Shadow Shadow

في العنف والسياسة (2)

2020.03.20 - 09:16

كنعان مكية

  كنعان مكية مؤلف "جمهورية الخوف" و"القسوة والصمت" ورواية "الفتنة". يصدر له قريباً كتاب "في القسوة".

في القسم الأول من مقالنا هذا، ناقشنا الفرق بين الثورة والانتفاضة، وعلاقتهما بالعنف ودور الأخير في فشل الانتفاضات والثورات أو نجاحها. وخلصنا إلى أن شيوع قيمة المساواة بين الأفراد تكفل زج الجميع، من حيث المبدأ، في الفضاء السياسي.

 

لقد احتكرت نخبة لا تتعدى بضعة آلاف إنسان، فضاء العمل السياسي في عراق ما بعد ٢٠٠٣. وتشمل تلك النخبة أعضاء البرلمان والوزراء ومستشاريهم وقادة الأحزاب وقادة الجماعات المسلحة الموالية لإيران.

أما باقي الشعب العراقي فقد ظل غائباً، صامتاً، منتظراً تحقيق الوعود التي لا يمكن أن تتحقق بسبب نظام الدولة المبني على المحاصصة والطائفية. استمر الوضع هكذا إلى أن انفجر الشعب غضباً في تشرين الأول الماضي، وخرج شباب وشابات المستقبل العراقي بشكل سلمي، ليحتلوا ذلك الفضاء العامل للعمل السياسي الذي احتكرته النخبة الحاكمة منذ ٢٠٠٣. الأعداد هنا مهمة، النخبة المستفيدة من تشكيلة النظام الطائفي الحالية لا تتجاوز بضعة آلاف إنسان، فيما يقدّر تعداد الشباب المنتفض بمئات الآلاف في أقل تقدير (والمساندون لهم من الذين لم يخرجوا إلى الشوارع لأسباب مختلفة، يعدّون بالملايين).

هذه الأرقام أساسية لأنها تشكّل ميزاناً لشرعية السلطة، وفي اللحظة التي اتضحت فيها المعادلة للجميع أصبح واضحاً أننا دخلنا طور المجتمعات المُهيّأة للثورة، نظرياً في الأقل. أضف إلى ذلك عامل رمزية أحداث تشرين الأول الماضي. احتلال الساحات والشوارع العامة، قلب معاني عناصر المدينة على رأسها، لتصبح استعارات للمشاركة السياسية الجماهيرية الجديدة كالتي وصفتها في  الجزء الأول من هذه المقالة، ومقالي السابق،  المواطنة وفكرة العراق. هذا الذي كان غائباً، وصامتاً، ومنتظراً بعد ٢٠٠٣، أخذ يتكلم ويطالب ويعارض ويناقش مستخدماً كل ما هو متوافر له في المدينة التي أصبحت بين ليلة وضحاها مدينته لا مدينتهم؛ أي أنه أعاد اكتشاف المعنى الحقيقي للعمل السياسي بوصفه نوعاً من "الديمقراطية المباشرة" وفي الوقت نفسه أحيى مدينته بإضفاء معانٍ جديدة على عناصرها (التكتك، الرسم على الحيطان، حفلات الأكل والغناء في ساحة التحرير وسوى ذلك).

لم تعد ساحة التحرير مكاناً تهيمن عليه السيارات والهورنات، أو نصباً مهملاً من قبل بلديات بغداد يرمز إلى ثورة قديمة مرّ عليها الدهر، بل تحوّل نصب الحرية إلى رمز من رموز الحراك السياسي الجديد الذي أخذ شكل إرجاع المدينة إلى أصحابها. بذلك يمكن القول إن الناس عندما احتلوا الساحات أعادوا بناء مفهوم "المدينة" لتصبح استعارةً لتلك الفسحة من الحياة العامة التي أسميتها "سياسة".

هكذا يمكن القول إن قبضة النخبة الحاكمة الصغيرة انكسرت في العراق العام ٢٠١٩، كما كنا نقول إن "حاجز الخوف انكسر" في انتفاضة ١٩٩١. السياسيون والبرلمانيون والمستشارون الذين تعاقبوا على الحكم منذ ٢٠٠٣ أصبحوا أقلية صغيرة مقارنة بمئات الآلاف الذين احتجوا وأعادوا اختلاق مدينتهم، أي أعادوا تشكيل فضاءها السياسي؛ بهذا الفعل انفضحت النخبة المستفيدة من طائفيتها، وتعرّت أمام كل الناس. فشلهم بدا على وجوههم كما يقولون، ولم يعد لديهم كلام رداً على احتجاجات المتظاهرين، واكتساح شباب وشابات العراق فسحة السياسة وتوسيعها بشكل كبير جداً، فيما بقي السياسيون المحترفون في بيوتهم؛ إنهم هم الصامتون هذه المرة. مثل هذا الوضع غير مستقر بطبيعته، ومن عدم الاستقرار جاء إحساس النظام بالخطر.

