Shadow Shadow

مزيج خطر… سلطة متقاعسة و ثقافة اجتماعية متخلفة

2020.06.03 - 08:59

آلان م. نوري

آراء - آلان م نوري

مع تخفيف إجراءات التبعيد الإجتماعي في العراق و إقليم كردستان، ارتفعت بشكل مخيف أعداد الذين تأكدت إصابتهم بجائحة الكورونا.

 

الأرقام الرسمية العراقية التي صدرت اليوم أعلنت اكتشاف 519 حالة جديدة في البلد. وهذا يزيد بأكثر من 17 مرة عن الإصابات المكتشفة الجديدة يوم 15 نيسان، الذي يمكن اعتباره باليوم الذي أنهت فيه، بشكل عملي، السلطات العراقية إجراءات حظر التجوال و اتاحت للناس تناقل العدوى بحرية. انظر المخطط البياني التالي للأصابات اليومية المكتشفة والمعلنة رسميا في العراق:

me_ga.php?id=1592

 

من الصفات الأساسية للإنتشار الوبائي أن نتائج أي قرار تتخذه السلطات الإدارية و الصحية، أو أي تغيير في السلوك اليومي للسكان، لا تظهر مباشرة من خلال أعداد المصابين الجدد المكتشفين، بل يتأخر ظهور هذه الآثار اسبوعا على الأقل. 

المخطط يوضح أن في الفترة من 15 نيسان إلى 22 نيسان (أي خلال أسبوع من رفع الحظر) لم يحدث تغيير ملحوظ في الأعداد اليومية المكتشفة. هذا الأمر دفع بسياسيينا الجهلة و دفعوا هم الناس إلى الإعتقاد بالتفسير التالي: أعداد المصابين قبل رفع الحظر = أعداد المصابين بعد رفع الحظر. إذا إجراءات التبعيد الإجتماعي غير ضرورية في بلدنا، ولا حاجة لنا بتقييد سبل عيش و حريات المواطنين!

بدأت الوحدات الإدارية في البلد تتنافس فيما بينها للإحتفال بـ "الإنتصار على الكورونا" وأطلقت العنان لأعراف إحتفاليات اطلاق الرصاص في الهواء و تسببت بدورها في حالات وفاة "إحتفالية" لمواطنين مساكين!

تزامنا مع ذلك امتلأت مواقع التواصل الإجتماعي بتصريحات المحللين شديدي الغباء المعلنين أن الكورونا لا تؤثر فيمن امتلأت قلوبهم بحب آل البيت، و أن الكورونا ما هي إلا كذبة أنتجتها أجهزة مخابرات عالمية لتحريفنا عن مسار المقاومة المباركة. اما من لم يقتنع بالمتطلبات اللوجستية لتمرير كذبة كهذه، فقدمت له مؤامرة على قد الحال مفادها أن الكورونا كذبة اطلقتها حكومة إقليم كردستان لتتجنب توزيع الرواتب على موظفي الدولة.

فماذا يفعل المواطن البسيط الذي يحشو مخه السياسي الجاهل و المحلل السياسي الأجهل بهكذا تراهات؟ لقد توصل خلال شهر من إحتفالات الإنتصار الإيماني على الكورونا إلى اعتقاد راسخ بأن "الكورونا ما كانت إلا كذبة"!

بعد أسبوعين فقط من "الإنتصار على الكورونا" لحقت أعداد  الحالات تحت العلاج بأعلى رقم خلال الأشهر الماضية، و منذ ذلك الحين استمرت في التصاعد حتى وصلت البارحة إلى حوالي خمسة أضعاف اعلى رقم وصلته من قبل. 

إزاء تزايد أعداد الضحايا و المصابين  هذا، ما كان بوسع السلطات الصحية في العراق وإقليم كردستان، إلا أن أعادت فرض حظر التجوال ابتداء من البارحة،  الأول من حزيران، في الأقليم و بعض المدن الكبرى في العراق و على رأسها بغداد العاصمة، حيث الإنتشار الوبائي هو الأخطر في العراق.

و بما انه لم يمر سوى اسابيع على احتفالات "الإنتصار على الكورونا"، فقد بات اصعب بمرات عديدة اقناع الناس بالإمتثال لإجراءات الحظر. وقد اندلعت مظاهرات عفوية في الكثير من مدن و قصبات محافظة السليمانية منذ الليلة الماضية.

وقبل أن نقع في خطأ اتهام المتظاهرين بالجهل، يجب أن يكون معلوما للجميع أن مخاطر الجائحة لم تكن يوما أكثر وضوحا لدى كل المواطنين كما هي الآن. أي أن المظاهرات لا يدفعها الجهل بمخاطر الجائحة.

كما أن المواطنين ما خرجوا للمطالبة بالحرية الفردية و "الحق" في نشر الوباء بدون رادع لكل المواطنين. المتظاهرون لم يخرجوا ضد إجراءات التبعيد و الوقاية، بل خرجوا لأن أوامر حظر التجوال و تضييق فرص كسب العيش و الحريات العامة لم تصاحبها أي إجراءات موازية تضمن الحد الأدنى من سبل العيش لمن يُطلب منهم التوقف عن كسب عيشهم حماية للمجتمع.

فحين تضيّق السلطات، بإسم متطلبات الصحة العامة، الحريات، وعلى رأسها حق كسب العيش، فيصبح من حق المواطن أن يطالب بضمان الحد الأدنى من متطلبات معيشته من قبل السلطات الإدارية. وهذا بالضبط هو ما خرجت تطالب به جموع المتظاهرين. وليس بينهم من يطالب بـ "الحق" في نشر عدوى قاتلة.

يوجد بين المتظاهرين من استسلم للذهنية القدرية في مواجهة الجائحة. و من السهل اتهامهم بالجهل بسبب ذلك. و لكن ليس الناس من حوّل القدرية إلى سياسة رسمية في مواجهة الجائحة. فالمتحكمون في مصائرنا هم الذين لا يريدون أن يغيروا أي شي في سلوكهم في ادارة البلد بشكل يحرج الخرافة الأيديولوجية المسماة بـ "السوق الحرة". انهم هم من يقولون للناس، في خضم اسوأ ازمة اقتصادية و سياسية في البلد أن لا نية لهم في التدخل في نظام "السوق". بل لو استطاعوا سيحرمون المواطنين المستحقين حتى من رواتبهم و استحقاقاتهم القانونية.

القدرية باتت سائدة لانهم هم من افرغوا الدولة العراقية من كل امكانات التدخل في وقت الأزمات فحطموا بذلك آمال الناس بغد أفضل في بلد يُنهب يوميا. قدرية المواطن لم توجد من عدم بل هي نتاج يأس مخيف من تحسين الحال بما هو متاح.

فيا سياسيينا و محللينا العباقرة، قبل أن تحكموا على المواطن الغاضب المتظاهر بالتقصير و اللامبالاة، ارونا سجل اعمالكم و قارنوها بالإجراءات التي اتخذتها الدول التي نجحت، حيث فشلتم، في احتواء الجائحة، ثم قولوا لنا ماذا انتم فاعلون؟