Shadow Shadow
الاستملاك الرمزي للهلال

عبد الجبار الرفاعي

مفكر عراقي وأستاذ فلسفة إسلامية

الاستملاك الرمزي للهلال

2020.05.26 - 12:41

عبد الجبار الرفاعي

عبد الجبار الرفاعي

تتنوّع الاجتهاداتُ في عالم الإسلام، وتتجدّد الخلافاتُ مع كلِّ عام حول: ثبوتِ هلال رمضان، وتحديدِ بداية شهر الصوم، وعيدِ الفطر، ومواعيدِ: عَرَفة والحجّ وعيدِ الأضحى، وتحديدِ رأس السنة الهجرية. وقد تطوّرت هذه الخلافاتُ في العصر الحديث، تبعًا لتطّورِ المؤسّسة الدينية في الإسلام واتساعِها، ومحاولاتِها الحثيثة للاستئثارِ بكلِّ ما هو مقدّس واستملاكِه، لذلك عملت هذه المؤسّسةُ على استرداد الهلال من مجاله الدنيوي الذي اكتشفه الفلكيون إلى المجال المقدّس الذي تتحكّم هي به. 

ربما تبدو هذه الخلافاتُ عند المسلمين السُنّة محدودة، لأن المؤسّسةَ الدينيةَ تقع في امتداد السلطة السياسية، وهذه السلطةُ تسعى على الدوام للتحكّم في نفوذ هذه المؤسّسة، وتعمل على تضييق احتكارها للمقدّس، فتفرض رقابةً عليها وتوجّهها في كيفية إدارة الشأن المقدّس، لذلك لا يتخطّى المفتي غالبًا إرادةَ الحاكم. غير أنها تظهر بوضوح لدى المسلمين الشيعة، لاستقلال المؤسّسة الدينية عن السلطة السياسية غالبًا، منذ بدايةِ مأسسة المرجعية الشيعية في العصر الصفوي، واستقلالِها بالتدريج بعد ذلك العصر، إذ تحوّلت المرجعيةُ بعد ذلك الوقت الى مؤسّسة تحتفظ لنفسها بمسافة عن السلطة السياسية. مضافًا الى عدم تمركز المرجعية الدينية عند الشيعة بشخص واحد أو هيئة واحدة، لتعدّد هذه المرجعيات وتنوّعها. وهذا الاستقلالُ يشي بحيويةِ هذه المؤسّسة، وقدرتِها على تكوين سياقاتها الخاصة. ومع أن غيابَ التمركز يمنح هذه المؤسّسةَ ديناميكيتَها المستقلّة، إلّا أنه يفضي أحيانًا الى مواقف متضادّة، تثير التباسًا وبلبلةً في الاجتماع الشيعي، كما نراها تتكرّر عادة سنويًا في تعدّد مواعيد أهلّة رمضان والأعياد.

في كلّ عام نحن على موعد مع دعوات ملحة للعودة إلى ما يقوله الفلكيون في ذلك، والكلّ يعرف أن قولهَم دقيقٌ جدًا، ذلك أنه يستقي من المعطيات الحديثة في تطوّر علم الفلك واكتشافاته الواسعة للكون، وتكنولوجيا التلسكوبات والمناظير الإلكترونية، والحسابات الفلكية المتقدّمة، التي من خلالها يمكننا معرفةُ أوقات الصلاة، وتحديدُ بدايات الأشهر القمرية لآلاف السنوات القادمة بدقة عالية.

الديني والدنيوي

حتى منتصف العقد الثالث من عمري كنتُ من أشدّ المتحمّسين لضرورةِ تبنّي رجال الدين لما ينطق به العلم، وما يتفق عليه الفلكيون، والعودةِ بالهلال الى الحيّز الفلكي الدقيق. تلك الحماسة تستقي مما ترسّب في ثقافتي الشخصية من مطالعات كتابات: جواهري طنطاوي، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين العراقي، وعبدالرزاق نوفل، وغير ذلك من كتابات مبسّطة، أغرقت وعي جيلنا قبل أكثر من أربعين عامًا في هوس تطبيق قوانين ونظريات وفرضيات العلوم الطبيعية على القرآن الكريم.

توحي هذه الكتاباتُ كلُّها بأن معظمَ ما يكشف عنه العلمُ اليوم قد اكتشفه الدينُ قبل ذلك، وأن كثيرًا من نظريات وقوانين العلم الحديث مستودعةٌ في القرآن، قبل أن يعرف علماءُ الغرب أيَّ شيء منها، لكن المسلمين عجزوا عن رؤيتها واستنباطها من القرآن. وكان يغذّي هذه الحماسة بعضُ خطباء منابر الجمعة عند السنّة وقرّاء التعزية عند الشيعة. استمعتُ قبل سنوات، على قناة فضائية، الى أحدِ المشهورين من قرّاء التعزية المولَعين بالمعلومات والأرقام عن الفلك، كانت مليئةً بالأخطاء، لكنه كان يسوقها بكلّ ثقة، وبطريقة مسرحية على المنبر لمستمعين لا يعرفون شيئًا عن الكواكب والنجوم والمجموعات الشمسية والمجرّات والسنين الضوئية.

