Shadow Shadow

آيا صوفيا.... جدلية التعايش والتدين

2020.07.12 - 10:46

باسم العوادي

((لقد كان مبنى آيا صوفيا على مدار 916 عام كتدرائية، ولمدة 481 عام مسجداً، ثم لمدة 86 عام كمتحف)).

(إن إحياء آيا صوفيا من جديد هي بشارة نحو عودة الحرية للمسجد الأقصى)، (إحياء آيا صوفيا هو بداية جديدة للمسلمين في كافة أنحاء العالم من أجل الخروج من العصور المظلمة)، (إحياء آيا صوفيا لا يمثل عودة الأمل للمسلمين فقط بل أيضا لكافة المظلومين والمضطهدين والمسحوقين والمستغلين)، (إن إحياء آيا صوفيا هو سلام مرسل من أعماق قلوبنا إلى كافة المدن التي ترمز لحضاراتنا بدءا من بخارى وصولا إلى الأندلس).

بهذه العبارات الكبيرة والخطيرة علق الرئيس التركي أردوغان عن حادثة تحويل (كاتدرائية، مسجد، متحف) آيا صوفيا الى مسجد مرة ثانية، إذن هو ليس حدثا داخليا تركيا يعبر عن مشاعر خاصة وإنما رسالة تبدأ من القدس الى الأندلس لتمس مشاعر اليهودية والمسيحية وكأننا في أتون حرب دينية جديدة؟.

هل فعلا أن العالم الاسلامي أو تركيا بالتحديد بحاجة الى مسجد جديد؟.

وهل قلت قيمة آيا صوفيا عندما تحول الى متحف يقصده أبناء الديانات السماوية وكآثر عالمي يقصده ملايين السياح سنويا وهو يعكس ظاهرة التعايش وسماحة الإسلام وعظمة الدولة العثمانية؟.

ماهي المعجزة التي ستتحقق بعد أداء صلاة الجمعة والتي يمكن ان تغيير مسار التاريخ أو تخرج المسلمين من واقعهم المتراجع؟

هل نحن فعلا في زمن حروب دينية كونية تتطلب ان يتمترس كلا منا خلف دينه ومراكز عبادته؟.

وهل إثارة مشاعر أربعة مليارت من اتباع الديانة المسيحية وزرع عقده الكراهية في نفوسهم تجاه المسلمين يعتبر منجز إسلامي أو قومي؟

وهل كان كمال أتاتورك العَلماني أكثر وعيا في إظهار قدرة الإسلام على قبول الآخر واحترام تأريخه وآثاره وأكثر فهما لبعض مقاصد الشريعة عندما وافق على تحويل المسجد الى متحف بتاريخ 4 كانون الاول 1934.

وهل هناك إشكال فقهي شرعي في تحويل أي مسجد الى متحف يقصده اتباع الديانات ويعظمون فيه بإكبار تاريخ التوحيد متآخين متحابين يقف كلا منهم بجنب الآخر مبتسما بوجهه قابلا ومقراً بواقع التعايش معه؟

مئات الاسئلة الملحة التي تطرح نفسها لمعرفة أبعاد القرار التركي الاخير في تحويل مبنى آيا صوفيا من متحف الى مسجد بحجج قانونية تعتمد على الأوراق لكنها لا تصمد أمام سمو الروح وتعالي العقل والمنطق على حجج الملكية واجترار أمجاد التاريخ المرتكز على اسس السيوف والدماء.

لاشك ان تركيا العائدة الى حضن التدين والجذر الإسلامي دولة المآذن والمساجد والتاريخ العريق لم تكن بحاجة الى مسجد جديد ولا لصلاة جمعة اضافية بقدر ماكانت بحاجة الى متحف إنساني عظيم كآيا صوفيا، وحتما انه لايوجد اي إشكال فقهي او شرعي في تحويل دار عبادة بقيت على مدار تسعة قرون مسيحية وأعقبتها قرابة خمسة قرون إسلامية ثم ثمانية عقود كمَعلم حضاري يعكس عظمة الديانات السماوية وتأثيرها اللامتناهي على الإنسان المتعطش بحثا في فكرة الخلود الدنيوي او الأخروي والتي لا يشبعها الا الدين.

في باحات آيا صوفيا تتدافع الاكتاف القادمة من فجاج الأرض البعيدة وبمختلف القوميات والاجناس والصور والألوان لكي تدخله كل يوم حيث ترتسم على مُحيا كل واحد منهم علامات الشعور بالفرح الغامر والسعادة وهو يقف على أعتاب هذا الصرح الإنساني التوحيدي فيوثق كل واحد منهم لحظته التأريخية بصور يتركها كتذكار لأبناءه وأحفادة من بعده.

ان من يرتادون متحف آيا صوفيا من أبناء الديانات السماوية والسياح سنويا يفوقون بمرات عدد الحجيج لبيت الله الحرام كل عام، وان آيا صوفيا معروف في الغرب لدى الصغير والكبير أكثر من معرفتهم بمكة او الكعبة.

