Shadow Shadow

الذاكرة الانتقائية وتسييس التاريخ

2020.05.23 - 10:41

يحيى الكبيسي

يحيى الكبيسي 

في الأيام القليلة الماضية، ظهرت موجة من الغضب في العراق، بسبب تقرير بثته إحدى القنوات الممولة سعوديا، وكان يتناول موضوع تفجير السفارة العراقية في بيروت في العام 1981، وورد فيه اتهام صريح لحزب الدعوة الإسلامية، ولأبي مهدي المهندس (القائد الفعلي للحشد الشعبي الذي قتل بغارة أمريكية في كانون الاول/ يناير الماضي) بأنه كان من المشاركين في التخطيط لهذا العملة، وقد وصفه التقرير بالإرهابي، وهو ما استدعى موجة من بيانات الشجب، ووصل الأمر إلى اقتحام مكتب القناة في بغداد وتحطيمه.

ليس هناك ما يثبت أن أبي مهدي المهندس كان طرفا في هذه العملية، والتقرير الذي تم بثه فشل في تقديم أي دليل على ذلك، بل إن هناك شكوكا حقيقية في أن يكون حزب الدعوة قد قام بهذه العملية، رغم الترويج لها في دعاية الحزب نفسه بوصفها «أول عملية استشهادية في العالم الإسلامي»! بدليل أن لا أحد يعرف حقيقة حتى اللحظة ما هو الاسم الحقيقي لمنفذ هذه العملية، ولا يزال يشار اليه باسمه الحركي «أبو مريم» فقط!

لكن المؤكد هو ان لا أحد يستطيع أن ينكر أن اسم أبو مهدي المهندس كان حاضرا في محاكمات منفذي عملية تفجير السفارتين الأمريكية والفرنسية ضمن سلسلة من ستة تفجيرات إرهابية ضربت الكويت في العام 1983 (تم اقتحام السفارة الامريكية في الكويت بسيارة مفخخة يقودها انتحاري بطريقة مشابهة تماما لعملية تفجير السفارة العراقية في بيروت). وقد تم الحكم على الرجل بالإعدام في الكويت في العام 1984 بالإعدام بسبب اتهامه بالمشاركة في هذه العمليات، وهو ما اضطره للهروب من العراق، وكان يومها نائبا في مجلس النواب، في العام 2007 بعد محاولة القوات الامريكية القاء القبض عليه، ولم يعد إلى العراق إلا بعد انسحاب القوات الامريكية نهاية العام 2011.

تعكس هذه الواقعة، واحدة من أبرز سمات العراقيين، ألا وهي قدرتهم على تشكيل ذاكرتهم التاريخية بطريقة لا تجعل من التاريخ سجلا للأحداث، إذا اعتمدنا المنظور التقليدي، أو خطابا يجب موضعته في الإطار السياسي والاجتماعي والثقافي المنتج له، بل تعيد إنتاجه بوصفه رواية ذاتية، وانتقائية، وإلزامية، لا يمكن معها لأي رواية أخرى إلا أن تكون تحريفية. على مستوى خطاب الدولة/السلطة في العراق، كانت الذاكرة بعد 14 تموز/يوليو 1958، ذاكرة قسرية تفرضها الدولة من خلال مؤسساتها التعليمية، والإعلامية، والرقابية بمختلف أنواعها، مهمتها شيطنة الحقبة الملكية، واتهامها بالفساد المطلق، والرجعية، والحكم الأحادي، حتى نسي العراقيون أنها كانت حقبة بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، وحقبة تحديث المنظومات، والحقبة الأقل فسادا في تأريخ العراق الحديث، وأنها مع نظامها الملكي، كانت دستورية، وتمتلك مؤسسات ديمقراطية وفرت حرية الأحزاب والصحافة.

وفي مقابل هذه الذاكرة أُنتج تاريخ مفترض للدولة/ السلطة قائم على شعارات الزعيم الأوحد، والتقدمية، والديمقراطية، والسلام، التي كانت تتردد أصداؤها في كل مكان.

وبعد8 شباط/فبراير 1963، ثم18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963، تشكلت بالعراق ذاكرة قسرية أخرى، تصف الأعوام الخمسة السابقة عليها، بكونها أعوام نظام عدو الشعب، والطاغية، والخائن المجرم، والدكتاتور. وتعيد توصيف الحركات التي قامت بوجه عبد الكريم قاسم، فتصبح مؤامرة الشواف، ثورة الشواف. ويعاد تسمية المتآمرين والرجعيين أمثال رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي ورفاقهما الذين أعدمهم عبد الكريم قاسم بالشهداء. ولا نعود نتذكر ـ رسميا ـ من زمن قاسم سوى مذابح الموصل وكركوك، ومحاكمات المهداوي الشهيرة. واستمرت محاولة تكريس التمييز بين مكتسبات الثورة (قانون الإصلاح الزراعي، وقانون رقم 80 الخاص بالنفط على سبيل المثال) ورجالاتها بوصفهم كانوا أيضا من صانعيها. وتكرر الأمر نفسه بعد 17/30 تموز/يوليو 1968.

وبعد 9 نيسان/ابريل 2003 بدأت محاولة أخرى لتشكيل ذاكرة قسرية لا تتذكر سوى الديكتاتورية وحصاد القسوة والدم، وتعمد إلى تسخيف إنجازات هذا العهد، وإظهار رجالاته كلهم بمظهر المجرم القاتل. وأصبح من الجرم الحديث عن منجزات هذه الحقبة التي جعلت الأمم المتحدة تصنف العراق قبل العام 1991 ، بأنه في بعض مجالات التنمية تجاوز حدود العالم الثالث، يتهم مباشرة بأنه بعثي صدامي من أعوان النظام البائد، وقد يُتهم من يشير الى أي جانب إيجابي للدولة العراقية حينها بالإرهاب.

