Shadow Shadow

السود.. بين حضارتين !

2020.06.02 - 19:43

في الوقت الذي كانت تنظر فيه اوروبا القرون الوسطى وفلاسفتها,الى الأعراق السوداء, على أنهم مخلوقات لا تبلغ مستوى الادمية, اقرب للحيوانية ,وجدت لعبودية وسخرة الانسان الأبيض, وان ذلك مرتبطة باللعنة والخطيئة الاصلية التي ارتكبها حام بن نوح (وفق سفر التكوين 9 :27 ) لما رأى والده مخوراً عارياً !, ليفق فيما بعد ويدعو عليه وذريته بالعبودية لأخويه سام ويافث وذريتهما – الذين يعتبر الاوروبيون منهم.

فالزنوج عرق ملعونون محكوم عليهم بالدونية والعبودية الأبدية التي باركتها الكنيسة وفلاسفة لاهوتها ورأوا فيها امتثالا لما ورد في الكتاب المقدس، عن معاناة الرجل الأسود و لعنته . ! واستمر الحال الى عصور الانواع وما بعدها , ولم يكن فلاسفتها , العقلانيون والانسانويون ونقاد العقل الكنسي  ,أحسن حالاً من أسلافهم ! , فقد كان مونتسكيو (ت 1755)  في روح الشرائع وفولتير (ت 1778 )  ينظران الى السود على أنهم حيوانات , يظلون ينتحبون حيوانات على شاكلتهم وأنهم لا يستحقون شفقة أو رحمة!.

اما كانط (ت 1804 ) فوضعهم في أسفل السلم البشري , واعتبرهم مرابون نصابون غشاشون ولا يمكن ان يبدعوا في شيء ولا ينبغوا في أي علم أو فن ,وكذلك اعتبرهم هيغل (ت 1831  )في كتابه العالم الشرقي ,اذ عد الأعراق السوداء متدنية بطبيعتها وعاجزة عن أي تطور ! , ولم يقتصر الأمر على خطاب الفلاسفة فحسب , بل ذهب كثير من علماء الأحياء الى تبني تلك الطروحات العنصرية ومحاولة تبريرها علمياً , فهذا كارول لينايوس (ت 1778 ) ابو التصنيف العلمي على سبيل المثال  يسجل اللاختلافات بين الاوربيين  وسكان افريقيا, فأخذ يصنف العرق الأبيض بأنه عرق خلاق , ومبدع ومنظم وممثل للقوانين .. أما ألزنوج فنعتهم بكل الصفات السلبية .. فهم كسالى ومنحرفون وعاجوزن حتى عن حكم أنفسهم ! .. وهكذا غيره من الفلاسفة وعلماء الأحياء وهي المواريث التي ورثوها للوعي الغربي اليوم وتتغذى منها العنصريات القومية وسلوكياتها في سائر اوروبا!.

وفي الجانب الآخر من العالم الشرقي ومن قبل ذلك بقرون طويلة , كان الأمر على نحو آخر, وللحديث منحى مغاير !, ولئن كان فلاسفة اللاهوت الكنسي في اوروبا ينظرون لسواد البشرة على انه مرتبط بالعبودية , فان اخوان الصفا في رسائلهم كانوا يسخفون هذا الطرح ويرون في السواد مجرد انعكاس للبيئة ولا علاقة له بخطيئة او لعنة ! . وفي الوقت الذي كانت تعتبر فيها اوروبا السود , مخلوقات ادنى , كان الحوار الدائر في الحضارة الاسلامية يومها بين كتابها ومفكريها حول "التفاضل بين السود والبيض"  لا مجرد "المساواة " في الانسانية !. ومال الكثير منهم الى أفضلية السود وذكروا لهم مزايا وسجايا تفوقوا بها على البيض ! , فقد كتب الجاحظ (ت225 هــ) " (فخر السُّودان على البيضان )" ومما قال فيه : الناس مجمعون على أنه ليس في الأرض أمّةٌ فيها االسخاء أعمُّ، وعليها أغلب من الزِّنج. وهاتان الخلَّتان لم توجدا قطُّ إلا في كريم!.

وليس في الأرض أمةٌ في شدة الأبدان وقوة الأسر –الخلقة -  أعمُّ منهم فيهما. وإن الرجل ليرفع الحجر الثقيل الذي تعجز عنه الجماعة من الأعراب وغيرهم. وهم شجعاءٌ أشداء الأبدان أسخياء. وهذه هي خصال الشرف.

والزنجي مع حسن الخلق وقلة الأذى، لا تراه أبداً إلا طيب النفس، ضحوك السّنّ، حسن الظّنّ. وهذا هو الشرف!.

وقد قال ناسٌ: إنهم صاروا أسخياء لضعف عقولهم، ولقصر رويَّاتهم، ولجهلهم بالعواقب.

فقلنا لهم : بئس ما أثنيتم على السخاء والأثرة، وينبغى في هذا القياس أن يكون أوفر الناس عقلاً وأكثر الناس علماً أبخل الناس بخلاً وأقلهم خيرا. . رسائل الجاحظ / 1/138 )

 ثم اخذ يذكر اسهاماتهم الكثيرة والكبيرة في الحضارة والثقافة الاسلامية , التي شملت كل مناحي   العلم والثقافة والادب والدعوة والصحبة والجهاد  وغير ذلك بما لم يثبت لغيرهم!.

وجاء من بعده  الأديب ابن المرزبان، (ت 309هـ،) فألف "(السُّودان وفضلهم على البيضان) " وهو على غرار كتاب الجاحظ  في تفضيل السود ! ، ومن بعده  ابن الجوزي البغدادي(ت 597هـ ) ، فكتب  "(تنوير الغبش في في فضل السودان والحبش) "، ثم السيوطي "رفع شأن الحبشان) "  قال في مقدمته : هذا كتاب وضعته في فضل الحبش ! " ، وهكذا كتب غيرهم بما لا يتسع له المقام .. ومن المفاقرات ان الحضارة الوحيدة التي كان اكثر المبدعين والمسهمين فيها ثقافيا هم من العبيد والمملوكين هي  الحضارة الاسلامية! , اذ قد برزوا في سائر مناحيها ومجالاتها وبلغوا فيها سيادة العلم والتقوى وصاروا سادة للمسلمين و مثالا يحتذى فيه ويقتدى به  للاجيال وخلدهم تاريخ الاسلام  وذاكرة المسلمين ! .. ومرد هذا كله للثورة الاخلاقية والدينية التي احدثها الاسلام ليس الا .. وهي طفرة كبيرة جدا .. قفزت عشرات القرون بالوعي والفكر الانساني الى الأمام  الأمر الذي لم يستوعبه الكثير من المسلمين أيضا ! , ولم يتوفر عليه الغرب حتى في ذروة بلوغه ونضجه العقلي في قرونه الأخيرة من الاصلاح والأنوار  فكانت تلك النصوص المهينة والعنصريات الفاضحة , مما لم يتخلص منها الوعي الغربي اليوم وتتجلى في ممارساته بين الحين والآخر!.