Shadow Shadow
كـل الأخبار

على خلفية صراع ديوان الوقف

تقرير: بدلاً من مواجهة ’الطائفية الشيعية’ بالمدنية.. أحزاب السنّة تعزز الطائفية!

2020.07.30 - 22:40
تقرير: بدلاً من مواجهة ’الطائفية الشيعية’ بالمدنية.. أحزاب السنّة تعزز الطائفية!

بغداد – ناس

سلط تقرير لمركز الإمارات للسياسات، الضوء على خلافات البيت السني، بشأن المرجعية الدينية، ومدى تأثيره على طبيعة الحضور السنّي في العملية السياسية العراقية، حيث اعتبر التقرير أن تلك النزاعات ترسم صورة طائفية بلون جديد، بدلاً من تكريس الحالة المدنية في العملية السياسية، والخروج من دائرة الصراع المذهبي، واستخدام التنوع السني الكبير كقوة في مواجهة الطائفية الشيعية والقومية الكردية.

من جديد يعود الجدل في الوسط السُّني العراقي حول المرجعيات الدينية، وهذه المرة بمناسبة تغيير رئيس ديوان الوقف السني، ومحاولة ترشيح شخصية جديدة لإدارة أوقاف الطائفة والمشاريع الاستثمارية المرتبطة بها، ويعكس الخلاف الحاصل بين الأطراف ذات العلاقة الصراعَ المحتدم بين التيارات العلمانية والإخوانية السنية.

ديوان الوقف السُّني

هو ديوان يتولى إدارة شؤون أوقاف أهل السنة والجماعة في العراق، وتَشكل استناداً لقرار "مجلس الحكم" رقم 68 بعد إلغاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التي كانت تدير جميع الأوقاف الدينية في البلاد قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003. وفي عام 2012 صادق البرلمان العراقي المنتخب بشكل نهائي على "قانون الوقف السني".

وإضافة إلى مراقد ومساجد أهل السنة التي يُديرها الديوان، هناك العشرات من المدارس والجامعات والمشاريع الاستثمارية والسكنية والتجارية التابعة له، فضلاً عن مراكز البحوث والدوائر الهندسية والصحية والاقتصادية وغيرها. وتُقدر قيمة الأموال والأصول التي يديرها الوقف بنحو 6 مليارات دولار، كما تُقدر الأموال المخصصة للوقف السني سنوياً بنحو 300 مليار دينار سنوياً.

ويكون رئيس الديوان بدرجة وزير، ويحق للبرلمان مساءلته وإقالته إذا تطلب الأمر. وأول رئيس للديوان كان عدنان الدليمي، الذي تولى لاحقاً زعامة "جبهة التوافق السنية" قبل انتخابات عام 2005، وآخرهم كان الشيخ عبد اللطيف الهميم الذي تولى المنصب عام 2015، واتُّهم بالكثير من قضايا الفساد لكنه تمكن من تجنب الاستجواب البرلماني، فيما أصدرت محكمة الجنايات في بغداد حكماً بالسجن 10 سنوات على نجله أحمد، بعد اتهامه بقضايا فساد أيضاً.

ومعروف عن الهميم ميله لجماعة الإخوان المسلمين في العراق، لكنه دخل في صراعات كثيرة مع "الحزب الإسلامي العراقي" الذي ينتمي للجماعة نفسها، وأصل الخلاف يعود إلى محاولات الحزب الإسلامي، الذي يسيطر على معظم مفاصل الديوان والمجمع الفقهي العراقي، إطاحة الهميم، وتعيين شخصية مقربة من الحزب.

وينص قانون الوقف السني على أن يقدم "المجمع الفقهي العراقي لكبار علماء الدعوة والإفتاء"، اسمَ المرشح لرئاسة الديوان إلى رئيس الوزراء، ولا يتطلب الأمر موافقة البرلمان.

ويُعد المجمع الفقهي من المرجعيات الرسمية لأهل السنة في العراق، ويضم مجموعةً كبيرة من العلماء والمشايخ، ويقع مقره في مدينة الأعظمية في بغداد، واعتبره البرلمان المرجعيةَ الوحيدة للسنة، وتضمنت القوانين النافذة الاعتماد على مشورة ورأي المجمع في القضايا ذات العلاقة بالدين والمذاهب السنية، الأمر الذي أثار استياء مرجعيات سنية أخرى؛ مثل "جماعة علماء العراق"، و"هيئة إفتاء أهل السنة والجماعة".