ولا يختلف حال آيا صوفيا عما يعرف اليوم بالمسجد الأموي في دمشق والذي كان كنيسة أيضا وتقاسمها المسلمون والمسيحيون مناصفة يدخلوها يوميا للعبادة من باب واحد فيذهب المسلم الى نصفه ويذهب المسيحي الى نصفه الآخر وبقي الأمر على هذا الحال لـ 70 عاما الى ان تم تحويله الى مسجد عام 86هـ.

لا أريد أن أحول النص الى استعراض لقيمة التعايش الديني أو أحداث تأريخية مشرقه جسدت التعايش بين الديانات في الشرق الإسلامي لكن مع انتكاسة المد القيمي لدى المسلمين أواخر القرن الثاني الهجري اختلّ كثير من موازين العدل والفضل، وشاع التظالم المجتمعي تحت وطأة الفتن السياسية والأزمات الاجتماعية وتمزق النسيج الداخلي ثم عمّق ذلك كلَّه ما استجدّ مع مطلع القرن الرابع الهجري من عوامل سياسية تمثلت في التهديدات الخارجية للعالم الإسلامي من هجمات الروم البيزنطيين وحملات الصليبيين الفرنجة وحروب المسيحيين بالأندلس، فخلقت هذه الاحداث تاريخا جديدا بعهدها مليء بحروب الديانات والتي كانت تنعكس دائما على الاقليات الدينية فيدفعون بسببها ضريبة مظالم لاحصر لها.

نعم، اشترى محمد الفاتح كنسية آيا صوفيا بالمال كما تثبت الوثائق المحفوظة الى اليوم وحوله الى مسجد واحتراما لمشاعر المسيحيين لم يأمر بازالة الصور والاثار المسيحية من على جدارنه بل طلب تغطيتها بالستائر، آنذاك لم يكن المسجد مجرد دار للصلاة وبالخصوص في مدينة كنسية كحال ( القسطنطينية) فتحت قبل أيام فقط، بل كان المسجد يمثل اشارة للحكم السياسي الجديد ومركزا روحيا لجذب المسلمين وتعبأتهم والأهم أنه لم يكن هناك وقت كافي لبناء مسجد والفاتح يبحث عن مركز فوري يعكس إرادة السلطنة الجديدة وعقيدتها الدينية والسياسية، فأين نحن اليوم من ذلك وتركيا تجاوز عمرها الاسلامي الخمسمائة عاما ونيف؟!

كان القسم الأوربي من تركيا ولازال هو الحد الفاصل بين الإسلام والمسيحية والحدود الفاصلة هي أما جبهات قتال وكراهية او نقاط تلاقي وتعايش، وكان الاحرى ان تبقى الكثير من الرموز في هذا الحد الفصل معبرة عن حالة الوفاق والاشتراك كحال آيا صوفيا، فأن يجمع الله قلوب 4 مليارات مسيحي، ومليار ونصف مسلم، في متحف واحد افضل عنده تبارك وتعالى من مسجد لايجمع قلوب مئات من المصلين.

لاشك ان اجراءات تحويل آيا صوفيا الى مسجد مرة اخرى ليس مرتبطا بمشاعر دينية خالصة ان لم تخالطها السياسة، ولدينا امثلة لا تعد ولا تحصى عبر التاريخ بان الطموحات السياسية لطالما عبثت بالدين وكانت النتائج ان لادين ولا سياسة معا.

لدي احساس ان هذا الحدث سيترك ندبه في قلوب الملايين وسيكون شرارة صغيرة في حقل يابس فالحروب عادة ماتبدأ من قناعات صغيرة وأحداث بسيطة لكي تتحول مع الزمن الى مظالم تستدعي القتال من أجلها وأعظم وأخطر القتال عندما يكون متسلحا بأسم الدين ورافعا المصاحب على رؤوس الرماح أو الأناجيل على فوهات المدافع.

لن تكسب تركيا التي استماتت في أن تكون جزءاَ من دول الاتحاد الاوربي شيئا من هذا الحدث سوى أن الملايين ممن كانوا يحبوها سيبغضونها لاحقا.

ولن يستفيد الإسلام من هذا الحدث شيئا إن لم يخسر جزءاَ من رصيده القليل المتبقي الذي لايسعفه أمام أحداث تظهره كديانه ثأريه لاتنفك عن استرجاع الماضي لتقذف به كعائق أمام الحاضر أو المستقبل.

ولن يستفيد الرئيس أوردغان شيئا سوى تصفيق بعض الانصار والمحبين أو سطر يكتب بتاريخ (10 /7 / 2020 ) في أحد الموسوعات التأريخية أن الرئيس التركي قد حول آيا صوفيا الى مسجد، لكن كم سيخسر الرئيس التركي من رصيده في أعين نصف الخليقة؟.

وأخيرا لايمكن لعين متابع حصيف أن تغمض عن كاريزما الرئيس التركي أردوغان ونوعية الإنجازات التي حققها لتركيا فهو علامة مميزة في التاريخ التركي الحديث وكم كان جميلا لو حافظ على مسافة أكثر بعدا عن الانغماس في مستنقعات الشرق أو بعيدا عن مآثر الماضي ومحاولات ربطه بالحاضر.