Shadow Shadow

فشل نظام الدولة في العراق ولبنان

2020.08.07 - 19:48

صلاح عزيز

بعد خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى تشكلت دولتان هما العراق (1922) ولبنان (1926) واصبحت بريطانيا الدولة المنتدبة للعراق وفرنسا للبنان. وضعت الدولتان الأوروبيتان نظامي الحکم والإدارة للدولتين الحديثتين وحاولتا تکوين الهوية -العراقية واللبنانية الحديثة.

بعد حوالي مئة سنة، يظهر الواقع الحالي فشل العراق ولبنان في تحقيق استقلالهما وتأمين السعادة لمواطنيهما مما يدعو إلى البحث عن أساليب جديدة لمکونتها مغايرة للنظام التي انشأ خلال القرن الماضي.

بدأت مأساة العراق عندما فرضت بريطانيا ملکا عربيا سنيا حجازيا على الدولة العراقية المؤلفة من ثلاثة أطياف بشرية رئيسية مختلفة عن بعضها: الشيعة (الاکثرية نفوسا)، السنة (حکام بغداد في العهد العثماني)، والکورد (الذين طالبوا بدولة منفصلة). سوقت بريطانيا فکرة المملکة العراقية الجديدة باستخدام الترغيب والترهيب ونظمت استفتاء شعبيا عام 1921 للحصول على تأييد المکونات بتنصيب الأمير فيصل بن الشريف حسين ملکا على العراق، بينما حاولت المکونات الثلاثة ولمدة قرن الاستيلاء على السلطة او تقسيم الدولة الحديثة مستخدمين شعارات قومية، مارکسية، وإسلامية بينما کان الهدف حکم الشعب والثراء الغير القانوني.

استطاعت المکونات بعد الاحتلال الامريکي في عام 2003 تشکيل أحزاب سياسية ومؤسسات حکم ومليشيات أمنية للحفاظ على مصالحها وبذلک نجحت بتکوين دولة الأحزاب بدلا من الدولة المستقلة وهوية الأحزاب بدلا من الهوية العراقية.

کذلك بدأت مأساة لبنان عندما اجرى الفرنسيون إحصاء لسکانها عام 1932 حسب دياناتهم وطوائفهم، ليكون نسبة المسيحيين (51.2٪) والمسلمين (48.8٪) ووزعت المناصب والمنافع حسب هذه النتائج.

بعد عقود تغيرت النسب السکانية. هكذا نشأت دولة فيها اقلية تريد الحفاظ على امتيازاتها السابقة واکثرية ترغب بالمزيد من السلطة. نشبت الحرب الاهلية في لبنان عام 1975 واستمر القتل والتدمير فيها ودخلت سوريا لبنان لصالح فريق سياسي عام 1976 لتبقى الى عام 2005. کذلک دخلت إسرائيل لبنان عام 1982 وحاصرت بيروت. لم تستطع الدولة اللبنانية ان تحکم کدولة منذ الحرب الاهلية، حيث أصبحت مناطق نفوذ للطوائف. استطاعت الطوائف أن تخلق دولة لا يتحمل فيها احد مسؤولية الوطن ولا المواطنين؛ وإنما تعمل على ترسيخ الهوية الدينية والطائفية على حساب الهوية اللبنانية.

لا يحاسب أحد الأحزاب العراقية والطوائف اللبنانية عندما تسرق ثروة شعوبها. كذلک لا احد يتحمل المسؤولية عندما يموت العراقيون لقلة الدواء والمياه النظيفة او نتيجة إرهاب مليشيات الدولة او داعش؛ ولا عندما يموت اللبنانيون من الجوع او تفجير ميناء بيروت او قصف إسرائيلي. هل يوجد حل لمآسي الناس؟ ما العمل عندما تفشل الدولة الحزبية/الطائفية؟ اذا کان سبب إنشائها هي الدول المستعمرة، فالمسؤول عن بقائها وادامتها هم الأحزاب والطوائف. هل يمکن تغيير الواقع المرير "بإصلاح" القوى المافيا المحلية الحالية؟ لا أعتقد. هل يمكن تمكين الشعوب بالنضال ضد القوى المحلية؟ لا أظن. هل يمکن الطلب من المستعمر أن يستعمر هذه الدول؟ سوف لن يوافق. فکلفة استعمار شعوب جشعة وکسلانة وجاهلة مکلفة وکان ذلک أحد أسباب خروجها من المنطقة منذ أكثر من سبعين سنة.

لا يکمن إيجاد حل مناسب ضمن النظريات التقليدية ومخرجات سايکس-بيکو. لابد من التفکير الإبداعي لإيجاد حلول على أسس جديدة يأخذ بنظر الاعتبار أسباب فشل الدولة في العراق ولبنان خلال القرن الماضي. مهما کانت الحلول التي ستطرح، لابد أن يكون حفظ کرامة الانسان وحريته في اولوياتها.

قصيدة منقولة عن محمد مهدي الجواهري (مجلة الشراع)

جللٌ مصابُك يا بيروت يبكينا ... يا أخت بغـــداد ما يؤذيك يؤذينا

ماذا أصابك يا بيروت داميـــة ... والمــوت يخطف أهليك وأهلينا

داران من قزّ يا بيروت إن لنا ...لاشـكّ تسـكنُ بعضيها شياطـينا

‏عضّي على الجرح يا بغداد صــابرةً ... بيروت تعـــــرفُ ما فيها وما فينا

بيروتُ تعرفُ من بالروعِ يفجـــــعنا ... علـــم اليقين وكأس الموت يسقينا

نادي بنيكِ وقصّـــي بين أظهرهـــم ... ضفائر الطــهر أو حتى الشرايينا

عضّي على الجرح يا بغداد واتعظي ... من أحرق الأرز لن يسقي بساتينا