 

الأسماء المرشحة لرئاسة ديوان الوقف السُّني

أعلن المجمع الفقهي العراقي نهاية الشهر الماضي تقديم ثلاثة مرشحين لمنصب رئيس ديوان الوقف السني، داعياً رئاسة الوزراء إلى اختيار أحدهم. والمرشحون الثلاثة هم حسن سهيل، وقاص العاني، وصلاح الدين فليح. والأخير هو ابن أخ رئيس الديوان الحالي وزوج ابنته، غير أنه أعلن انسحابه من الترشح للمنصب حفاظاً على "سمعة (عمه) كبير علماء المجمع الشيخ أحمد الطه"، كما جاء في نص بيان الانسحاب. وكان المتحدث باسم المجمع مصطفى البياتي قال في بيان يوم 27 يونيو الماضي، إن "المجمع لم يجامل أحداً، ورشح للوقف السني شخصيات نزيهة ولها تاريخ وقد جربت سابقاً في عدة أماكن إدارية وأثبتت جدارتها"، مضيفاً أن "ترشيح السيد صلاح الدين فليح كان بترشيح من عميد كلية الإمام الأعظم ولَم يقبل بذلك الشيخ العلامة أحمد حسن الطه، ولكن الهيئة العليا في المجمع صوتوا للدكتور صلاح الدين فليح وطالبوا وأصروا على أن يكون اسم الدكتور صلاح من ضمن المرشحين".

 

أسباب الخلاف

وفور إعلان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي عزمه إجراء بعض التغييرات في رئاسات بعض الأجهزة والمؤسسات الحكومية، ومن بينها ديوان الوقف السني، بدأت الأطراف السنية بالحراك للحصول على هذا المنصب المهم والحساس، لأسباب كثيرة منها حجم الأموال والمشاريع التي يُديرها الوقف، وسيطرته على الخطاب الديني للمساجد السُّنية في عموم البلاد، إضافة الى الرغبة في الحصول على مقعد إضافي في حكومة الكاظمي، ذلك أن رئيس الوقف يكون بدرجة وزير ويتولى ترشيح بعض فقهاء الدين في المحكمة الاتحادية، بحسب قانونها المقترح في البرلمان.

إلا أن سيطرة الحزب الإسلامي وقيادات الإخوان المسلمين على المجمع الفقهي جعل بعض الأطراف السياسية السنية، ومن أبرزها كتلة "تحالف القوى العراقية" بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، تعتقد بأن هذا المنصب الحكومي المهم سيكون تحت سيطرة ذلك الحزب، الأمر الذي دفعها إلى تقديم مقترح لتعديل قانون الديوان وجعْل الترشيح للمنصب من صلاحيات البرلمان فقط، وتحديداً الكتل البرلمانية السنية.

ووفقاً لنص المقترح، الذي نشره موقع "ناس" الإخباري، فإنه "يكون رئيس الديوان بدرجة وزير ويُعين باقتراح من نصف نواب المكون السني زائد واحد عن طريق ترشيح ثلاثة شخصيات إلى رئيس مجلس النواب لاختيار أحدهم، ثم يرسل إلى رئيس مجلس الوزراء لإقراره". وجاء في الأسباب الموجبة لمقترح القانون أنه "يوجد العديد من الجهات التي تمثل طيفاً أو فكراً لأهل السنة والجماعة، والتي وصلت إلى أكثر من عشر جهات".

بدوره حذّر المجمع الفقهي من مغبة تعديل قانون ديوان الوقف السني، ورأى أنها سابقة خطيرة قد تؤدي إلى خلافات عميقة بين أبناء المكون. وأيدت بعض الأحزاب والشخصيات الموالية للإخوان المسلمين موقف المجمع الفقهي، ومن بينها:

رئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، الذي قال في تغريدة على "تويتر" إن "مقترح تعديل قانون الوقف السني غريب يُقدم للبرلمان لأول مرة، يعطي للنائب صلاحية الترشيح تجاوزاً على ما حدده الدستور، كما أنه يقسم النواب إلى طوائف في الوقت الذي يكون فيه النائب ممثلاً لكل العراقيين". وأضاف الجبوري "كما أنه يضع مؤسسات دينية في خانة المجتمع المدني تجاوزاً لرسالتها"، ودعا النواب إلى رفض هذا المقترح.

رجل الدين المعروف عبد الملك السعدي، الذي نفى الأنباء التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، عن معارضته لموقف المجمع الفقهي، وقال في بيان إنه يؤيد موقفهم من مسألة ترشيح رئيس ديوان الوقف السني.

