Shadow Shadow
كـل الأخبار

نشرتها واشنطن أعقاب الحرب العالمية الثانية

ماذا وراء سحب ترامب للقوات الأميركية من ألمانيا.. قاعدة جديدة في دولة أخرى

2020.07.05 - 12:46
ماذا وراء سحب ترامب للقوات الأميركية من ألمانيا.. قاعدة جديدة في دولة أخرى

بغداد – ناس

بعد تسريبات نشرتها وسائل اعلام أميركية في 5 يونيو 2020 استناداً إلى تصريحات لمسؤول في الحكومة الأمريكية قال فيها إن الرئيس دونالد ترامب أَمَرَ وزارة الدفاع بخفض عدد الجنود الأمريكيين الموجودين على أراضي ألمانيا بواقع 9500 جندي من إجمالي عدد 34500 جندي يتمركزون هناك، ذَكَر الرئيس الأمريكي في منتصف يونيو الجاري أن بلاده ستخفض عدد جنودها المتمركزين في ألمانيا إلى 25 ألف جندي، مُعتَبِراً أن الوجود العسكري الأمريكي هناك تترتب عليه تكلفة هائلة تتحملها واشنطن من دون مقابل.

ولم تكن هذه المرة الأولي التي يُعلِن فيها ترامب خططه لسحب جزء من الجنود الأمريكيين من ألمانيا، حيث أفصح خلال زيارة الرئيس البولندي أندريه دودا لواشنطن في العام الماضي (2019) عن نيَّته نقل قوات أمريكية من ألمانيا إلى بولندا، لاسيما أن هناك اتفاقاً مع الأخيرة لتطوير قاعدة عسكرية بها، وقد تعهدت بولندا بتخصيص نحو ملياري دولار كمساهمة لتمويل إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها. وخلال لقاء الرئيس الأمريكي بالرئيس دودا خلال زيارته لواشنطن في 24 يونيو الجاري، أكد ترامب أن القوات الأمريكية ستنتقل من ألمانيا إلى بولندا، التي ستكون واحدة من أماكن أخري في أوروبا ستذهب إليها تلك القوات. وذكر مستشار ترامب للأمن القومي روبرت أوبراين في مقال له بصحيفة "وول ستريت جورنال"، في 22 يونيو الجاري، أن تفاصيل هذه العملية لا تزال قيد البحث، وأنه لم يتم بعد إصدار أي إعلان عام رسمي بشأن تخفيض القوات، إذ لا يزال وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة يعملان لتزويد الرئيس بخيارات لتنفيذ خطة الانسحاب الأمريكي.

 

طبيعة الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا

في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي إطار التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة، نشرت الأولى جزءاً من قواتها في ألمانيا باعتبارها دولة محورية جيوسياسياً. وقد شكلت تلك القوات عماد قوة الدفاع الأساسية لواشنطن وحلف شمال الأطلنطي (حلف الناتو) لمواجهة النفوذ السوفيتي في تلك الفترة. ورغم انهيار الاتحاد السوفيتي، فإن الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا ظل مهماً في التقدير الاستراتيجي الأمريكي، بل وأخذ يتعاظم في ظل سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى استعادة مجد الاتحاد السوفيتي، وتزايد القوة العسكرية والنفوذ السياسي لموسكو عالميّاً، وعدم قبوله وضع روسيا القَلِق في النظام الدولي القائم.