كنتُ وغيري من الشباب مأخوذًا بالحنينِ إلى الماضي، وتمجيدِ الهوية، والشغفِ بكلّ شيء يتضمّنه الموروث، بوصفه خزانةَ أسرار كلّ العلوم والمعارف البشرية. وليس للعلم من وظيفة سوى إعادة اكتشاف ما كشف عن كثيرٍ منه أسلافنُا من قبل. وإن مهمّتَنا هي تطبيقُ الاكتشافات الجديدة مع ما هو مستودَعٌ من قبل في نصوصنا الدينية.

تلك كانت إحدى البداهات الراسخة في ثقافتي الدينية أمس، ومن المسلّمات القطعية التي لا تقبل نقاشًا. ما كان أشدّ حرصي يومئذٍ على احتواءِ مكاسب المعارف والعلوم كافة، والاستيلاءِ على كلِّ شيء جديد وجميل من منجزات العقل البشري، وكلِّ ما راكمته الخبرةُ البشرية، وإسقاطِها على نصوصي الدينية.

وكأني في مباراةٍ مع الآخر، هو ينفق جهودًا شاقّة في التفكير والتجريب والعمل والكدح المتواصل ليل نهار، ويسلك الدروبَ الوعرةَ المنهِكة، فيراكم خبراتٍ ثرية، ويقوم بفتوحات عقلية بالغة الأهمية، ويظفر بما يحلم به، ومهما أخفق لن يتراجع، أو تتقهقر إرادتُه، أو يعرف الفشلُ إلى عقله طريقًا. هو يكتشف ويخترع ويبتكر ويتقدّم، وأنا مسكونٌ بالاستيلاءِ على ذلك كلِّه مجانًا، ودمجِه - بالقول لا بالفعل - في موروثي، كيما أغرق في المزيد من كوابيس أوهامي.

بدأتُ أستفيق بالتدريج من هذه الأوهام منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، بعد سياحتي في مسالك التراث المتنوّعة، والتعرّف على حقوله الواسعة المتشعّبة، فتبدت لي حقائقُ مغايرة لما كنتُ أتلقاه من الحكاياتِ الشعبوية، والمحكياتِ المنبرية، وأدبياتِ الجماعات الدينية. فما كنتُ أتلقاه شفويًا من خلال مسموعاتي لم يكن سوى مفاهيم وآراء سطحية، حجبت عني مفاهيمَ التراث المشتقّةَ من بيئتها وزمانها.

منذ منتصف العقد الثالث من عمري بدأتُ بمراجعة نقدية لأدبيات الجماعات الدينية، فتبدّى لي بالتدريج أن هذه الأدبياتِ ورّطتني وجيلي بمغالطات عدة، أبرزها الإصرارُ على تطابق العلم والدين في كلِّ شيء، وأن ما يقوله العلمُ اليوم قد قالته نصوصُنا الدينيةُ قبل ذلك، وتمديدُ مساحة ما هو ديني، بدمج كلِّ ما هو دنيوي في الديني، فالعلوم والمعارف والفنون والآداب لا تجد مشروعيتَها من دون أن تولد من الدين.

بعد أن اكتشفَ علمُ الفلك مواعيدَ ولادةِ الهلال وظهورِه بشكل لا يقبل الشك، رأى معظمُ الناس ألّا حاجة للعودة إلى الفقيه للحكم بثبوت الهلال. غير أن هذا الرأي لم يتبنّه إلّا قليلٌ من الفقهاء، على الرغم من أنه يحلّ مشكلةً مزمنة، ويخلّص المسلمَ من الترقّبِ المملّ للهلال، والتفتيشِ عن ذرائع للخلاص من تذبذب الإعلان عنه، والاختلافِ في رؤيته بالعين المجرّدة.