المشكلة في العراق، أن هذه الذاكرة الانتقائية تجاوزت الدولة/السلطة إلى الشعب نفسه، الجميع لا يتذكر إلا ما يريد تذكره، وينسى، بل ويلغي ما عدا ذلك. نشهد في ذكرى ثورة 14 تموز/يوليو من كل عام بعد نيسان 2003، مظاهرات وندوات ولقاءات تمجد عبد الكريم قاسم بوصفه الزعيم الأوحد والشهيد ورجل الثورة. وينسى هؤلاء أن الأخير كان دكتاتورا أيضا و بامتياز ، وانه كان المسؤول المباشر عن جرائم ضد الإنسانية في الموصل وكركوك وقرى برزان. وان تاريخ الدم في العراق كان نتاجا مباشرا لحقبته.

في العام 1997، استضاف برنامج كان يقدمه الباحث السوري محي الدين اللاذقاني على إحدى الفضائيات العربية، الدكتورة نزيهة الدليمي على الهاتف من ألمانيا، وقد دافعت في اللقاء بحماسة منقطعة النظير عما جرى في الموصل في آذار 1959، من فظائع، وبكلمات قريبة من الكلمات التي وصفت بها صحيفة «اتحاد الشع

الأحداث حينها، ومن دون أي نبرة مراجعة. ومع هذا الجميع يتذكر الراحلة بوصفها رمزا للحرية والديمقراطية والسلام، حتى أن الحكومة العراقية قررت إقامة تمثال لها. في العام 1983 ذُبح عشرون طالبا جامعيا عراقيا على طريق الموصل ـ أربيل، وكان القتلة ينتمون إلى أحد الأحزاب الكردية، بقيادة شخص يدعى «أبو ريشة»، والأخير قُتل لاحقا في مواجهة مع الجيش العراقي، وبعد العام 2003، تم الإعلان عن إقامة نصب تذكاري باسمه في مدينة كركوك.

ونحن نعرف أن الأحزاب السياسية الإسلامية القائمة اليوم في العراق، كانت تفخر بعملياتها «البطولية»، مثل تبني إحداها عملية نسف الجسر الرابط بين البصرة والتنومة. بل أن أحد قياديي هذا الحزب أعلن صراحة في لقاء تلفزيوني، وبكل فخر، أن حزبه كان مسؤولا عن تفجير السفارة العراقية في بيروت، فضلا عن تفجير وكالة الانباء العراقية!

وتبنت حركة أخرى عملية تفجير وزارة التخطيط في بغداد بسيارة مفخخة يقودها انتحاري، وعملية تفجير أخرى بسيارة مفخخة في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون. بل إن إحدى هذه الحركات لا تزال تدون على موقعها الالكتروني عملياتها «البطولية»، مثل تفجير مبنى دار الحرية للطباعة والنشر، وتفجير مكتب الخطوط الجوية العراقية في شارع السعدون، وتمجد «الشهيد البطل قائد عملية الجامعة المستنصرية البطولية»، وجميعها كان أهدافا مدنية.

والأمر ذاته يتكرر مع النخب السياسية الحاكمة اليوم، فأغلبها كان يؤمن بالعنف، ويمارسه، بوصفه نضالا مشروعا ضد نظام دكتاتوري. ولكنهم جميعا أيضا تورطوا في عمليات إرهابية ضد أهداف مدنية، وضد مدنيين، و جميعهم تلطخت أيديهم بدم العراقيين، وهم اليوم ينالون المناصب، ويتقاضون التعويضات، والرواتب، والأراضي السكنية، بفضل تلك العمليات ضد المدنيين والسبب أن السلطة بأيديهم اليوم وهم يتعاملون معها كما تعامل معها من سبقهم ممن يعيبون عليهم، وهذا منطق «المنتصرين» الذي يصلح لكل هذه النماذج. فالذاكرة التي تتشكل اليوم هي ذاكرتهم.

لقد وصل أمر الانتقائية إلى حدود القانون، الذي يُفترض انه «قاعدة عامة مجردة»؛ فالقوانين في كل تاريخ العراق السياسي، لا تجرم الفعل من حيث طبيعتُه، وإنما تجرّمُ الأفعال من خلال القائمين بها، ومعظم من شارك في مهاجمة مدنيين، او قتلهم، يُبرر فعله بل يحظى بتقدير الدولة، ورعايتها، عبر قوانين انتقائية! وصل الأمر إلى عد الهاربين من الخدمة العسكرية ماقبل 2003 والذين أعدموا بسبب ذلك «شهداء». ومراجعة قوائم مؤسسة الشهداء، ومؤسسة السجناء السياسيين، تكشف عن هذه الإنتقائية بشكل فاضح!

لقد حكمت الانتقائية وذاكرة «المنتصرين» تاريخ العراقي الحديث»(على الأقل منذ العام 1958). وكانت هناك محاولات منهجية لفرض هذه الذاكرة «قسريا» على المجتمع بالكامل، تماما كما تم تسييس التاريخ وفكرة العدالة نفسها، ولا يزال هذا النهج قائما حتى اللحظة، مع فارق بسيط، أن الدولة لم تعد تحتكر هذه القسرية، بل إن القوى نفسها التي تشارك الدولة في استخدام العنف وأدواته، تشارك أيضا في فرض هذه القسرية وتعاقب على عدم الخضوع لها!