Shadow Shadow

أوقفوا دفع الرواتب في العراق!

2020.07.18 - 20:28

آلان م. نوري

في متابعة خاصة، نشرت في ناس نيوز، أوضحنا أن النموذج الإحصائي لتوقعات انتشار جائحة الكورونا المستمد من البيانات الرسمية العراقية ينبئ بكارثة إنسانية خلال الأربعة اشهر القادمة.

بحسب النموذج الإحصائي هذا، إذا بقي حال التراخي في التبعيد الإجتماعي و قصور الإجراءات الوقائية و تدني الوعي الصحي الفردي على ما هو عليه، فسيصل عدد الحالات المكتشفة اليومية بحلول الأول من تشرين الثاني إلى مابين 83 ألف كحد ادنى و  359,500 كحد اعلى يوميا، وسيصل الحد الأدنى لمجموع الوفيات بسبب الإصابة بالفيروس في ذلك اليوم في العراق إلى 10 آلاف انسان، بينما الحد الأعلى المتوقع سيتجاوز الـ  24 ألف انسان!

تنصح السلطات الصحية العالمية البلدان التي لا تستطيع فرض حجر شامل على مجتمعاتها لمدة تكفي لكسر دورة انتشار الجائحة، تنصحها بفرض ارتداء الكمامات على جميع السكان بقوة القانون. وجاءت النصيحة لكونها الخيار الأكثر فاعلية  والأقل كلفة و الأخف وطئا على الحريات العامة. و لا تكلف الحكومات سوى توفير الكمامات مجانا في الأماكن العامة.

تتوقع النماذج الإحصائية أنه في حال تمكن العراق من فرض صارم لإرتداء الكمامات في كل التجمعات السكانية في البلد، فإن ذلك وحده سيكون كفيلا، بحلول الأول من تشرين الثاني،  بإنقاذ حياة 4400 انسان كحد ادنى و 13 ألف إنسان كحد اعلى من موت محقق ينتظرهم .

 

ولكن..

من المؤسف أن من يُتوقع منهم هذا الفرض الصارم لإرتداء الكمامات في العراق، لا يؤمنون بجدواها لإعتقادهم أن الكورونا "كذبة" أو "مخطط أمريكي" لبث الرعب بين العراقيين، أو يعتقدون بأن القدر و المكتوب، مع أو بدون الإجراءات الوقائية، واقع لا محالة، أو يعتقدون بأن الجائحة لن تصيب مريدي الإمام المخلّص...هذا بالإضافة إلى حقيقة أن قوى فرض النظام و الأمن في العراق، كل العراق،  رغم الأموال الطائلة التي تُهدر عليها في ميزانيات الحكومة المركزية وإقليم كردستان والمحافظات، فهي لازالت من بين الأقل كفاءة و الأكثر فسادا في العالم. ومن المؤسف أيضا، أن الوعي الصحي في العراق عموما متدن على صعيد عادات النظافة الشخصية و الإلتزام الطوعي بإجراءات السلامة. 

ما سبق يشير إلى أن العراق بوضع مؤسساته الحالي و وعيه المجتمعي الحالي غير قادر على فرض ارتداء الكمامات على جميع سكان البلد، و أن هذه السياسة لن تنتج النتائج نفسها التي انتجت في كوريا و تايوان و غيرها. لذا فمن أجل منع الكارثة الإنسانية المتوقعة خلال الأربعة اشهر القادمة، و تجنيب الآلاف المؤلفة من المواطنين موتا عبثيا مؤلما، لا مفر من الحجر الصحي على المجتمع بأكمله.

