Shadow Shadow

طريق طوله 32 كلم يحكي قصة فشل 29 عاما

2020.07.29 - 19:55

آلان م. نوري

 آلان م نوري

في يوم 21 تموز الجاري اوقف اهالي قرية (شيخ رش) القريبة من مدينة السليمانية أعمال بناء الخط السريع المعروف بـ "طريق المئة متر" عنوة. اهالي القرية يقولون أن الخط السريع هذا يمر بحوالي 80 دونما من أراضيهم الزراعية. منها ما يقولون أنها مفوضة لهم بالطابو أو ممنوحة لهم بعقود زراعية مع دائرة الزراعة في السليمانية. يؤكد الفلاحون أن حكومة الإقليم لم تطفئ حقوقهم بالتعويض النقدي، أو ببدل أراض زراعية أو اراض داخل حدود بلدية السليمانية حسب القوانين النافذة.

مشروع طريق المئة متر الدائري في السليمانية يعود تاريخ تصميمه إلى أكثر من عشرة اعوام مضت. طوله حسب آخر تصاميمه هو حوالي 145 كيلومترا. اكتسب تصميم ثلث هذا الطريق صفة نهائية عام 2013 و يربط مفرق (طاسلوجة) غربا بمفرق (عربت) شرقا من الجهة الجنوبية لمدينة السليمانية. يبلغ طول هذا المقطع من الطريق الدائري حوالي 32 كيلومترا، بعرض يتراوح مع جنباته ما بين 130 الى 200 متر. سيغطي مساحة 2500 دونم من أراض مختلفة الأصناف. قُدّرت تكاليف هذه المرحلة بـ 50 مليار دينار، أي ما يعادل 42 مليون دولار.

أما ما يتبقى من هذا الطريق الدائري، فقد قُدّرت كلفته بحوالي 420 مليار دينار، أي 350 مليون دولار. لكن هذا الجزء لم يكتسب تصميمه صفة النهائية بعد. ذلك لأن السلطات الإدارية في المحافظة وافقت على تخصيص أراض كانت جزءا من تصميم الشارع الدائري لمشروعين كبيرين هما مدينة ألعاب (جافي لاند) وهو مشروع تجاري خاص و حديقة (هواري شار) العامة، اضافة إلى عدد من مشاريع الإسكان التجارية الخاصة. فأصبح بذلك من غير الممكن تنفيذ تصميم الطريق الدائري كما كان مقررا. وفي حال الإبقاء على هذه المشاريع فلا مفر من تحويل مسار الطريق الدائري في شمال السليمانية إلى منطقة جبلية وعرة ستضاعف الكلفة التقديرية للمقطع المتبق إلى الضعف، أي حوالي 700 مليون دولار.

الجزء الذي انتهى تصميمه من طريق المئة متر السريع، وُضع الحجر الأساس لبناءه  في عام 2013، و تم التعاقد مع 3 شركات تركية لتنفيذه، ولكن الشركات التركية سرعان ما انسحبت من المشروع لأن المقدّم الذي كان يفترض أن يستلموه قبل البدء بالتنفيذ، قد "اختفى"!

بعد سنين من الجدل بشأن الأموال المخصصة للمشروع و مآلها، قررت حكومة الإقليم مرة أخرى أن تتحمل تكاليف الـ 32 كيلومترا من الطريق الدائري نهاية العام الماض، و أوكلت المشروع إلى مجموعة شركات (قيوان)، التي تحتكر معظم النشاطات الإقتصادية في محافظة السليمانية.

بعد توقف طارئ بسبب تفشي جائحة الكورونا في العالم و إنخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، و بعد ازمة مالية حادة في الإقليم، بُدء العمل في المشروع بداية شهر تموز الجاري. ولكن سرعان ما طفت إلى السطح مشكلة حقوق التصرف و الملكية ، وكيفية تحديدها وإطفائها في الأراضي التي سيمر بها طريق المئة متر. وليست المشكلة في مسألة تحديد و إطفاء هذه الحقوق بحد ذاتها. فليس فيها ما لم يعالجه صريح القانون، بل المشكلة هي فيما خفي، و ما خفي كان اعظم.

منذ أواخر عام 1991 و بعد سلسلة انتفاضات شعبية ضد نظام صدام حسين، تفردت القوى المسماة بالحركة القومية الكردية بإدارة معظم إقليم كردستان ومنذ ذلك الحين تورطت هذه الإدارة في كوارث إدارية ثلاث هي الأساس للأزمة السياسية الشاملة التي يمر بها الإقليم حاليا؛

الكارثة الإدارية الأولى كانت النهب الممنهج الواسع للآليات و المعدات و تفكيك المصانع وخطوط الكهرباء والاتصالات المدفونة و المشاريع الإستراتيجية كـ(سد بيخمة) الذي كان على وشك الإنتهاء و الذي كان سيشكل أكبر خزان مائي في العراق و اكبر منتج للطاقة الكهرومائية في البلد. جرى تفكيكها و تهريبها إلى دول الجوار أثناء الإنتفاضة ولسنين لاحقة للانتفاضة. 

ادى ما سبق، ومنذ بداية السلطة الإدارية لقوى الحركة القومية الكردية إلى تثبيت فكرة أن كل من حمل السلاح محتميا بإحدى فصائل هذه الحركة، بات قادرا على نهب المال العام دون أن يغمض له جفن. ومنذ ذلك الحين، باتت هذه القاعدة إطارا لحياة و معاش الناس في الإقليم، حيث أن ما هو متاح لحملة السلاح، غير متاح قط للمواطن العادي.

