Shadow Shadow

عذرا ماركس.. كورونا أثبت أننا على خطأ

2020.05.16 - 09:16

علي قاسم

علي قاسم

 

 

كنا نظن أن بمقدورنا السخرية من أفكار، كارل ماركس، ومن تبعه من اشتراكيين باحثين عن تحقيق العدالة الاجتماعية، إلى أن جاء كورونا وقلب المفاهيم؛ فايروس صغير، لا يرى حتى بالعين المجردة، أثبت أننا على خطأ.

ما اعتقدنا أنه نوع من الطوباوية، وفي أحسن الأحوال فكر مثالي، قد يصبح قريبا شرطا لا غنى عنه إن أرادت النظم الرأسمالية إنقاذ نفسها.

إن لم تكن حياة البشر أهم من الاقتصاد، فهي تساويها قيمة، وهي حتما أهم من الشعارات وأهم من السياسة والسياسيين.

كورونا لم يتسبب بقتل الناس فقط، بل وجّه مقتلا للاقتصاد العالمي، والسبب غياب العدالة الاجتماعية.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه الكتلة الشيوعية، ضلت الرأسمالية طريقها، يوم أصبح كل شيء مبررا لتحقيق الربح؛ استنزاف الموارد الطبيعية، تدمير البيئة، وفقدان الوظائف.

نحن مدينون لماركس باعتذار، ما تحدث عنه هو دور الدولة الذي لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق العدالة الاجتماعية، وعندما فشلت الشعوب في تطبيق تلك العدالة، جاءت عدالة كورونا لتقول لنا إننا على خطأ.

عذرا ماركس، بينما تفرغت أنت للدفاع عن الضعفاء، الذين لم ينالوا فرصتهم للعيش بكرامة، قسونا نحن عليهم، واتهمناهم بالتقصير والكسل.

لا نعلم كيف خدعنا هؤلاء الذين ولدوا وفي فمهم ملعقة من ذهب، وصدقنا أنه من العدل أن يقارن بهم من ولدوا ولم يطالوا حتى ملعقة من خشب.

كررنا نفس الخطيئة التي ارتكبتها ماري أنطوانيت، عندما قالت للذين أخبروها إن الشعب ثار لأنه لا يجد خبزا يأكله، لماذا لا يأكلون البسكويت؟

الحياة بعد كورونا لن تكون، ويحب أن لا تكون، كما الحياة قبلها، الحياة قبل الوباء سيطرت عليها الرأسمالية بنسختها المتوحشة؛ تلك التي قست على الضعاف والفقراء، الذين لم يسعفهم الحظ ليولدوا وملعقة الذهب في أفواههم.

كيف تجرأنا وساوينا بين من تعلم في مدارس خاصة في نيويورك ولندن وباريس، وبين أطفال كتب عليهم التنقل على أقدامهم مسافة طويلة يوميا، في طرق موحشة، لتلقي العلم في مدارس تنقصها ملامح المدرسة، حتى المعلمين؟

ما عجزت عن فعله الأفكار الاشتراكية، سيتكفل به فايروس كورونا، فهو بيننا ليبقى، إنه العدالة التي عجز عن تطبيقها البشر.

لا يمكن تجاهل التحذيرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية من أن فايروس كورونا المستجد قد لا ينتهي أبداً، وقد يستوطن في مجتمعاتنا، وينضم إلى مزيج الفايروسات التي تقتل الناس في أنحاء العالم كل عام.

لقد ثبت أن ضعاف البنية وكبار السن والفقراء، الذين يعانون من ضعف في المناعة بسبب سوء التغذية، هم الأكثر عرضة لفقدان الحياة بسبب الفايروس.

أربعون في المئة تقريبا من العاملين في الولايات المتحدة، الذين يقل دخلهم السنوي عن 40 ألف دولار، فقدوا أعمالهم بسب تداعيات كورونا، بحسب تقرير صادر عن البنك الفيدرالي الأميركي. وهذا يعني أن الفئة الأقل دخلًا هي الأكثر تضررًا من تداعيات تفشي الفايروس.

