وجدل الذائقة العراقية.. ’غناء هابط’ أم ذاكرة للشعوب!

ذي قار – ناس

لطالما شكّلت الأغنية العراقية محطة إبداعية مهمة من تاريخ العراق الفني، وتحولت إلى إيقونة ورمز جمالي منذ الخميسينيات وبروزها نهاية الستينيات وظهور جيل غنائي لامع، ولا يزال أغلب العراقيين يتذكرون تلك الحقبة الجميلة من محطات الفن والطرب العراقي، لكن الزمن الجميل كما يعبّرون عنه، قد وقع تحت وطأة الأغاني الشعبية التي ظهرت منذ سنوات.

هذه الأغاني الشعبية، تزامنت مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، واستحوذت على اهتمام المتابعين بشكل لافت، وصارت تشغل مساحة واسعة من ذائقة الشباب الذين يتلاقفون في نشرها، في ظل غياب للأغاني العراقية والطرب، وهو ما يؤشر على وجود ثقافة سطحية تدعو للترويج للفن الشعبي الذي يفتقد للمقومات الفنية، بحسب ما يرى مختصون ومتابعون.

وأزاء ذلك، يقول الكاتب والمهتم في الشأن الفني حسين السومري لـ"ناس"، بأن "ذائقة الشباب تغيرت، وربما الإيقاع السريع هو المهيمن على الوضع، وهذا ما نراه في مواقع التواصل الاجتماعي الذي يفسح المجال للهواة وكل من لديه تجربة في نشرها، وهذا النشر خلق بيئة فنية بلا معايير".

ويتابع في حديثه، "أعتقد بأن غياب الرقابة في العراق قد أعطى الفرصة لظهور جيل لا يهتم بالمعايير الفنية أو الغنائية، ويرغب في (الطشّة)، ويعتمد بذلك على كلمات شعبية بسيطة للتسلية أو الترفيه، وهذا شجع على ظهور أكثر من حالة تهتم بمجال الغناء الشعبي الذي يخدش الذائقة الفنية التي كانت تعتمد على أصوات غنائية سجلت حضورها في الذاكرة العراقية".

ويضيف، "هذه تسمى فوضى، صحيح أنه لا توجد مقارنة بين الفن العراقي الحقيقي وبين ما يظهر اليوم من غناء، لكن الأمر يحتاج الى مراجعة ومتابعة حقيقية من الجهات ذات العلاقة، على أقل تقدير فسح المجال في اقامة مسابقات ومشاريع غنائية لفرز الأصوات الغنائية عن الأصوات التي لاعلاقة لها بالفن، قد نخرج بالمستقبل بنتائج طيبة، أفضل من فوضى اليوم".

 

الغناء والبيئة الإجتماعية

يرى الكاتب والناقد محمد هاشم خلال حديثه لـ"ناس"، بأن "هناك أوجهاً متعددة لهذا الموضوع، كما يسميه البعض بالغناء الهابط، حيث يجب التفريق بين مستويات الوعي والإدراك والتذوق، هناك جماعات بشرية ترتبط موسيقاها ببيئتها وظروفها ومكوناتها النفسية، فبيئة الريف لها إيقاع خاص، يختلف عن المدينة والبيئة السهلية تختلف عن الجبلية وعن الغربية وعن الأهوار".

ويقول هاشم أيضاً،" ليس هناك غناء هابطاً أو مرتفعا، الا اذا كان موجها بمعيار نقدي فني، قد يكون المعيار على مستوى الموسيقى أو الصوت أو الكلمات، وغالبا ما تتعلق المشكلة بالكلمات، ولا يمكن وصفها بالهابطة، يمكن القول عنها الشعبية أو الشعبوية أو اليومية بخلاف النخبوية في حال عدم إثارتها للجدل، وهذا النمط من الغناء هو غناء اعلانات تجارية وهي عادة تكون سهلة بسيطة وليست عميقة لكي تصل الى المتلقي".

ويتابع هاشم حديثه، "الشعوب حينما تمر بأزمات وبانكسارات كبيرة غالبا ما تنمو ثقافة ترويحية او ثقافة تسلية حتى لو كانت تسلية رخيصة، نجد ذلك مثلا بعد الحرب العالمية الاولى والثانية وظهور أشكال من الأغاني والمسرح، كمسرح اللاجدوى وظهرت اشكال هزلية ربما كانت دائما ينظر اليها بالامتعاض والاستهجان، لكنها لاحقا صارت علامات فارقة في تاريخ الشعوب ومؤشرا على اتجاهات معينة في الرصد الاجتماعي والنفسي".