أما الكارثة الثانية (وهي الثالثة في الترتيب الزمني) فكانت هدر أساس النمو الإقتصادي لهذا الجيل و الأجيال اللاحقة، الذي هو قطاع النفط والغاز في الإقليم. بدءا من "وهب" آبار النفط لهذا و ذاك من متنفذي الإدارة الأمريكية المباشرة، بعد الإحتلال، تقربا لها، إلى عقود "تنقيب" غير قانونية على آبار جاهزة، و سلسلة عقود مع شركات اجنبية تهضم الحق العام...الخ، فأصبح الإقليم بسببها يئن تحت وطئة قروض هائلة و بشروط مجحفة. أما الجانب الخفي من هذه الكارثة الإدارية، فيكمن في عدم رجوع وزارة الموارد الطبيعية في الإقليم إلى بيانات و وثائق وزارتي المالية و الزراعة لتحديد كيفية اطفاء الحقوق القانونية للملكية والحيازة على الأراضي التي تعاقدت عليها للتنقيب و الإنتاج. لم يأبه المسؤولون في الوزارة بالتحقق في قانونية معاملات الإطفاء، بل دفعوا التعويضات إلى كل متنفذ ادعى قانونا أو بغير قانون، حقا ما على الأراضي التي خصصت للتنقيب. فأصبح معيار الـ "حق" في التعويض ليس القانون بل قدرة المدعي على "خلق مشاكل" للعمل في تطوير حقول النفط والغاز. ويتفق خبراء وزارة الصناعة أن كل المشاريع الصناعية الإستراتيجية في إقليم كردستان تعاني الأمرّين على يد مدّعي "الحقوق" من حملة السلاح المدعوم حزبيا. 

وزارة الثروات الطبيعية تعمل كدولة، داخل إقليم، داخل دولة، و نهجها في تحديد و تعويض "حقوق الملكية و الحيازة"، بات هو النهج السائد في الإقليم.

الكارثة الثالثة كانت موقف الحركة القومية الكردية المتسيدة منذ عام 1991 من الإصلاح الزراعي و قوانين ملكية الأراضي الزراعية. فمنذ بداية تسلمها مقاليد الأمور، اعلنت هذه الحركة انها لن تلتزم تطبيق القانون رقم 90 لسنة 1975 والذي يعرف بـ "الإصلاح الزراعي الثالث في كردستان" في المناطق الحدودية من الإقليم و تبدله بـ "العرف المحلي"! هذه المناطق الحدودية التي أخرجتها هذه الإدارة من سلطة القانون، تحوي في محافظة السليمانية، مثلا، أكثر من 51% من مجمل الأراضي الزراعية في المحافظة. وهنا مرة اخرى، سلمت هذه الإدارة العلاقات الإقتصادية و معاش الناس إلى سطوة المسلحين المتنفذين في هذه الأحزاب، بدلا من القانون.

في السليمانية توسعت قرية (سيتك) لتصبح مدينة كبيرة عن طريق التجاوز على القانون و الممتلكات العامة، و كذلك في جنوب السليمانية تمتد البيوت و البساتين من (بكره جو) إلى سفح جبل (قرداغ) بالطريقة نفسها. يبيع مسلحون متنفذون هذه الأراضي جهارا إلى متنفيذين آخرين، ثم يبدأ المواطنون البسطاء بشراء اراض مجاورة لهم، خارج القانون ايضا، متيقنين أنهم ماداموا يسكنون بجواز مسلحين متنفذين، فالقانون لن يطالهم هم ايضا.

الأدهى هو أن المتجاوزين في ضواحي السليمانية و غيرها يحصلون على تراخيص من الوحدات الإدارية التي من مهامها حفظ القانون و المال العام، فترفعهم هذه التصاريح إلى مقام "أصحاب حقوق". تشير معلومات غير مؤكدة  إلى أن من ضمن الأراضي التي تقع ضمن مخطط الـ 32 كيلومترا من الطريق الدائري، هنالك مصفيين غير مرخصين لتكرير النفط، أُقيمتا على اراض مملوكة للدولة و أن أصحابهما من المسلحين الذين يملكون من السطوة ما يتيح لهم ادعاء حقوق الملكية و المطالبة بتعويضات!

اهالي قرية (شيخ رش) يلوّحون بنسخ من وثائق الطابو الخاصة بالأراضي التي يمنعون العمل فيها قبل أن يحصلوا على تعويضاتهم القانونية. يقولون انهم اضطروا لإيقاف العمل عنوة لإسماع شكواهم إلى المسؤولين. مشكلتهم تبدو الأسهل من بين المشاكل التي تواجه طريق المئة متر في السليمانية، لكنهم بإحتجاجهم هذا أماطوا اللثام عن حالة خُلقت منذ 29 عاما من قبل القوى المتنفذة في الإدارية الكردية، وحلها لن يكون بيد هذه القوى التي تسببت بها و حمتها طيلة هذه الأعوام.

ما يستشري في كردستان ليس حالة كردية خاصة بل هو نسخة، ربما محسّنة، مما يجري في العراق كله. أصحاب السلاح المتسلط المنفلت منذ عقود، ينهشون في اقتصاد البلد و أجساد ابناءه. تفرقت الأيديولوجيات و المصيبة واحدة.