Shadow Shadow

ليس للاقتصاد فقط.. كرة القدم كانت عائدة لا محالة

2020.06.03 - 12:19

محمد عواد

محمد عواد

 "والله سوف أبث (لايف) أشكرك لو عادت كرة القدم"، هذا مختصر تعليق قرأته مرة في صفحتي على فيسبوك، كان مشككاً لا مادحاً، نتيجة إصراري في تعليقات سابقة على أن اللعبة عائدة لا محالة.

وفي هذا الموسم بالتحديد دون انتظار للموسم التالي تلقى الناس رسائل سلبية عديدة تقول لهم "لن تعود لعبتكم المفضلة"، إلغاء الدوري البلجيكي الذي وصفه الاتحاد الأوروبي بالاستسلام السريع، ثم الهولندي وبعدها الفرنسي، وبث مسؤولون إيطاليون رسائل رعب بخصوص العودة، لكن كل شيء عاد لوضعه الطبيعي، وعادت المستديرة لتدور.

فرنسا ألغت لأنها ضمنت كلمة شركات البث لديها بدفع الحقوق، لتبقى مسألة خسارة دخل يوم المباريات، وهو بالإجمالي 25 مليون يورو فقط حسب ما أعلنت رابطة الأندية هناك، أي تستطيع الحكومة التكفل به، فمن ناحية اقتصادية هي مسيطرة، وهو نفس المبدأ الذي انطلقت منه هولندا وبلجيكا. تلك نظرة صحيحة لو تعاملنا مع كرة القدم بأنها صناعة بلا مشاعر، وهي ليست كذلك... نعم، كرة القدم صناعة وتجارة، لكن لها قلب على العكس من أنواع الصناعات الأخرى،لأن فيها جينات الهواية والشغف، ومهما تم محاولة تغييرها سيبقى هذا الامتداد خالداً فيها. في انجلترا واسبانيا والمانيا وايطاليا، لم تكن عودة كرة القدم اقتصادية فقط، فصحيح أن أرقامهم والتكاليف لديهم أضعاف الأرقام في الدوريات الأخرى، وبالتالي لعبت الأرقام المالية دوراً في هذا القرار، لكن النظرة كانت أوسع للموضوع، من باب ما ذكرته أعلاه "جينات كرة القدم".

خلال فترة التوقف ما بين مارس ومايو، كنت اقرأ بشكل شبه يومي في الصحف الأوروبية لخبير نفسي هنا وأخصائي اجتماعي هناك يطالبون بعودة كرة القدم بأي وسيلة كانت، وكانوا يقولون "الناس بحاجة لهذه اللعبة التي اعتادوها، بحاجة لتفريغ مشاعرهم عبرها، حتى لا يتحول إحباطهم الحالي إلى عنف".

ومن الاستحالة تجاهل الجانب السياسي من حيث مفهوم القوة الناعمة للدول، الألمان تفاخروا بعودتهم وردد منهم "صنع في المانيا.. أو إن لم تفعلها المانيا، فمن يستطيع؟"، في حين أرادت روسيا جعل هذه العودة أقوى قليلاً بوضع 10% من الجمهور، وكانت بريطانيا مضطرة لعودة البريميرليغ، لأنه لن يكون موقفها أمام العالم جيداً وهي عاجزة عن العودة، علماً أنه وحسب صحف إنجلترا ذاتها، فإن الدوري الممتاز يعد ثاني أهم قوة ناعمة تملكها البلاد.. فكيف يضحون بها؟.

وللقضية جوانب إنسانية أيضاً، تحدث أكثر من لاعب في إيطاليا عن ضرورة عودة كرة القدم ليعطوا الناس رسالة أمل، بعد أجواء الحزن التي سادت في البداية، فعودة اللعبة هناك لم تكن مجرد أندية قد تفلس، بل رسالة للناس.. بأن الحياة ما زالت قادرة على منحكم ابتسامة.

صور العودة لحياة والتعايش مع كورونا ستكون ناقصة بالنسبة لكثير من الناس، إن لم تكتمل بهدف جميل كالذي سجله كيميتش في دورتموند، فكرة القدم بالنسبة لملايين ليست مجرد لعبة، بل روتين حياة صارم، وهؤلاء لا يمكن إقناعهم بإمكانية التعايش مع "كورونا"، وهم لا يشاهدون كرة القدم تتعايش أيضاً! رسالة بأن هناك ضوء في آخر النفق من جهة، وبرقية إقناع بقدرتنا على التعايش مع الوباء من جهة أخرى، وأداة تنفيس اجتماعي، ونظام حياة اعتاده البعض، وفوقها العنصر الاقتصادي والسياسي .. كلها أمور جعلت عودة كرة القدم إلزامية بغض النظر عن تعقيدات هذه العودة وثمنها.

السؤال الذي لا أمتلك الإجابة عليه، هل ستنجح العودة؟.. لأن هذا يعتمد على نجاح كل فكرة "التعايش" في شتى مجالات الحياة مع الضيف ثقيل الظل الذي جاء دون سابق إنذار.