وفي مصر، كما يتحدث هاشم، "بعد نكبة 1967، كان المصريون يستمعون الى المقطوعات الطويلة على مستوى القصيدة العربية والاستماع لأم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم، لكن بعد النكبة ظهرت أشكال من الاغاني الشعبية كأغاني أحمد عدوية وهي أغاني استهلاكية آنية، عُدّت لاحقا مؤشرا وسُمّي بالغناء الشعبي، ولاحقا أصبح جزءاً من الثقافة الشعبية".

 

انحطاط اجتماعي؟

يعتقد هاشم بأن هذا النوع من الأغاني ظهرت إما رفضا للحرب أو هروبا منها، ويقول إنه "بعد عام 1991، ظهرت أغاني كإسفاف، وبدأت وكأنها مبتذلة وهابطة، ولكنها كانت تعبيرا عن الهبوط أو الانحطاط الاجتماعي العام الذي يدفع الناس الى السخرية، وظهرت أيضا في فترة التفجيرات والعنف الطائفي، وظهرت أخيرا في الحرب ضد الإرهاب، وظلت تعزف على أنها راقصة حتى الأناشيد التي تمجد الشخصيات السياسية والدينية تحولت الى مادة صاخبة".

ويضيف، أن "ذيوع الاغاني هي ليست ظاهرة وليس أمرا غريبا وان هذا يترافق مع كل الفنون وقد حققت كسبا ماديا مثل السينما المصرية التي ظهرت في فترات من الصراع السياسي بعد احداث 2011 حينما ظهرت السينما الراقصة او في الافلام التي ظهرت فيها لمسة اباحية وجنسية".

ويزيد في حديثه، أن "البعض تأخذه ذائقته لأشكال فنية ترويحية أو ترفيهية ولا يبحث عن الدلالة العميقة، بل يتعامل مع الموسيقى كترويح نفسي وقد يكون ساخرا أو هابطا، وهذا نجده في النكتة الشعبية، فكلما ازدادت الأمور انغلاقا تنمو هذه الثقافات، ونحن محاطون بجدران كبيرة من الحصار النفسي والاقتصادي والضغط الديني، وكل جيل يبحث عن شكله ولونه وما يشبهه وهذه العملية موجودة في كل العالم".

 

الارتقاء بالفن

وفي سياق ذلك، دعا الفنان ماجد الصياد الى "الارتقاء بالغناء العراقي، وأن تكون هنالك لجان مشرفة على النص الغنائي واللحن من كبار الموسيقيين ومراقبة لشركات الانتاج واستوديوهات التسجيل".

وأضاف خلال حديثه لـ"ناس"، أن "الأهم هو مطالبة وزارة الثقافة بفتح استوديوهات وشركات انتاج، وتدعو الشباب للتسجيل والتصوير بسعر رمزي، وهنا سنخلق جيلا واعيا، وأغنية عراقية أصيلة كما كان في السابق، حين يتم التسجيل والتصوير مجانا مع مكافأة المطرب ومثال ذلك حسين نعمة، وياس خضر، وداخل حسن، وغيرهم من عمالقة الفن العراقي".

الى ذلك يرى الفنان والموسيقي، عمار الغرباوي، بأن "الأغاني الشعبية هي طرب شعبي مخصص للأفراح والمناسبات وهي موجودة في الوطن العربي خاصة والعالم عامة وهي مخصصة لجمهور معين، فالذين يستمعون لهذا اللون لايمكننا ان نتحكم بذائقتهم ومزاجهم".

ويتابع حديثه، لـ"ناس"، "نحن لسنا خائفين من ان تتسيد هذه الاغاني الساحة الفنية؛ لأنها لاتؤثر سلباً على المتذوق، فهو يعرف ماذا يسمع، وهناك جانب آخر، وهو أن هذا هو لون شعبي وليس شعبوياً، والذي هو بالأساس مصطلح سياسي، لانه يحاكي الحالات والمواضيع الآنية التي تمر في المجتمعات، فهو يوثق لأحداثٍ ووقائع يجسدها الخيال الشعبي بقصص وأشعار وغناء وطُرف، وإن الغناء الشعبي جزء من ذاكرة الشعوب".