الفجوة بين الطبقة الغنية، وهي 10 في المئة من السكان، والطبقة المتوسطة تبلغ أكثر من 1000 في المئة؛ يجب على الموظف أن يعمل شهرا كاملا ليكسب ما يكسبه المدير التنفيذي في ساعة واحدة.

تفاوت الدخل هو القضية التعريفية الأولى للولايات المتحدة، حيث أضيفت 95 في المئة من الأرباح الاقتصادية إلى أعلى 1 في المئة من الدخل الصافي منذ عام 2009.

تمنح الثروة للفرد الأمان المادي، والهيبة الاجتماعية، وتعطيه قوة سياسية، يمكن استثمارها للحصول على ثروة أكبر، لذا تعد الثروة عاملا نفسيا يمنح الناس الشعور بالثقة والقدرة على التصرف.

الحديث عن حرية الاختيار، مجرد وهم، والرسالة التي يتكتم عليها الأثرياء، ويتصرفون وفقها هي، أنجبوا أطفالكم ليقوموا على خدمتنا.

الفجوة الآخذة بالاتساع بين الطبقة الثرية جدا وبين الطبقتين المتوسطة والفقيرة لن تدوم طويلا، وفق دراسة أجرتها مدرسة هارفارد للأعمال والتجارة، وينسجم ما جاء فيها مع أقوال للاقتصادي الفرنسي، توماس بكيتي، في كتابه “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”.

المستويات العالية جدا من التفاوت المادي متنافية مع القيم الفردية ومبادئ العدالة الاجتماعية الأساسية للمجتمعات الديمقراطية المتقدمة.

الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، دعا عام 2012 إلى زيادة الضرائب على الأثرياء في الولايات المتحدة، معتبرا أن النظام الحالي، الذي يستفيد منه الميسورون ليس عادلا، “الأميركيون الأثرياء يدفعون ضرائب بنسب تعتبر الأدنى منذ 50 عاما”.

وبفضل النظام المعمول به فإن مليارديرا مثل المستثمر، وارن بافيت، أو مؤسس شركة مايكروسوفت، بيل غيتس، يدفعان معدلات ضرائب أقل مما تدفع سكرتيرتاهما.. “هذا غير عادل وليس له معنى”.

الرؤية الإصلاحية لباراك أوباما، واقتراحه فرض ضريبة عرفت بـ”ضريبة بافيت”، أطاحت بالديمقراطيين، وأدخلت الجمهوريين إلى البيت الأبيض.

وبينما تقاعست الحكومات الأميركية عن السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية، انضم غيتس إلى بافيت وأعلنا عن قيام واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية، قدمت الدعم للمناطق المنكوبة، ووفرت الرعاية الصحية واللقاح ووسائل التعليم للبلدان الفقيرة.

وفي سبيل ذلك، تنازل كل منهما عن الجزء الأكبر من ثروته، وقال بافيت حينها إن 1.5 مليار دولار تكفيه وتزيد، حيث خصص عائدات بـ36 ملياراً تحت إدارته للأعمال الخيرية، ومثله عمل غيتس.

لو أن الأثرياء من رجال المال والأعمال التزموا بأخلاقيات بافيت وغيتس، لما شهد العالم الأزمة المالية، وأزمة الديون، ولتم القضاء على بؤر الفقر والفاقة، ولتوفر حد أدنى من العدالة الاجتماعية.

الأزمات المتلاحقة، ومن بينها جائحة كورونا، كشفت عن عيوب كبيرة في النظم الرأسمالية، كما تدار اليوم، وإن كان هناك من درس يمكن استخلاصه، فهو ضرورة وضع حدّ لتغوّل النسخة الحالية المتوحشة، وتأسيس رأسمالية دولة تبنى على العدالة الاجتماعية.


"العرب"