وقد تحمّس لهذا الرأي من نشأ وتشبّع في مناخات أدبيات الجماعات الدينية، التي تخلط الديني بالدنيوي. لكن المفارقةَ هنا أن أدبيات هذه الجماعات حرصت بشدّة على تديين كلِّ ما هو دنيوي، وحاولت صبغَ العلوم والمعارف والأدب والفن، بل كلّ شيء بصبغة دينية، إلّا أنها في قضية الهلال تبنّتْ موقفًا، ربما يبدو للوهلة الأولى مغايرًا، وكأنها تنزع إلى إخراج هلال رمضان والأعياد من حقله الديني إلى الحقل الدنيوي، مع أن منطقَها في تديينِ كلِّ شيء وأسلمتِه يفرض أن يبقى الهلالُ في الفضاء الديني الرمزي، ولا يُرحّل الى الفضاء الدنيوي الفلكي. لكن محاولةَ إخراجه من مجاله الرمزي إلى مجال فلكيّ علميّ لا تعني الكفَّ عن استحواذِهم عليه، وتركِه للخبراء في علم الفلك، بل هي عمليةُ استملاكٍ بديلةٍ للهلال، تمارسها هذه الجماعاتُ بذريعة اللجوء للعلم. فهي في معركتها المفتوحة مع الفقهاء والمؤسّسة الدينية التقليدية، تسعى للهيمنةِ على المدوّنة الفقهيّة الموروثة، وحيازةِ كلِّ ما هو ديني، كي تخلع على نفسها مشروعيةَ تمثيلِ الدين والنطقِ باسم السماء، من خلال إغواء الشباب بتوظيف العلم.

الكائن البشري مولَعٌ بكشف الأسرار

العالَم مليءٌ بالأسرار، والكائنُ البشري مسكونٌ بالكشف عن هذه الأسرار. نحن نبحث عن تفاسير لكلِّ شيء لا نعرفه في العالَم. الذهنُ اليقظُ في نشاط مستديم، إنه بمثابة مرجَل يغلي إلى ما لانهاية، يظلّ يغلي إن لم يجد تفسيرًا يستقرّ عنده. الإنسانُ يتعبه ذلك، فيلجأ عادةً إلى أيّ شيء يمنحه الهدوءَ والدعة، لذلك يتشبّث بأيّ تفسير كان، يتناسب ومحتوى ذهنه واستعدادَه وأفقَ انتظاره ومسبقاتِه. إذا كان ذلك التفسيرُ واضحًا، يشعر الذهنُ بسعادة كبيرة. وهذا ما يحصل حين نعثر على تفسير لظاهرة ملغِزة فنهدأ، وندافع عنه، ونصرّ عليه، ثم يصبح في مرحلة لاحقة ضمن تعريفنا لأنفسنا، حيث يدخل في تكوين كينونتنا الذاتية.كلُّ عملية تفسير لنصّ أو ظاهرة أو شيء، نتحقّق بها في طور وجودي جديد، وهكذا.

إن هذا العالمَ يستوعب أشياءً لا حصر لها، لا ندرك معناها. الدينُ يمعنن ذلك، يفكّ الألغاز، أو تغدو الألغازُ من منظور المتديّن ذاتَ مضمون خصب، يفيض بمعانٍ يستقيها من رؤيته الدينية. كلُّ ما لا نفهمه من خلال وسائل وأدوات العلم المتاحة، مثل المبدأ والموت وما بعد الموت، وغير ذلك، يمنحنا الدينُ تفسيرًا له، يخرجنا من حالة الحيرة والارتياب، إذ إن المهمةَ المحورية للدين معننةُ ما يبدو لنا لغزًا مبهمًا في الحياة.

يُعدّ الدينُ نظامًا سيميائيًّا مكثّفًا وخصبًا، وإن المعاني التي ينتجها هذا النظامُ تشتغل على المستوى الرمزي بأعلى طاقاتها، ثم تتحوّل الى مستوى الفعل في العالم الخارجي الموضوعي. الدينُ هنا بوصفه ذلك المعطى الحياتي الذي يتمثّله الأفراد، وتظهر تعبيراتُه في حياة الجماعات البشرية، لتعريف وتأطير مجموعة من السلوكيات والروابط المنبثقة عن تحسّس الإنسان لبُعدٍ مختلفٍ في وجوده، ربما غير قابل للتفسير التجريبي. وهذا المعرِّف والمؤطِّر اكتسب قوةً ونفوذًا من توفيره تفاسيرَ جاهزةً واضحةً لظواهر في الوجود ما زالت غامضة، ومن ثم مخيفة ومربكة للكائن البشري، لما يحتاجه الفرد، وما تحتاجه الجماعاتُ لبقائها واستمرارها.

يخفض الدينُ الشعورَ بالقلقِ واللامعنى والعدميةِ والعبثيةِ والضياع. ولفرط احتياجِ الكائن البشري للدين، وانشغالِه بتفسيراته المتنوّعة، أصبح الدينُ بابًا للسكينة والطمأنينة والأمن والسلام لدى كثيرين من الناس، مثلما أضحى على الضدِّ من ذلك لدى آخرين، بعد أن صار بابًا للتسلّط وللاستغلال والتعصّب والعدوان. يتجلّى الدينُ تبعًا لشخصيةِ الكائن البشري والجهة التي تتبنّاه، وكيفيةِ تصوّرها لله، ونمطِ فهمها للإنسان والعالم، ويتمثّلُ في كيفية توظيفِها للدين واستثمارِه في المواقف والأنشطة والعلاقات المختلفة، واستغلالِه في صراعات الأفراد والجماعات، والاستحواذِ على الثروة والسلطة.