 

ألم نجرب هذا من قبل، و فشلنا؟

نعم جربناه، فقد تم فرضه قرابه شهر واحد و بدرجات متفاوتة من الصرامة في كل محافظات العراق. وكانت النتيجة أن نمو الإنتشار الوبائي كان قد خُفض إلى درجة أن البعض كان يتحدث عن فرضية مناعة العراقيين للإصابة بالفيروس، و اقتنع البعض الآخر بأن الجائحة "أكذوبة" لا غير! وهذا يعني شيئا واحدا فقط: رغم كل النواقص، منع التجول و الحجر الصحي على كل المجتمع كان اداة فاعلة في مواجهة الجائحة. ولكن لكي تنجح هذه الإجراءات، لابد من تأمين قوت الناس وإيجاد آلية فاعلة لإيصال المواد الغذائية إلى بيوتهم. وعدم توفير هذه الشروط الأساسية لنجاح هذه الإجراءات، هو الذي أدى بالناس للضغط من أجل رفع حظر التجوال و الحجر الصحي على المجتمع في المرة الأولى، فأنهت السلطات الإدارية الحجر الشامل قبل الأوان.  و الأوان هنا تعرّفه المراجع الصحية بتحقيق اسبوعين متتاليين من التدني اليومي للإصابات المكتشفة مع زيادة مضطردة في الفحص. وهذا يمكن تحقيقه، حسب نفس المصادر خلال شهرين من الحجر الصحي الشامل، كما أثبتت تجربة الصين ذلك.

 

لم نقدر على شهر، فكيف نقدر على شهرين؟

الحكومة العراقية غارقة في ازمة مالية خانقة وتبحث عن حل سحري لتوفير استحقاقات الموظفين و المتقاعدين و غيرهم ممن هم على قائمة دفوعات الدولة، فكيف إذا طلبنا منها فوق ذلك أن تتولى اعاشة كل المجتمع العراقي لمدة شهرين؟

هنا تبدو فكرة "ايقاف دفع الرواتب كافة في العراق لمدة شهرين" حلا مناسبا فعالا، إذا ما تم تحويل رواتب هذين الشهرين إلى برنامج "توفير ما قيمته 100 دولار من المواد الغذائية لكل فرد من سكان العراق، و فرض الحجر الصحي الشامل على الكل لمدة الشهرين" أي أن تتولى الدولة اعاشة كل السكان مقابل ملازمة الكل لبيوتهم، شرط الغاء كل الإلتزامات المالية المترتبة على السكان للحكومة و لبعضهم خلال هذه الفترة (كأيجار المساكن والمحال التجارية، الماء و الكهرباء، و أقساط القروض بأنواعها...الخ).

إن إجراءا كهذا سينقذ حياة آلاف الموطنين من الناحية الإنسانية و سيحسن نوعيا (وإن وقتيا) المستوى المعاشي لأكثر من نصف سكان العراق. فحاليا، وحسب تقديرات البنك الدولي، تتلقى حوالي 30% من الأسر العراقية دخلا شهريا صافيا يقل عن 65 دولارا للفرد الواحد في الأسرة، وهذا لتغطية كافة الإحتياجات و الإلتزامات و ليس فقط للغذاء. فالسياسة المقترحة بتوفير ما قيمته 100 دولار للغذاء و الغاء كافة الإلتزامات المالية لشهرين لكل فرد في البلد، ستكون بالنسبة لغالبية سكان العراق، قياسا بحالهم الآن، بحبوحة!

أما ما تعنيه هذه السياسة المقترحة للـ"نخبة" السياسية الحاكمة في العراق، فإنها قياسا بتوفير الرواتب و اتّباع سياسة ترك الناس ينشرون الفايروس فيما بينهم مع "تمنيات الحكومة للجميع بالصحة و السعادة" المتبعة حاليا، فإن السياسة المقترحة هي أقل تكلفة من استمرار الحال كما هو عليه. كيف؟ لنجمع الأرقام معا:

 