هذا الشعور يدل على مدى نجاح التظاهرات، ولكنه أدى أيضاً إلى استخدامهم العنف، وهو كل ما بقي لهم من وسائل لاستعادة سلطتهم. عندها دخلت الحركات الاحتجاجية مرحلتها الحرجة الآنية. لنتأمل طبيعة هذا العنف. إنه من دون شك لا يضاهي عنف النظام السابق. لولا الظروف الاستثنائية التي مثّلتها حرب الخليج العام ١٩٩١، لما كان باستطاعة أحد أن ينتفض ضد النظام البعثي بأي شكل من الأشكال. هذه الحقيقة مُستمَدة من طبيعة النظام الشمولي البعثي قبل سقوطه. ولو كان صدام حاكماً، وخرجت تجمّعات شباب وشابات العراق في تظاهرات سلمية على غرار أقرانهم في ساحات القاهرة وتونس خلال الربيع العربي في ٢٠١١، أو الجزائر ولبنان اليوم، لقُتلوا بالجملة وبوحشية على منوال ما يقوم به النظام البعثي الحالي في سوريا، الذي قتل مئات الآلاف من المواطنين الأبرياء، والقتل بالقنابل والتجويع مستمر بوحشية فائقة في شمال غرب سوريا، وأنا أكتب هذه السطور.

مثل هذه الجرائم في سوريا والعراق لا تُنسى، ولكنها في الوقت نفسه تسحق وتدمر الثورات. إطلاق زمام مثل هذا العنف الذي لا حدود له يلغي فسحة السياسة داخل المجتمعات، كما يلغيها في الحروب بين المجتمعات. في مواجهة مباشرة بين عنف الدولة الذي لا يبالي وحشود كبيرة من الناس المحتجين، لا بد من أن تكون الغلبة للقوى النظامية الحكومية عبر سحق أعداد كبيرةجداً من المتظاهرين.

لأن العنف يضاعف القوة، نظام مُشكَّل من أقلية صغيرة يستطيع قمع الأكثرية بالعنف، وعشرة أشخاص مسلّحين يستطيعون قمع تظاهرة من ألف محتج يسيرون أمامهم. لن يثور الشعب السوري على ظالميه لأجيال قادمة بسبب عنف النظام، والشيء نفسه حدث في إندونيسيا خلال ستينيات القرن الماضي. بالمقارنة، كان أحد أسباب نجاح الثورة الإيرانية العام ١٩٧٩، هو أن الجيش الإيراني التابع للنظام البهلوي آنذاك، لم يفتح النيران على الحشود المحتلة لشوارع وساحات طهران، مع بعض الاستثناءات، ولو قام بذلك على نطاق واسع لأُخمِدت نيران تلك الثورة الكبيرة.

قد يكمن السبب في أن الجيش رفض أن يفتح النار على شعبه، أو لأن شاه إيران نفسه لم يأمر بذلك، كما يظن بعض المحللين، على الرغم من إلحاح ضباطه الكبار، وذلك لأسباب تظل غامضة إلى اليوم (في رأي المفكر السياسي عباس ميلاني؛ أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد ومؤلف سيرة أكاديمية مهمة عن الشاه، فإن الشاه انهار سيكولوجياً في الأيام الأخيرة من الثورة).

أجهزة العنف كما أسلفنا تعمل على مضاعفة القوة، ولكنها لا تمنح الشرعية لأصحابها أبداً، والشرعية هي المكسب الرئيس للتظاهرات التي اندلعت في تشرين الأول ٢٠١٩، وهو ما لا ينبغي أن تخسره الانتفاضة أبداً أو تعامله كأمر مفروغ منه، وإلا ضاعت فرصة الثورة. المهم في هذه الملاحظة الأخيرة هو أن الحال تختلف في عراق اليوم عما كانت عليه في سوريا أو عراق صدام، ولهذا أخذت حركات الاحتجاج العراقية طابعها السلمي.

الطبيعة الطائفية للنظام تعني أنه نظام منقسم على نفسه من حيث المبدأ، وحتى النخبة الداعمة له منقسمة في تصوّرها لذاتها، وليس للنظام مخرج من هذا المأزق. ليس للنخبة الحاكمة المتكونة من بضعة آلاف أصلاً، أي رؤية سياسية مقنعة تخدع بها نفسها، فيما كانت معارضة الشباب والشابات عراقية الرؤية، وهم يصرّحون بذلك؛ عراقيتهم في أعين كل مواطني العراق، إن دعموا تظاهرات اليوم أم لا، هي في النهاية مصدر شرعيتهم، والدلالة على أنهم لا ينطلقون من مصالح ذاتية أنانية.