إنتاجُ الدين للمعنى

أما كيفيةُ إنتاج المعنى، ونمطُ الدلالات التي يوظّفها الدينُ في ذلك، فإنها تتحقّق من خلال مجموعة من الوسائل والروافد والميكانزمات. الرموزُ واحدةٌ من أهمّها، ذلك أن الإنسانَ بطبيعته كائنٌ رمزي. الرمزُ لغةٌ صامتة، إنه خزّانُ دلالات، يكتنز بكثافة وثراء مفهومي، لذلك يغدو منبعًا لتوليد المعانى. حياةُ الإنسان لا تستغني عن الرموز، لذلك نلحظ الرموزَ تنتشر انتشارًا واسعًا في المجتمعات البشرية، بنحوٍ لا نعثر فيه على مجتمع يخلو منها.

وكما يستقي الإنسانُ الدلالاتِ من الكلمات والألفاظ في أحاديثه الشفويّة، يستقيها أيضًا من الرموز الصامتة. وتوليدُ ما هو صامتٌ للمعاني يفوق ما هو ملفوظ، فضلًا على أن ما هو صامتٌ لا يتواطأ على حجبِ الحقيقة وتزويرِها. ففي دراسةٍ قام بها عالمُ النفس الأمريكي ألبرت ميهرابين اكتشف أن: %7 فقط من الاتصال مع الآخر يكون بالكلمات، %38 بنبرة الصوت، %55 بلغة الجسد. ويعتقد علماءُ النفس في الوقت الحاضر بأن  %60 من حالات التخاطب والتواصل بين الناس تتمّ بصورةٍ غير شفويّة، أي عن طريق الإيماءات والإيحاءات والرموز، لا عن طريق الكلام واللسان، ويقال إن هذه الطريقةَ ذاتُ تأثيرٍ قويّ، أقوى بخمس مرات من ذلك التأثير الذي تتركه الكلمات.

ولما كان الدينُ يهتم بنوع: اللباس، الطعام، المكان، الزمان، وبالكثير من الأشياء، ويضفي عليها دلالاتِه الخاصة، فيكتسي اللباسُ الذي يستعمل في طقس ديني دلالةً خاصة، بصفته رمزًا لمعنى مقدّس، وتتوالد منه مفاهيمُ قدسيةٌ جديدة، يخلو منها قبل ذلك، بعد أن يتحوّل إلى فضاء آخر يخرج فيه من مجاله الدنيوي الى المقدّس، ملهمًا الإنسانَ الديني الذي يرتديه فيضًا من المعاني التي تغذّي مشاعرَه وعواطفَه، وتستقي منها تجربتُه الروحية. وهكذا الحال عندما يُتخذ زمانٌ معيّنٌ عيدًا، أو مناسبةً دينية، أو يُتخذ مبنى أو مكانٌ ما معبدًا. كلُّ ذلك يعني أن الدينَ خلع على هذا الزمان أو المكان هالةً رمزية، تفيض بإمكانات تعبيرية لمعانٍ جديدة، وأضاف إليه دلالاتٍ تشي بأنه صار مقدّسًا. يمسي هذا الزمانُ مختلفًا عن الزمان الآخر، أي الزمان العادي الممل. الدينُ عندما يعدّ زمانًا ما عيدًا مثلًا، فإنه يتسامى به، ويمنحه وظيفةً مختلفة، وكأنه يعيد الزمانَ إلى فجره، ذلك الزمان النقي، وكأنه يصبح زمانًا طاهرًا بعد أن كان مدنّسًا. العيدُ مناسبةٌ يجدّد فيها الإنسانُ الزمان، ويتخلّص من رتابته المملّة، وعبءِ تكراره، وكأنه ينتقل به من زمان بلا روح، يفتقد لكلّ معنى، الى آخر حيّ مُشبَع بالمعاني.

الهلالُ الديني الرمزي، وكذلك كلُّ شيء ديني رمزي، هو أحدُ المنابع التي يتغذّى منها نظامُ إنتاجِ المعنى المقدّس في المجتمعات الدينية، والاستحواذُ عليه هو امتلاكُ رافدٍ يغذّي هذه الحياة، ويعمل على بناء نمط السلطة الروحية في المجتمع، ويحدّد مدياتِ اتّساع نفوذها.