يتمركز في ألمانيا راهناً نحو 34500 جندي أمريكي، ويبلغ العدد الإجمالي نحو 50 ألف أمريكي مع احتساب عدد الموظفين المدنيين الإداريين في القواعد العسكرية الأمريكية على أراضي ألمانيا، التي استخدمتها الولايات المتحدة في نقل الجنود والمعدات خلال التدخلات العسكرية الأمريكية الخارجية، ومن بينها قاعدة رامشتاين الجوية التي تعد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج أراضي الولايات المتحدة، ومنها تنطلق العمليات العسكرية الأمريكية في الشرقين الأدنى والأوسط، ومنها يتم التحكم في الطائرات بدون طيار (الدرونز) التي تستخدمها واشنطن لاستهداف التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وتضم مدينة شتوتغارت الألمانية مقر قوات "أفريكوم" التي تدير العمليات العسكرية الأمريكية في أفريقيا، والقيادة الأمريكية الأوروبية المكلفة بقيادة القواعد والوحدات العسكرية في الدول الأوروبية. فضلاً عن المركز الطبي في لاندشتول الذي نُقِل إليه مئات الجنود الأمريكيين الذين أصيبوا خلال العمليات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان. وفي غرافينفور يوجد أكبر موقع تدريب لحلف شمال الأطلنطي. كما يتمركز في راينداليم سرب طائرات إف-16.

وتُساهِم القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا في فَرْض نفوذ الولايات المتحدة وقوتها العسكرية عالميّاً، إلى جانب تقديمها الحماية للحلفاء الأوروبيين في ظل الالتزام الأمريكي أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية بحماية الأمن والاستقرار الأوروبيين.

 

أسباب القرار الأمريكي

أرجع الرئيس دونالد ترامب قراره بانسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا إلى ثلاث أسباب رئيسة، يتمثل أولها في تقصير برلين في الوفاء بالتزاماتها المالية المستحقة تجاه حلف الناتو، والتي تقدر بـ2% من إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي. فرغم أن ألمانيا تعد رابع أكبر اقتصاد في العالم، فإنها لا تنفق سوى 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي على دفاعها، وفي المقابل تنفق الولايات المتحدة 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

وينصرف ثاني الأسباب إلى عدم رضاء الرئيس الأمريكي عن العلاقات التجارية بين البلدين، إذ ذكر ترامب أن ألمانيا تُعامِل الولايات المتحدة "معاملة سيئة للغاية في التجارة"، فضلاً عن عدم رضاه - أيضاً - عن الاتفاق الذي تُريد برلين إبرامه مع واشنطن في المجال التجاري.

أما ثالث تلك الأسباب فيرتبط بتمسُّك ألمانيا بمشروع خط أنابيب نورد ستريم 2 مع روسيا، رغم معارضة العديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة له. وينبني الرفض الأمريكي لهذا المشروع على أن برلين تدفع مليارات الدولارات لموسكو مقابل الطاقة، وفي المقابل تلتزم واشنطن بحمايتها من روسيا. وفي هذا الإطار، يُريد ترامب أن تشتري برلين الغاز الطبيعي من واشنطن بدلاً من موسكو، وهو خيار تجده ألمانيا مُكلفاً بسبب البعد الجغرافي ونوعية الغاز الأمريكي.

وإلى جانب تلك الأسباب، أرجع مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت أوبراين، في مقالة نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، قرار ترامب إلى تركيز استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2017 على منافسة القوى العظمي بين الولايات المتحدة من جانب وروسيا والصين من جانب آخر، ولكونهما قوتين تعديليتين في النظام الدولي، وتسعيان إلى إحداث تغييرات في ذلك النظام الذي أسسته الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لخدمة مصالحها بالأساس، ليكون أكثر تعبيراً عن قيمهما السلطوية ومصالحهما الإقليمية والعالمية. ولهذا، فإن واشنطن في حاجة إلى سحب جزء من قواتها من برلين لإعادة انتشارها في إطار الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة بكين وموسكو.  