نائب رئيس لجنة الأوقاف البرلمانية، هناء تركي الطائي، التي عارضت تشريع قانون جديد للوقف السني، وقالت في حديث لجريدة "الصباح" العراقية إنه "وفق قانون ديوان الوقف السني رقم 56 لسنة 2012، يكون رئيس الديوان بدرجة وزير ويُعين باقتراح من مجلس الوزراء بعد موافقة المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والإفتاء، مبينة أن هذا القانون كُتب باستشارة الجهات المعنية وقياداته نظراً لأن هذا المنصب يمثل واجهةً دينية".

في المقابل، قال القيادي في "تحالف القوى العراقية" عبد الله الخربيط في تعليق على تبني كتلته مقترح تعديل قانون الوقف السني، إن جماعة الاخوان المسلمين "جماعةٌ خطيرة قادتنا إلى المهالك، ولن يُسمح لها بالاستمرار في السيطرة على أيٍّ من مقدرات أبناء محافظاتنا على الأقل".

وتشير بعض الأنباء إلى سعي رئيس البرلمان السابق سليم الجبوري إلى الترشح إلى هذا المنصب (وهو شخصية إخوانية وكان من كبار قادة الحزب الإسلامي قبل أن يعلن انسحابه منه عام 2017)، لكنه لا يحظى بقُبول كافٍ في الوقت الحالي بين الأوساط السياسية العراقية، خصوصاً بعد أن خسر معركة الترشح لمنصب وزير الدفاع في حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، لكن ترشيحه هذه المرة يعكس حجم التنافس والصراع على المناصب داخل جماعة الإخوان المسلمين في العراق التي فشلت هي الأخرى في تشكيل مرجعية موحدة، خصوصاً أن رئيس الحزب الإسلامي الحالي رشيد العزاوي يسعى أيضاً إلى تولي رئاسة ديوان الوقف السني، وكان وراء انسحاب القيادي في الحزب نوري الدليمي من سباق الترشح، بعد أن كان قاب قوسين من كسب غالبية أصوات المجمع الفقهي، لكنه اصطدم بمعارضة العزاوي وعبد الوهاب الطه (نجل رئيس المجمع الفقهي) الذي يُصر على اختيار شخصية مقربة من عائلته لمنصب رئيس الديوان.

 

تعدُّد المرجعيات السُّنية

بسبب تعدد المذاهب والتيارات السنية في العراق، تتعدد أيضاً المرجعيات الدينية لأهل السنة والجماعة؛ فالمجمع الفقهي العراقي أعلى مرجعية رسمية لسنة العراق، والذي رشح بعض الأسماء لرئاسة ديوان الوقف، صار في مواجهة نواب "اتحاد القوى العراقية" الذين طالبوا بتعديل قانون الترشيح، واعتراض "الحزب الإسلامي العراقي" الذي طالب بتكليف الوزير السابق نوري صباح الدليمي (الذي سحب ترشيحه لاحقاً)، إضافة إلى اعتراض "دار الإفتاء السلفية" وغيرها من الجهات الدينية.

 

والمرجعيات السنية المعروفة في البلاد، هي:

"المجمع الفقهي العراقي لكبار علماء الدعوة والإفتاء"، برئاسة الشيخ أحمد حسن الطه، وهو المرجعية الرسمية حالياً وفقاً للقانون، ويضم غالبية مشايخ الإخوان المسلمين والصوفية، وعدداً قليلاً من السلفية.

"جماعة علماء العراق"، برئاسة الشيخ خالد الملا، وهو من محافظة البصرة ذات الغالبية الشيعية، ويمتلك علاقات جيدة بالأحزاب والتيارات الشيعية، ويرى أن الاعتماد على "المجمع الفقهي" كمرجع وحيد لأهل السنة أمر ينطوي على ظلم كبير، وغالباً ما يذكِّر الملا بانخراطه في العملية السياسية بعد 2003 للحفاظ على حقوق السنة في البلاد، في وقت قاطعت باقي المرجعيات السنية الحياة السياسية، لذا يرى لجماعته الحق في تعيين واختيار رئيس الوقف السني.

"دار الإفتاء"، برئاسة الشيخ مهدي الصميدعي الذي يصف نفسه بمفتي الديار، وهو سلفي اعتقلته القوات الأمريكية اثناء فترة الاحتلال، وبعد خروجه من المعتقل تقرب من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي عينه لإدارة أهم مساجد بغداد، جامع أم الطبول. ويمتلك الصميدعي علاقات وطيدة بالحرس الثوري الايراني وقادة الميليشيات العراقية.