هلالان لا هلال واحد

إلى ماذا يحيل الاختلافُ في تحديد ولادة هلال الأعياد ورمضان، ومن أين ينشأ تنوّعُ المواقف في ذلك؟ لتحليلِ موضوع تحديد موعد ميلاد الهلال، وبيانِ ما تحيل إليه هذه الاختلافات، ينبغي تفكيكُ مفهوم الهلال الواحد الى هلالين، وهما:

الأول: الهلال الفلكي، ومفهومُه يحيل للهلال الذي ينتمي للحقل الدنيوي، بمعنى أن من يكتشف مواعيدَ ولادته وحركتَه هم الفلكيون بكلِّ ما يمتلكون من حسابات وجداول فلكية وتلسكوبات وغيرها من الأدوات التي تهديهم إلى نتائج علميه قطعية. هذا هلالٌ ينتمي للفلكيين، إنهم وحدهم من ينبئنا عنه، وليس لأحد سواهم أن يرفض قولَهم، بوصفهم المتخصّصين في ذلك، ومرجعيةُ العقلاء دائمًا هي ذوو الاختصاص والخبرة، كلّ على أساس تخصّصه وخبرته.

الثاني: الهلال الديني، ومفهومُه يحيل لهلال رمزيّ ينتمي لحقل المقدّس، الذي هو خارج الحقل الدنيوي. وإن كان منشأه حقيقةً كونيةً فلكية. أي مثلما هناك زمانٌ دينيّ كرمضان والأعياد، ومكانٌ دينيّ كالكعبة، هناك أيضًا الهلالُ الذي هو دينيّ لا دنيوي. وهذا الهلالُ هو ما يحدّد مواعيدَ الأزمنة الدينية.

وما دام مفهومُ هذا الهلال يندرج في الشأن الديني، فإن بيانَ مواعيد ولادته وغيابه ليس من اختصاص الخبراء الفلكيين، بل من اختصاص من يمتلك المشروعيةَ الدينيةَ للإفتاء بشأن مواعيده وميلاده، والمتخصّصون بإدارة الشأن المقدّس حصرًا، وهم المرجعيات الدينية.

الهلالُ الدينيّ مثله في ذلك مثل أيّ شيء في الطبيعة يخرج من الحقل الدنيوي إلى حقل المقدّس. فالحجرُ المستعمل في بناء الكعبة مثلًا، عندما كان جزءًا من جبل، لم يكن مقدّسًا قبل اقتطاعه واستعماله في بنائها، غير أنه بمجرد تقطيعه ودخوله في البناء يصير مقدّسًا، بوصفه دخل في فضاء الكعبة المقدّسة. وهكذا هو حالُ كلّ زمان أو مكان أو شيء يجري تقديسُه. بمعنى أنه عندما كان ينتمي إلى الفضاء الدنيوي لم يكن مقدّسًا، لكنه بمجرد عبوره منه إلى فضاء ديني يمسي مقدّسًا.

الاستملاك الرمزي للهلال

من يمتلك أنظمةَ إنتاج المعنى يمتلك السلطة. هناك علاقةٌ جدلية ٌبين امتلاكِ أنظمة إنتاج المعنى وامتلاكِ السلطة، فكلُّ سلطة تنتج معرفةً من جنسها، سواء أكانت سياسيةً أم روحية. المعرفةُ كما يقول فوكو تنتج سلطة، والسلطةُ تنتج معرفة، تعزّزها وترسّخها وتغذّيها على الدوام. كلُّ سلطة تحرص على امتلاك منابع المعرفة كافة. وكما تعمل السلطةُ على إنتاج المعرفة، تحدّد المعرفةُ بطبيعتها نوعَ السلطة.

وبتعبير آخر، التأثيرُ متبادَلٌ بين السلطةِ وأنظمةِ إنتاج المعنى، كلٌّ منهما يؤثّر في الآخر ويتأثّر به. فكلُّ من يمتلك أنظمةَ إنتاج المعنى يمتلك السلطة. وكلُّ من يمتلك السلطةَ يحاول أن يحتكر أنظمةَ إنتاج المعنى. من يمتلك أنظمةَ إنتاج المعنى الروحي يمتلك تبعًا لذلك السلطةَ الروحية، ومن يمتلك السلطةَ الروحيةَ يعمل على احتكار أنظمة إنتاج المعنى الروحي. وهكذا من يمتلك أنظمةَ إنتاج المعنى السياسي يمتلك تبعًا لذلك السلطةَ السياسية. ومن يمتلك السلطةَ السياسيةَ يعمل على احتكار أنظمة إنتاج المعنى السياسي، ويسعى إلى الهيمنة على كلِّ نظامٍ غيرها لإنتاج أيّ معنى، وتوظيفها كلِّها من أجل ترسيخ سلطته.