فضلاً عن ذلك، يمكن أيضاً إرجاع قرار الرئيس ترامب هذا إلى الخلافات المتكررة بينه والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حول العديد من الأزمات الأوروبية والدولية، وغياب الكيمياء بينهما خلال اللقاءات التي جمعتهما. وكذلك لرفض ميركل حضور قمة السبع التي دعا لها الرئيس الأمريكي لبحث سُبُل مواجهة جائحة كوفيد-19. ناهيك عن تأثير ريتشارد جرينيل، السفير الأمريكي السابق في برلين الموالي لترامب، رغم تصريحاته التي قَلَّل فيها من دوره في اتخاذ هذا القرار، إذ أكد أن الإعداد لخفْض القوات الأمريكية في ألمانيا أمر مطروح منذ العام الماضي (2019).

 

تداعيات تخفيض القوات الأمريكية في ألمانيا

أثارت مساعي الإدارة الأمريكية لتخفيض عدد القوات الأمريكية في ألمانيا اعتراض نحو 20 عضواً جمهوريّاً في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، وكذلك معارضة 6 أعضاء في لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس. وقد انطلقت المعارضة الجمهورية لهذا القرار من أنه يصُبُّ في مصلحة روسيا، إذ سيشجعها على المزيد من السلوكيات العدوانية التي تستهدف الأمن الأوروبي، لاسيما بعد تأكُّد موسكو من تخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي.

وثمة من يرى أنه في الوقت الذي تركز فيه الاستراتيجية الأمريكية على مواجهة خصومها الاستراتيجيين (روسيا والصين)، فإن الولايات المتحدة تُخاطِر بعدم استشارتها حلفاءها الغربيين حول قرار التخفيض المحتمل بتفكيك التحالف الغربي الداعم لسياساتها وتحركاتها على الصعيد الدولي، ما يسمح للخصوم باستغلال هذا التوجه وما ينجم عنه من تأثيرات وتصدُّعات لتعزيز شراكاتهم مع الدول الأوروبية التي ستسعى للبحث عن بديل بعد تزايد الشكوك في العواصم الأوروبية حول مصداقية المظلة الأمنية الأمريكية لأوروبا، ما سيدفعها إلى الاعتماد عسكريًّا على نفسها، وإعادة صياغة السياسة الأمنية الأوروبية بشكل كبير.

وعلى الرغم من أن الهدف الأمريكي المُعلَن لتخفيض القوات دَفْع ألمانيا إلى زيادة إنفاقها العسكري، فإن هناك تخوفات بين كثيرين حول مدى نجاعة القرار في إقناع برلين بإنفاق المزيد على الدفاع، لاسيما مع ارتفاع شعبية ميركل في الداخل في أعقاب استجابة حكومتها الفاعلة لوباء كورونا وطنياً وعالميّاً. فضلاً عن أن سَحْب جزء من القوات الأمريكية من البلاد قد يقوُّي من نفوذ التيار الألماني المُعارِض للاندماج مع حلف الناتو، وهو ما سيُعرِّض - في التحليل الأخير - المصالح الاستراتيجية الأمريكية للخطر.

وأخيراً، يرى معارضو قرار إدارة ترامب أن تخفيض الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا إلى جانب أنه يُفْقِد الولايات المتحدة القدرة على التعامل مع كثير من الأزمات الدولية، وينعكس سلباً على ميزان القوى في أوروبا، ويؤثر في نظرة العالم للقوة العسكرية الأمريكية ودورها في العالم باعتبار أن خطوة كهذه تؤكد الانحدار النسبي في بعض مؤشرات قوتها، فإنه سيحد من قدرتها على حشد المجتمع الدولي لدعم تحركاتها الخارجية.

 

موقف ألمانيا وخياراتها

أثار قرار الرئيس الأمريكي انتقادات العديد من المسؤولين الألمان، وفي مقدمتهم المستشارة ميركل، التي ذكرت أن الوجود الأمريكي العسكري في ألمانيا لا يحمي برلين والدول الأوروبية فحسب، ولكن المصالح الأمريكية ذاتها. وقد أشار بعض السياسيين الألمان إلى أن القرار الأمريكي لم يكن مفاجئاً، لكن ما أزعجهم أنه تم دون مناقشة أو سابق تشاور مع الحكومة الألمانية، أو إشراك شركاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلنطي (حلف الناتو) في اتخاذ قرار مهم كهذا، مؤكدين أن القرار الأمريكي سيضر بالعلاقات بين واشنطن وبرلين، وسيُزعزع العلاقات الأطلسية. وقد طالب بعضهم بأن تسحب الولايات المتحدة أيضاً أسلحتها النووية من الأراضي الألمانية.

