Shadow Shadow
قصصنا

’انفجار سكاني.. وتهميش’

’نموت ولا نرتدي الكمامة’.. لماذا ’تتمرد’ مدن عراقية على إجراءات محاربة الجائحة؟!

2020.07.11 - 12:33
’نموت ولا نرتدي الكمامة’.. لماذا ’تتمرد’ مدن عراقية على إجراءات محاربة الجائحة؟!

ذي قار – ناس

على الرغم من تسجيلها إصابات ووفيات مرتفعة للغاية على مدى الأسابيع الماضية، والى الآن، ما تزال الحياة تسير في الناصرية بشكل طبيعي، وحتى الأسواق التي شهدت التزاماً بالحظر خلال الفترة الماضية، لم يصمد الوضع فيها سوى أيام قليلة، على الرغم من إغلاق المحال التجارية والمقاهي والمطاعم.

وتشهد أغلب المناطق فيها كسراً لحظر التجوال، على الرغم من الإجراءات الحكومية بغلق الشوارع بالسواتر الترابية وقطع الطرق باتجاه الأماكن العامة، لكن ذلك لم يمنع المواطنين من الاستمرار بممارسة حياتهم الطبيعية، في حين تشهد بعض المدن إقامة للمناسبات الإجتماعية كالأعراس والولائم وبعض مجالس العزاء.

فجولة سريعة في الأسواق، تكفي للتأكد من أن نسبة كبيرة من المواطنين لا يلتزمون بالإجراءات الوقائية، والقليل منهم ممن يرتدي الكمامات والكفوف، رغم التوصيات والتحذيرات المستمرة من الجهات المعنية، وهي واحدة من أصعب المشاكل التي تواجهها خلية الازمة في محافظة ذي قار، والتي تشدد مراراً على ضرورة الالتزام بحظر التجوال الشامل.

ويعزو باحثون وأكاديميون في جامعة ذي قار، عدم التزام الموطنين إلى أسباب إجتماعية وظروف معيشية وسلوكيات لمدن بوصفها أماكن "متمردة على السلطة".

 

حواجز نفسية

ويعتقد الباحث في الشأن الإجتماعي، محمد العبودي، بأن "ثمة أسباب نفسية وهواجس كبيرة تشكلها المدن والأماكن الشعبية، هذه الحواجز تتعلق بطبيعة ثقتها بالنظام السياسي، وتعتقد بأن كل ما تتحدث به الحكومة هو محض كذب".

ويقول العبودي، في حديث لـ"ناس"، "ذلك شكل صدمة نفسية وحواجز كبيرة من الاجراءات الحكومية، حيث يرون أنها محاولة عزل لمناطقهم، لأن الفيروس على حد تعبير بعضهم غير موجود أساساً، وبالتالي فإن التصريحات الحكومية يعتبرونها مهولة، أضاف الى ذلك أن نسبة كبيرة منهم، تعتمد حياتهم على القوت اليومي وأي تعطيل يعتبر بمثابة قتل لهم".

وعلى الرغم من الإصابات التي تسجلها هذه المناطق، كما يقول العبودي، "لكن الناس هنا تفضل الموت أو الإصابة بفيروس كورونا على أن تموت بالجوع، وهو خيار منطقي لهم، فتلك المناطق المكتظة بالبشر لا تمتلك حلول إزاء استمرار حظر التجوال سوى كسره".

 

صعوبة تطبيق الإجراءات

وتعاني خلية الأزمة من ملف تطبيق حظر التجوال، وذلك بسبب صعوبة التزام المواطنين الذين يرون بأن فيروس كورونا مجرد كذبة، حيث يقول، الناطق السابق لخلية الأزمة ومدير قسم الصحة العامة، حيدر حنتوش لـ"ناس" (24 حزيران 22)، إنه "من الصعب تطبيق الحظر على المناطق الشعبية المكتظة بالسكان، لكن بشكل عام نجحت الخلية في إقناع الناس على الالتزام بالحظر لكن الأمر لم يدم طويلا".

من جانبه يؤكد عضو مجلس النواب ستار الجابري خلال حديث لـ"ناس" (26 حزيران 2020)، أن "الإصابات بكورونا سجلت ارتفاعاً مخيفاً منذ عدة أسابيع، وكذلك تسجيل عدد وفيات مخيف أيضاً، ويأتي ذلك بسبب عدم إلتزام المواطن بالحظر والإجراءات الوقائية، وإطلاق شائعات على أن الفيروس كذبة سياسية". 

ويتابع، أن "الوضع الصحي ينذر بخطر كارثي في ذي قار، في حال استمر الوضع مثلما هو عليه بعدم التزام الناس بالإجراءات الوقائية وتجنب الأخطاء السابقة". 

 

تركيبة إجتماعية

ويقول الآكاديمي حازم هاشم، لـ"ناس" (11 تموز 2020)، إنه "لا يمكن الجزم قطعياً بأن المناطق الشعبية هي فقط من لم تلتزم بالحظر، لكن في تلك المناطق ثمة أسباب تساعد على انتشار الوباء وكسر الحظر، منها مايتعلق بالجانب الاجتماعي ومساحة البيوت وطبيعة الكثافة السكانية والاعتياد على نمط من العلاقات الحميمية".