من طبائع السلطة السياسية وكلِّ سلطة، أنها تتمدّد وتتّسع باستمرار، تتغلغل وتخترق كلَّ شيء تتمكّن من اختراقِه والاستيلاءِ عليه. لذلك تحاول التهامَ المال والحريات والحقوق، بل كلّ ما تستطيع أن تطالَه وتصلَ اليه، أيًّا كان، كي تكرّس سطوتَها على حياة الناس. وما لم تضع السلطةُ لنفسها دائرةَ نفوذٍ مرسومةٍ بوضوح، وتضبط ذلك بقوانين صارمة، فلن يحدّ من تغوّلها أيُّ شيء سواها.

تلك هي آليةُ اشتغال السلطة، حيثما كانت، وكيفما كانت، وأينما كانت. طبيعةُ السلطة نسيجٌ شبكيّ متشعّب، عميق مركّب، معقد، متغلغل في كلّ ما هو: كبير وصغير، جزئي وكلّي، عام وخاص، دنيوي وديني. إنها تتشكّل عادة مما هو: مباشر وغير مباشر، ظاهر ومستتر، معلن ومضمر، جلي وخفي، حاضر وغائب، معلوم ومجهول.

لا أريد أن أتحدّث أكثر عن شراك أنماط السلطة التي حفر في أعماقها، وكشف بنيتَها العميقة، وأبعادَها ووجوهَها المختلفة، وفضح أقنعتَها المتنوّعة، فوكو ومن قبله نيتشه، إنما وددتُ فقط الإشارةَ بإيجاز إلى شيء من طبائعِ أشكالِ السلطة المختلفة ومدياتِها وآلياتِ اشتغالها، وتشعّبِ نسيجها، بغية الكشف عن الرأسمالِ الكبير الذي تتداوله، ونوعِ الأسهم التي تستثمرها، وكيفيةِ تنميتها وتوالدها، والتلاعبِ بها.

السلطة الروحيّة ترسمها حدود المقدّس

الذين يصرّون على التوكؤِ على آراء الفلكيين، والاستنادِ إليهم بوصفهم مرجعيةً وحيدةً نهائيةً في كلّ ما يتّصل بالهلال ومواعيد الأعياد وشهر رمضان، إنما يحاولون الاستئثارَ بإحدى ممتلكات المؤسّسة الدينية ذاتِ التأثير الكبير في إنتاجِ المعنى الروحي، وتغذيةِ البنية التحتية للسلطة الروحية. إنهم يعملون على إخراجِ الهلال المؤطَّر بمضمون مقدّس، وانتزاعِه من حقله الخاص، وتفريغِه من محتواه. عندما يرحّلونه إلى الفضاء الفلكي ليغدو هلالًا مختلفًا، لا علاقةَ له بمجال إنتاج المعنى الديني. بمعنى آخر إنهم يتعاطون معه بوصفه الهلالَ الكوني، الذي يقع في حيّز الخبير الفلكي، والملحق بالشأن الدنيوي، أي ينقلونه من مجاله ووظيفته في إنتاج معنى ديني إلى مجالٍ لا يمتّ بصلة للشأن الديني.

وطبقًا لما تقوله أصولُ الفقه، فإن فعليةَ الحكم الشرعي تدور مدار توافر عناصر موضوعه بتمامها، وهذه العناصر هي: المواصفات والقيود والشروط كافة، المأخوذة في موضوع الحكم، والتي بمجموعها تمثّل الموضوع، فما لم تتحقّق كلُّها لا يكون الموضوعُ ناجزًا ومتحقّقًا. وذلك ما تقرّره القاعدةُ المعروفةُ في الأصول: "المشروط عدم عند عدم شرطه، أو المقيّد عدم عند عدم قيده". وما يقع موضوعًا للحكم الشرعي هنا بغرّة شهر رمضان، وتصرّمه وبدء العيد في اليوم الأول من شهر شوال، وهكذا أهلة الحج والأشهر القمرية، إنما هو الهلال الرمزي الديني، أي الهلال الذي تؤطّره المواصفاتُ والشروطُ والقيودُ المنصوصُ عليها في المدوّنة الفقهية، وليس الهلالَ الكوني الفلكي، العاري من تلك المواصفات والشروط والقيود، ذلك أن الهلالَ الفلكي ليس هو موضوع الحكم الذي يتمسّك به مشهورُ الفقهاء، ممن لا يقبلون توظيفَ الحسابات الفلكية والتكنولوجيا الجديدةَ في تحديد ولادة الهلال. وهو ما يدعوهم للتشبّث بالرؤيةِ البصرية المباشرة، وقول بعضهم بتعدّد الأعياد، تبعًا لتعدّد الآفاق جغرافيًا، حتى إن لم يتطابق ذلك مع ما يكتشفه علماءُ الفلك، وحساباتِهم العلمية، وأدواتِهم الرصدية التي تعطي نتائجَ قطعية.