وفي ظل تقليل الولايات المتحدة من التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها الأوروبيين وحلف الناتو، فإن ألمانيا تجد نفسها أمام خيارين؛ أولهما، انتظار فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة المقرر انطلاقها في 3 نوفمبر من هذا العام، ومن ثمّ إعلان تراجعه عن قرار الرئيس ترامب، وإعادة العلاقات الأمريكية-الأوروبية إلى سابق عهدها، إذ ما فتئ نائب الرئيس السابق يؤكد أنه سيعمل في حال فوزه على تعزيز التحالفات الأمريكية.

ويتمثل ثاني الخيارات في تولي برلين قيادة دول الاتحاد الأوروبي وحثِّها على تحمُّل المزيد من المسؤولية عن دفاعها وتوثيق عُرى التكامل الأوروبي في الشؤون الأمنية والدفاعية، وتعزيز التعاون بين دول الاتحاد في مجال البحث والتطوير في مجالي التكنولوجيا والمعدات العسكرية، إلى جانب استمرار التحالف الأوروبي مع الولايات المتحدة وحلف الناتو.

ويأتي قرار الرئيس ترامب تخفيض عدد القوات الأمريكية في ألمانيا ضمن نهجه لتقليل الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة تجاه حلفائها التقليديين حول العالم، وضرورة تحمُّلهم تكلفة الحماية الأمريكية. وكثيراً ما هددت الإدارة الأمريكية بسحب قواتها من دولٍ مثل كوريا الجنوبية واليابان، بحجة التكلفة المرتفعة التي تتحملها واشنطن لحمايتها.

ومع هذا، فمن غير المرجح أن يمضي الرئيس ترامب قُدُماً في تنفيذ قراره بتخفيض الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا لعدة أسباب، يتمثل أولها في معارضة كثير من المسؤولين العسكريين الأمريكيين لهذا القرار، لأنه يتجاهل أن القوات الأمريكية ليست موجودة في ألمانيا للدفاع عن برلين بالأساس، ولكنها جزءٌ من المساهمة الأمريكية في استقرار أوروبا وحمايتها من التهديدات الخارجية. ويتعلق ثانيها بأن الوجود العسكري الأمريكي والقواعد العسكرية في ألمانيا ليست ثانوية، بل هي أساسية في خارطة التحركات الأمريكية الخارجية، وتساهم إلى حد كبير في تعزيز القوة الأمريكية عالميّاً.

وينصرف ثالثها إلى أن ترامب منذ أدائه اليمين الدستورية في 20 يناير 2017 قد تعهَّد أكثر من مرة بسحب قوات بلاده من سوريا وأفغانستان، ولكنه ما يلبث أن يتراجع عن ذلك نظراً لتأثيرات تنفيذه على الأمن والمصلحة القومية الأمريكية.

ويتعلق رابعها، أخيراً، بعدم جاهزية الدول البديلة لألمانيا لإعادة انتشار القوات التي يتم سحبها من برلين فيها، حيث إنها تفتقد إلى البنية التحتية اللازمة التي تجعل القوات الأمريكية قادرة على ممارسة مهامها بكفاءة، ناهيك عن التكاليف الجديدة والمرتفعة لبناء مرافق لها في تلك الدول في وقت تواجه الولايات المتحدة أزمة اقتصادية وخسائر مالية كبيرة بفعل انتشار جائحة كوفيد-19 أمريكيّاً وعالميّاً

مركز الإمارات للسياسات