في هذه الحقيقة تكمن الفرصة الكبرى للمتظاهرين، إذ إنهم لا يتعاملون مع دولة بالمعنى المتعارف عليه في الفكر السياسي (وكما كان النظام البعثي دولة). هي حكومة "جماعات" مسلحة بقيادات مختلفة تتنازع على المناصب بوصفها غنيمة، ما يترك الدولة ضعيفة وغير قادرة على أخذ القرارات الحاسمة مقارنةً بالماضي، بل هي غير قادرة على تنفيذ القرارات في حال اتخذته. لذلك تراها مسيّرة من شتى الأطراف، ولاسيما من قبل الحرس الثوري الإيراني (وهنا وجب علينا التفريق بين الحكومة الإيرانية التي لا علاقة لها بالملف العراقي، والحرس الثوري التابع لخامنئي والمسؤول على توسيع نطاق الثورة الإيرانية خارج حدود إيران).

بصورة عامة، لكي يكون العنف فاعلاً، فعليه أن يكون واسع النطاق حتى يصعب اجتنابه (كما كان في نظام صدام حسين خلال الثمانينيات)؛ أو عليه أن يكون قاسياً إلى أعلى الدرجات، بحيث يُدخل الرعب في قلوب أي معارض أو منشق (كما هي الحال مع نظام بشار الأسد اليوم). ولكن هذين الشرطين لم يتحقّقا في عراق اليوم.

بالمقارنة، تأمل عنف النظام الحالي في العراق: يلجأ إلى الميليشيات الموالية لإيران؛ إلى المسلحين الملثمين؛ إلى القناصين على سطوح البنايات؛ ثم إلى اختطاف الشباب واغتصاب الناشطات في التظاهرات. كل هذه الوسائل تدلّ على ضعف وخوف وارتباك، لا على قوة كامنة في بنية النظام الحالي؛ هذا نظام يعرف في قرارة نفسه أن شرعيته زائفة ومُستمدة من خارج الوطن، لذلك يخشى حتى استخدام قواته من الشرطة والجيش النظامي، لأن عناصره قد يرفضون توجيه أسلحتهم ضد شباب وشابات الانتفاضة، والنظام يعرف أيضاً عن يقين أنه سينهار في اللحظة التي تسحب إيران ثقتها به.

في الحقيقة، إن الكذبة الكبرى التي أسست لحكم هذه النخبة تركتها بلا معنى حقيقي لوجود يمكن الدفاع عنه؛ إنها، بلغة مقالتي الأولى في هذه السلسلة  فكرة العراق وانتفاضة تشرين ٢٠١٩، بلا أي "هدف سامٍ" عدا الغنيمة التي تختلسها من موروث الشعب العراقي. ولكن كل دولة، سواء كانت مستبدة أو غير مستبدة، تحتاج إلى أساس لتشريع سلطتها، وهذه في نهاية المطاف مسألة أرقام؛أعداد من البشر كما ذكرنا. على هذه التناقضات يجب أن يعمل الشباب المنتفض في تطوير استراتيجية لمواجهة عنف النخبة الحاكمة. 

لنتذكر دائماً أن كل عراقي، وانطلاقاً من كونه عراقياً، سواء كان موظفاً في الحكومة أو جندياً في الجيش، يعيش ولاءات متناقضة ومزدوجة في داخله، حتى عندما يرمي قنبلة مسيلة للدموع باتجاه الجماهير المحتجة. هذا الشرخ الموجود في قلب كل عراقي، موجود أيضاً في صرح الدولة الطائفية الحالية، وهو ما يجب استخدامه في تعامل المحتجين مع العنف الموجّه إليهم يومياً، والذي أسفر عن نحو سبعمئة قتيل وعشرات الآلاف من المصابين في الأشهر الستة التي مضت من اندلاع الانتفاضة الشعبية.

انتفاضة تشرين ٢٠١٩، حالها حال انتفاضة ١٩٩١، انبثقت من داخل شريحة عراقية خالصة، ولكنها أكبر من أعداد الجيش المنتفض أيام ١٩٩١؛ ثم إنها لا تتمرّد على نخبتها بروح اليأس من سنوات الحروب التي لا تنتهي، بل تنتفض باسم هدف أسمى غائب تماماً عن حكامها؛ هدف اسمه العراق. إنها إذن شريحة المستقبل بالمعنى الحرفي للكلمة، إذ ليس للعراق مستقبل من دونها. من هنا تنبع اعتبارات متعددة فيما يخص تكتيكات الانتفاضة الشعبية ومطالبها، ولاسيما ما يتعلّق بخطورة ممارسة العنف في مقابل ما عرفته من توسيع فسحة الحياة السياسية، عن طريق جلب أعداد أكبر وأكبر من المشاركين في العمل السياسي (لا عبر التظاهرات فحسب)، وكل ذلك قبل الامتحان الأول والأكبر الآتي للمحتجين من دون شك؛ الانتخابات القادمة.