تبنّي هذا اللون من القراءة وتطويرُها ضرورةٌ للكشفِ عن تمثّلات المقدّس، ومعرفةِ ما يختبئ خلفها، وأساليب توظيفها في: صراعات الهيمنة والسلطة والثروة، وكيفية إدارة السلطة الروحية للشأن الديني، من خلالِ استملاكِ

ما تعدُ به فلسفةُ الفقه

ما زالت الدراساتُ الدينية أسيرةَ التقليدِ التكراري الذي يتحدّث فيه التراثُ عن التراث، ويتولّى الماضي النيابةَ عن الحاضر، ولكي تنتقل هذه الدراساتُ إلى أفق يدرك رهاناتِ الحاضر عليها أن تعلن قناعتَها بالقطع مع كلِّ ما هو ميت ومميت من الماضي، وتوظيفَ كلِّ ما يتطلّب تحديثُ التفكير الديني توظيفَه من الإضافاتِ العميقةِ للفلسفة والمعارف البشرية الحديثة بجدّيةٍ وثقة، بغيةَ إعادةِ بناء فهمِ الدين ودراسةِ وتحليلِ تعبيراتِه المختلفةِ في حياة الفرد والجماعة، وألا تتعاطى مع هذه الإضافاتِ بمنطقٍ ارتيابي مسكونٍ بهواجسَ الهوية والأصالة والخصوصية، بل عليها أن تدرك أن الكثيرَ من مكاسبِ العقل الحديث كونيةٌ، عابرةٌ للهوياتِ الإثنية والدينية والثقافية، وإن جرى استخدامُها أحيانًا لأغراضٍ تنقض مدياتِها الكونية.

في الحواضر والحوزات والمدارسِ والكلّياتِ الدينيةِ في مجتمعاتِنا يكرّر التفكيرُ نفسَه باستمرار، لأنه كان وما زال صدًى للماضي، إذ يبدأ من التراثِ وينتهي بالتراث، ويظلّ يدور في حلقة مغلقة، من دون أن يبصر ضوءًا يهتدي به إلى تضاريسِ الواقع الذي نعيش فيه. وهكذا هو حالُ الكتاباتِ الوفيرةِ عن الدين وما تشتمل عليه المطبوعاتُ والمجلاتُ التي تصدرها المؤسّساتُ الدينيةُ وغيرُها، حتى إن عمد البعضُ إلى الخروجِ من أساليبِ التعبيرِ والبيانِ في الكتاباتِ القديمة فإنه لا يتخطّى في ذلك حدودَ تيسيرِ مفاهيم تلك الكتابات وتبسيطِ مقولاتها التي فرضتْ حضورَها المزمن في كلِّ تأليف وكتابة تالية.

من الضروري الخروجُ من الأسوارِ المنيعةِ للدراسات الدينية التقليدية، والسعي للتحرّرِ من رؤيةِ الحاضر بعين الماضي، وتحريرُ العقل من استبداد علوم الأوائل بالتفكيرِ الديني، تلك العلوم التي نسختِ العلومُ والمعارفُ الحديثةُ كثيرًا منها، والعملُ على إعادةِ النظر في البنيةِ التحتية التي ابتنى عليها هيكلُ المعارف الدينية، وعدمُ سلوك المساراتِ القديمةَ ذاتَها، واستئنافُ النظر فيما صار بمثابة البداهات في هذه المعارف، وأعادتْ مساءلتَه وتشريحَه بغية اكتشافِ السياقاتِ التي تشكّل فيها.

في حقلِ الفقه يتكرّر القولُ في مسائله، ويغرق الدارسُ في تفاصيل مدوّنته التي تضخّمتْ بالتدريج، وانحسرتْ تبعًا لتضخّمها معظمُ آفاقِ التفكير الديني الأخرى، وفرضتْ حضورَها الصارم على كلِّ ما يتّصل بأقوالِ وأفعالِ المسلم، وأخضعتْ كلَّ حياتِه لمعاييرها. وذلك يفرض تدشينَ علمٍ قادرٍ على إجراءِ حفرياتٍ عميقةٍ في المدوّنة الفقهية، من خلالِ تفكيكِ الأنساقِ المولّدة للمعرفةِ الفقهية، والكشفِ عن العناصرِ المختبئةِ في عملية الاستنباط، وأثرِها البالغِ في توالدِ هذه المعرفة وتشعّبها ونموِّها وتطوّرِها. وهذه مهمةٌ تتكفّلها "فلسفة الفقه"، وهي علمٌ لا يعتمد العدّةَ المنهجيةَ والمفاهيميةَ المعروفةَ في "أصول الفقه"أو"الفقه"، إنما ينفتح على فلسفةِ العلم والعلومِ الإنسانية المختلفة، ويتوكأ على مناهجِها ومفاهيمِها، بغيةَ تحليلِ البنية العميقة للمعرفة الفقهية، وكيفيةِ إنتاجِها، والكشفِ عن العناصرِ المضمَرةِ في ذهنِ الفقيه وأثرِها اللاواعي في توليد المواقف والآراء والفتاوى، والصلةِ العضوية بين الفقهِ والسياقاتِ التاريخيةِ المختلفةِ التي تشكّل فيها، والعلاقةِ بين المعرفةِ الفقهية وشبكاتِ السلطة الروحية والزمنية.