هذه العلاقات كما يوضح هاشم، "تتمثل بعلاقة الأسرة الواحدة والتي جعلت المنطقة الشعبية مثل بيت أو مساحة واحدة فتجدهم يتنقلون من بيت إلى بيت ومن حي إلى حي، وأيضاً داخل البيت الواحد هناك أكثر من عائلة وهذه العائلة لها شبكة واسعة من العلاقات والأقارب تخلق  جواً من عدم الالتزام".

ويضيف، "كلما إزداد الفقر، تراجعت فرص التعليم والكثير من هولاء، بسبب العوز المادي، يأخذون أولادهم للعمل وكل ذلك يؤدي بهم إلى ترك الدراسة والتعليم في وقت مبكر جداً، حتى أن بعضهم لا يجيد القراءة والكتابة، وهذا كله يؤدي الى عدم إدراك مسؤولية وخطورة ما يقومون به من أفعال من خروج وعدم التزام".

متلازمة الوعي والتعليم، كما يتحدث هاشم، "هي أساسية وجوهرية وليست أمراً اعتباطيا، فهذه المناطق للأسف، بسبب العوز وكثرة الأعداد ليست مصغية تماماً لهذه الإرشادات وهي تعاملت أيضا مع موجات من القتل والتفخيخ والتفجير وبنفس الطريقة، الإهمال وعدم المسؤولية ونقص الوعي".

 

هجرات إلى المدن

ويبين هاشم أن المناطق الشعبية، هي "أماكن لمهاجرين من قرى وأرياف ومهاجرون من محافظات، كما هو الحال في مدينة الصدر، حيث توجد قطاعات كاملة تقطنها عشائر بعينها أو هناك فروع لأبناء عم من جد واحد وهو ما نجده في الأحياء ببعض المحافظات، هؤلاء نقلوا أخلاقيات القرية والتزاوج والمواساة والأعراس وغيروا مناطقهم الشعبية المكتظة إلى قرى".

ويتابع، "القرى تختلف فهي تمتاز بمساحات واسعة ومفتوحة، وهذا لم يتحقق في المناطق الشعبية، فضيق المناطق الجديدة ووجود القرابة يجبر الناس على أن يكونوا أكثر تواصلاً، لأن إيمانهم بأن الوفاة أو الأعراس، هي واجب إجتماعي ودين يجب أن يقوموا به".

والمجتمع بطبيعته هو مجتمع ناقد وساخر، كما يرى هاشم، "لا يحب كل ما هو جديد ويقف بالضد منه، فأن تضع كمامة وكفوف وتذهب إلى محل يبعد عن بيتك أمتار قد يعرضك للسخرية، خاصة في الأيام الأولى، والمناطق الشعبية تزداد فيها نسبة التنمر والانتقاص من الآخرين بسبب مساحة الجهل وقلة الوعي والتفاوت في العقليات وكل ذلك يؤدي أحياناً إلى الخشية من النقد الإجتماعي".

 

تمرد على الانظمة السياسية

المناطق الشعبية، كما يقول، هاشم، تبدو "دائماً علة على نفسها وعلى الأنظمة السياسية وهي مناطق ثائرة، متمردة، لا تؤمن بالدولة ولا بقوانينها وهناك حالة فقدان الثقة بين السلطات وما تقول وبين الناس، فكل ما تقوله السلطة يؤول تأويلاً منافياً للحقيقة، وهذا يعود إلى حالة عداء مستمرة بين مفهوم الدولة والمواطن، ولم تستطع الدولة بعد 2003 أن تنمي روح المواطنة والإحساس بالجماعة العراقية".

 

انفجار سكاني وتهميش

من جانبه يقول أستاذ الاجتماع والأكاديمي بجامعة ذي قار، عدي الشبيب، لـ"ناس" (11 تموز 2020)، إن "أعداد السكان شهدت ارتفاعاً بشكل كبير ومضاعف، رافقه بذلك عدم وجود تنمية أو تخطيط حضري، وكل ما موجود يتعلق بالصراعات والحروب والتعايش الطائفي".

ويضيف، "في المناطق الحضرية التي تكون بعيدة عن العشوائيات، يسكن على سبيل المثال الاطباء والمهندسون والذين لديهم ترتيب اجتماعي وحضور في المدينة، والأشخاص الذين يأتون من الريف ويسكنون داخل المدينة ساهموا في التأثير على السلوكيات فيها بشكل كبير، بما يتعلق بالسكن وطبيعة العمل ومتطلبات عملية الإنفاق والاستهلاك".

ويضيف الشبيب، أن "ذلك ساهم في تهميش سياسي واجتماعي واقتصادي وحتى معرفي، بما يشمله من عدم وجود مدارس، حيث يبقى الجهل يتوارث، ونتيجة للفراغ والبطالة لا يكون أمام الشخص سوى السرقة أو سلوك طرق أخرى غير منتجة عكس ماموجود بالجماعات الحضرية المنظمة".

وسجلت ذي قار، منذ بدء تفشي الوباء وحتى يوم أمس 10 تموز 4890 إصابة، فيما سجلت ما يقارب 336 حالة وفاة، كما سجلت أيضاً ما يقارب 3784 حالة شفاء.