"الوقف السني"، إذ ترى بعض الأطراف السياسية أن الوقف يجب أن يكون المرجعية الرسمية لأهل السنة في العراق، ويؤيد هذا الرأي رئيس الوقف السابق عبد اللطيف الهميم، حيث يقوم الوقف بتحديد الأعياد وأوقات الصيام وإصدار الفتاوى الدينية وكل الفعاليات التي تقوم بها باقي المرجعيات، كما أنه يضم مجموعة من العلماء الذين بإمكانهم ترشيح رئيس الوقف، بحسب الأقدمية والمؤهلات العلمية، بدلاً من الخلاف بين باقي المرجعيات "غير الرسمية".

"مجلس علماء العراق"، تم تشكيله عام 2007 بعد ختام المؤتمر الخامس لعلماء العراق في الأردن، وهو برئاسة الشيخ محمود العاني ويميل لجماعة الإخوان أيضاً. ويهدف المجلس إلى "معالجة الخلافات الطائفية التي حدثت بعد عام 2003"، وحاول منافسة "هيئة علماء المسلمين" على مرجعية الطائفية في العراق، لكن شعبته تراجعت كثيراً في السنوات الاخيرة.

"هيئة علماء المسلمين"، برئاسة الشيخ مثنى حارث الضاري، ومقرها في الدوحة عاصمة قطر، وهي من تنظيمات "الإخوان المسلمين"، وعارضت اعتبار "مجلس علماء العراق" بديلاً منها بعد مؤتمر الأردن، كما عارضت الهيئةُ العمليةَ السياسية في العراق منذ عام 2003، وأُدرج أمينها العام، مثنى الضاري، على قائمة "الارهاب العراقية" عام 2018.

وهناك بعض المجالس والهيئات التي تدّعي أيضاً تمثيل القيادة الدينية العليا للسنة، مثل جماعة الرباط العراقي، والهيئة العليا للتصوف وغيرها، كما جرت بعض المحاولات لتأسيس مرجعية سنية غير جماعية على غرار مرجعية علي السيستاني لدى الشيعة، وروَّجت للشيخ عبد الملك السعدي كمرجع سني أعلى، إلا أن تعدد الاتجاهات حال دون ذلك.

 

الخلاصة والاستنتاجات

هذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها الوسط السني هذا الصراع الكبير حول منصب رئيس ديوان الوقف السني، وعوضاً عن الأسباب التي فُصلت آنفاً، تقف الرغبة في تزعم الساحة السنية سبباً رئيساً في هذا الصراع، خصوصاً من قبل رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، الذي حاول خلال السنوات القليلة الماضية السيطرة على جميع الإدارات المحلية للمدن السنية، سيما في محافظة الأنبار، وإقصاء خصومه، وفي مقدمتهم "الحزب الإسلامي"، والوصول إلى ما يُشبه "دولة عميقة سنية" تابعة له على غرار ما فعله رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، من خلال تعيين المئات من أنصاره في مختلف مؤسسات الدولة.

وفي المقابل تحاول الأطراف الأخرى، مثل "المشروع العربي" بزعامة خميس الخنجر أو "جبهة الإنقاذ والتنمية" بزعامة أسامة النجيفي أيضاً، الفوزَ في صراع السلطة والنفوذ الدائر في وسط وغرب البلاد، ولا تريد أي مكسب للحلبوسي في أي مواجهة يدخلها، بما فيها المواجهة الحالية مع "المجمع الفقهي العراقي".

وأثبتت التجربة الحالية والتجارب السابقة صعوبة الاتفاق على مرجعية سنية سياسية أو دينية موحدة، لأسباب عقائدية واجتماعية كثيرة، لكن النظام الطائفي المحاصصاتي الذي تأسس بعد عام 2003 جعل الأطراف السنية تبدو وكأنها مشتتة وغير موحدة لافتقارها إلى مرجعية تُشبه مرجعية السيستاني عند الشيعة الذي ساهم، وإلى حد كبير، في توحيد مواقف الطائفة تجاه القضايا المصيرية، مثل ما حدث أثناء كتابة الدستور.

وبدلاً من تكريس الحالة المدنية في العملية السياسية، والخروج من دائرة الصراع المذهبي، واستخدام التنوع السني الكبير كقوة في مواجهة الطائفية الشيعية والقومية الكردية، واصلت الأطراف السنية محاولات تشكيل المرجعيات الدينية، والاستحواذ على صفة تمثيل السُّنة، الأمر الذي لم يتحقق، خصوصاً بعد صعود الخطاب الوطني "المدني" في الآونة الأخيرة بين الأوساط الشبابية في عموم مناطق البلاد، والذي بلغ ذروته في المقاطعة الكبيرة للانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2018، ومن ثم انطلاق الاحتجاجات الشعبية في خريف العام الماضي.