فلسفةُ الفقه علمٌ يُنقّب عمّا هو غاطس في عملية الاستدلال الفقهي، ويعمل على عبور عناصر هذا الاستدلال المعروفة، ليصل إلى تشريح الخلفيات غير المرئية في استنباط الأحكام الشرعية، ويسعى للتعرّف على العناصر المختلفة الخفيّة المؤثّرة في إنتاج الفتوى.

فلسفةُ الفقه لا تتوقف عند السطح، بل تنشغل بالنظر إلى الأعماق، في محاولةٍ للكشف عن البنية التحتية للتفكير الفقهي، أي إن هذا العلمَ يحاول أن يتوغل بعيدًا ليكتشف الأحكامَ السابقةَ للفقيه، وتأثيرَ رؤيته للعالم، وما هو غاطس في لا وعيه من مؤثّرات متنوّعة، توجّه تفكيرَه على وفق بوصلتها.

كلُّ خبير يدرس الفقهَ في ضوء المناهج الحديثة يكتشف أنه مدونةٌ تشريعيةٌ، ومرآةٌ ترتسمُ فيها ألوانُ تفكير فقهاء الإسلام في العصور المختلفة، وتحمل بصمةَ شخصياتهم، وتحكي كيفيةَ حياتهم، وأنماطَ العيش المتنوّعة في بيئاتهم. كذلك يعرف أن قراءاتِ الفقهاء لما جاء في القرآن والسنّة من نصوص، مضافًا إلى أنها وُلدت في إطار ما فرضته شخصياتُهم وأحكامُهم السابقةُ وآفاقُ انتظارهم وما تحفل به بيئاتُهم من جهة، وُلدت من جهة أخرى في إطار ما فرضته قواعدُ ومعاييرُ قراءة النصوص الدينية، تلك القواعدُ والمعاييرُ التي تمّت صياغتُها في عصر متأخّر عن عصر البعثة بمدة طويلة نسبيًا، وهو النصف الثاني من القرن الهجري الثاني، وصارت هذه القواعدُ تتجذّر وتتوسّع عموديًا وأفقيًا بمرور الزمان، حتى فرضتْ طريقةَ فهمٍ تهيمن على عمليات تلقي النصوص الدينية في الأزمنة المختلفة، بنحو تسيّدتْ فيه وتأبّدت فأضحتْ قوالبَ صارمة، لا مشروعيةَ لقراءةِ أيّ نصٍّ أو ممارسة لتفكيرٍ فقهي خارج أسوارها.

حاولنا هنا أن ندرس الخلافَ حول الهلال في ضوء "فلسفة الفقه". وهو مثالٌ تطبيقي لهذا العلم، ينشد إضاءةَ ما هو مستور في النزاع على الهلال، فخلصنا إلى أن الخلافَ على الهلال يعود لمحاولة استملاكِه الرمزي، واحتكارِه بغية إثراء رأس المال المقدّس، وتبيّن لنا أن الخلافَ هو على هلالين وليس على هلال واحد، فهلالُ الفقهاء غيرُ هلال الفلكيين، هلالُهم مؤطّر بمعنى ديني، في حين أن هلالَ الفلكيين هلالٌ ماديٌّ مجردٌ من المضمون الرمزي الديني، بوصفة ظاهرةً كونية، يكتشفها ويحدّد كلَّ شيء فيها العلم، وهو ظاهرةٌ محايدة حيال المعنى الديني، وليست مؤطرةً بشيء ينتمي للمقدّس.

المقدّس يمثّل موقفًا حيال العالم، وطريقةً خاصّة للتعامل معه، بشكل لا يتطابق دائمًا مع الدنيوي، والتعرّفُ على ذلك يتطلب دراساتٍ متنوعة، لا تكرّر ما هو موروث، بل تنفتح على المناهج الحديثة في العلوم والمعارف الإنسانية وتطبيقها على النصوص والظواهر الدينية، لتكتشف كيفيةَ توالد المقدّس، وأنماطَ صيروته وتمثّلاته في المجتمع، والصلةَ العضوية بين حدوده وجغرافيا السلطة الروحية ومديات نفوذها في الحياة البشرية.