رياضيات  إيقاف دفع رواتب الجميع

حسب المصادر المتاحة، تنفق الحكومة العراقية سنويا، من الميزانية العامة للدولة، مبلغ 52 مليار دولار على الرواتب. ورغم الحديث الدائم عن تصفية سجل الرواتب من الفضائيين و الأسماء المكررة وغيرها من وسائل النصب، فإنه على المدى المنظور، لا يوجد لدى العراقيين أي وهم بأمكانية حدوث ذلك. الطبقة السياسية السائدة في العراق، اثبتت المرة تلو الأخرى انها مستعدة لتجويع المواطنين جميعا، قبل أن تفكر بجدية في حرمان فضائييها و مرتزقتها من "رزقهم". أما تقليص الرواتب للجميع كمخرج من الأزمة المالية الخانقة، فيتضمن عواقب سياسة وتعقيدات للسلطة السياسية تضيف أضعافا إلى ما هي عليه الآن، لذا فمن المستبعد أن تتوغل الطبقة السياسية في وحل استقطاع الرواتب بما يكفي لحل أزمتها الإقتصادية. هذا يعني أن بقاء الحال على ما هو عليه سيجبر الحكومة العراقية على دفع 8 مليارات و 667 مليون دولار خلال الشهرين القادمين. هذا مع بقاء سخط المواطنين على نهب المال العام في الرواتب غير المستحقة و على التفاوت الهائل بين رواتب "علية القوم" و باقي المواطنين. كما أن بقاء الحال على ما هو عليه يتضمن ايضا استمرار ازمة رواتب إقليم كردستان كما هي.

ولكن لو قامت الحكومة، خلال الشهرين القادمين، بإيقاف دفع الرواتب (في إطار الشروط التي ذكرناها سابقا) و خصصت بدلا عن ذلك ما قيمته 100 دولار من المواد الغذائية شهريا لكل شخص من سكان العراق، الذين يقدّر عددهم بـ 38 مليون انسان، فسيكلفها ذلك خلال الشهرين 7 مليارات و 600 مليون دولار. ولو افترضنا أن المصاريف اللوجستية لتأمين و ايصال المواد الغذائية إلى البيوت سيكون، للشهرين 400 مليون دولار، فهذا يعني أن هذا البديل المقترح سيكلف 8 مليارات دولار. وقياسا ببقاء الحال كما هو عليه، سوف يوفر البديل هذا للحكومة 667 دولار في شهرين! أي تقليصا بنسبة 7.7% من ميزانية الرواتب للشهرين.

ولو افترضنا توزيع المواد الغذائية على 10% من أغنى سكان العراق، بسعر التكلفة، و ليس مجانا، فإن ذلك سيوفر 380 مليون دولار اضافية. هذا التوفير الإضافي سيرفع النسبة إلى 12% من الميزانية المخصصة للرواتب في الشهرين. ولنحسب بعد ذلك التوفير في نفقات الحكومة الذي سينتج عن تقليص عدد الإصابات بالجائحة من جراء فرض الحجر الشامل على المجتمع ككل لمدة شهرين، والذي نقدره، كحد أدنى، بـ 500 مليون دولار في الشهرين من مصاريف ادارة مواجهة الجائحة. وهذا بدوره سوف يرفع مبلغ التوفير الكلي إلى مليار و 547 مليون دولار، أي 17.8% من نفقات الرواتب في الشهرين.

 

مكاسب سياسية ايضا!

هذا البديل الذي لا تعقله الطبقة السياسية المتسيدة في العراق حاليا، سينجم عن تطبيقه مكاسب سياسية جمة لها...فبشكل عام، يمكن توقع التزام صارم من قبل الناس بالحجر الصحي، إذا رافق ذلك تكفل الحكومة بمعاشهم و تجميد التزاماتهم المالية لشهرين. وخلال هذين الشهرين يمكن ايقاف دورة انتشار الجائحة و إنقاذ حياة عشرات الآلاف من المواطنين من الموت. من الناحية السياسية، فإن إجراءا كهذا سيجعل العراقيين يرون في الطبقة السياسية ما لم يروا قط: طبقة سياسية فاعلة، رشيدة و مكترثة بمآل المواطنين!