Shadow Shadow
عن التحوّل الديني

أحمد سعداوي

روائي عراقي، وكاتب وصحفي، حائز على جائزة البوكر عن روايته فرانكشتاين في بغداد .

عن التحوّل الديني

2020.07.14 - 08:52

أحمد سعداوي

أحمد سعداوي

 

بسبب ديمقراطية وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الجميع، بمختلف مستويات الوعي والثقافة، يشاركون في التعليق على القضايا العامة، وللأسف الجهل يغري بالجرأة، كما أن الغياب الفيزيائي للمتحاورين يعزّز الجرأة الممزوجة بالسفاهة والرعونة. والكل مدفوع، بنسبة أو بأخرى، الى ما يرفع الادرينالين في الدم، والشعور بنشوة عابرة قد تنتهي حالما تغلق هاتفك أو شاشة حاسبك المحمول.

هذا الجمع الجاهل الذي يقف مشدوهاً أمام معلومة ترد بشكل عابر أن هذا الشخص أو ذاك تحوّل عن طائفته، يسارع للدخول في سلوك يشعره بالاتصال بالجماعة، فـ"ينصرها" بشتيمة وتعليق بذيء. ولا يعرف أي شيء عن تاريخ التحول الديني في بلده.

العراق منذ أن كان عراقاً هو أرض للتحولات الدينية، إن كان على مستوى الأفراد أو الجماعات. وليس سرّاً لمن يقرأ ويطلع أن غالبية سكّأن العراق [الذين يقدرهم بعض المؤرخين بعشرة ملايين نسمة] كانوا من المسيحيين حين دخل العرب المسلمون، ثم تحوّل غالبيتهم الى الاسلام على مدى مئتي سنة لاحقة.

أيضاً لم يكن العراق بغالبية شيعية إلا في القرون الأخيرة، بسبب حملات التبشير التي كان يقوم بها "الموامنة" وهم رجال الدين الشيعة الصغار، في القرى والأرياف.

هناك أسباب شخصية، وظروف عائلية، وقضايا لها علاقة بالملاحقات العشائرية، أو بحثاً عن الرزق في مكان آخر، تدفع الأفراد الى التحوّل الديني، بل والقومي، كما في التداخلات بين العرب والكرد والتركمان في مناطق كردستان وما يجاورها.

هناك الكثير من العوائل العربية اليوم أصلها تركي أو فارسي أو كردي. مسيحيون ويهود تحوّلوا الى الأسلام لأسباب شتّى.

في الحقيقة لم يتوقّف التحوّل الديني أبداً، بالإضافة الى شيء أعمق؛ التحوّل الفكري، حين يترك الإنسان عقائد جماعته باتجاه أفكار لا دينية. وهذه ظاهرة صعبة القياس، بسبب التوازنات القلقة في غالب الأحيان ما بين سعي ذاتي نحو المعرفة والحرية، والحاجة الى الانتماء أو التصالح مع الجماعة الاجتماعية الخاصة أو المحيطة.

أعرف أصدقاءُ سنّة تحوّلوا الى التشيّع بسبب حبّهم لاستاذهم "الشيعي المذهب"، وأعرف أكثر من شخص شيعي تحوّل الى التسنّن بسبب نذر يخص الانجاب أو الخلاص من مرض مزمن، أو بسبب اكتشافه وممارسته للصلاة الاسلامية أول مرة مع أصدقاء سنّة.

المجتمع سيّال ومتحرّك، وهذا هو حاله دائماً، وما علينا هنا، في مواقع التواصل الاجتماعي، أو في الحياة العامة، إلا أن نحاول التعلّم، وأن ندرأ الكوارث التي تأتي كأعراض جانبية على حرية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وحقّنا في التعبير وحرية الكلام، كي نكون مهذبين أكثر، منصتين متأملين، لا صخّابين ننعق مع كل ناعق، بحثاً عن جرعة ادرينالين تتدفّق في الدم!