Shadow Shadow

* كنعان مكية

في العنف والسياسة (1)

2020.03.11 - 22:25

مؤلف "جمهورية الخوف" و"القسوة والصمت" ورواية "الفتنة" يصدر له قريباً كتاب "في القسوة".

 تاريخ العراق الحديث تتخلله الحروب والثورات والانتفاضات. والحروب، كما يعلم مؤرخوها والمتخصصون بدراستها، قد تتحول إلى ثورات، كما في الثورة الروسية العام ١٩١٧ التي انبثقت من الحرب العالمية الأولى.

والثورات من جهتها تؤدي غالباً إلى حروب، كتلك التي أعقبت الثورة الفرنسية العام ١٧٨٩. في التجربة العراقية، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في ١٩٨٠، بعد حدوث الثورة الإيرانية في ١٩٧٩، فيما أدى غزو الكويت والحرب التي تلتها العام ١٩٩١ إلى انتفاضة في الجيش العراقي، وذلك عندما أطلق ضابط في قافلة دبابات هاربة من الكويت، قذيفة نارية على جدارية لصدام، حال دخوله ساحة سعد في البصرة.

وبعد تحطيمه الجدارية مباشرة، قفز الضابط من ظهر دبابته ليوزّع الأسلحة على الناس الملتفّين حوله في الساحة، وأخذ سائر الجنود والضباط العراقيين يفعلون الشيء نفسه، تلقائياً وعفوياً. لدينا، في هذا المثال العراقي، ثورة تعقبها حروب ومن ثم انتفاضة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، لكنها فشلت في إسقاط النظام البعثي وإحداث ثورة. من هنا، يبدوأن تلك الظاهرة التي نسمّيها "انتفاضة" هي فعل ثانوي بالنسبة للثورات، تدل بالتأكيد على وجود معارضة من قبل شريحة كبيرة من الناس ضد النظام الحاكم في بلدٍ ما، ولكنها دون المستوى المطلوب لإحداث ثورة.

عن ظاهرة الانتفاضة يمكن أن نقول بصورة عامة إنها تلك الحالة من التمرد أو النقمة العميقة التي تسبق الثورات أحياناً فتكون بذلك ضرورية لإحداث الثورة، ولكنها وحدها غير كافية؛ لذا قد يصفها البعض بأنها الشرارة الأولى لما قد يتحوّل إلى ثورة حقيقية، بعد تحقيق شروط أخرى.

مثل هذه الانتفاضات كثيرة وقديمة عبر التاريخ، وقد تكون قصيرة الأمد على غرار انتفاضة الجيش العراقي في ١٩٩١، أو تطول كانتفاضة الزنج على الخلافة العباسية في القرن التاسع الميلادي. عموماً تنطلق الانتفاضات كرد فعل على الاستعباد أو البؤس الشديد والتجويع وقسوة المعاملة ولاسيما بعد حرب طويلة لم يعد أحد يتذكّر لماذا أو كيف بدأت؟ وغالباً ما يكون رد الفعل على مثل هذه الأوضاع عنيفاً جداً، يأخذ شكلا لفعل العاطفي الصدامي الذي يعطي المنتفض معنى جديداً لوجوده، بل حتى الشعور بالراحة النفسية أحياناً، ولو لفترة قصيرة.

في مقدمته لكتاب فرانز فانون "معذبو الأرض"، مجّد المفكر الفرنسي جان بول سارتر عنف المظلوم التلقائي، والمُتعذر كبته، إذا جاء في غضون انتفاضة أو ثورة، وكتب أنه ضروري في "إعادة بناء النفس المظلومة". مهما كان موقفنا من مثل هذا التمجيد (ولا أستطيع شخصياً الدفاع عن موقف سارتر لأن فيه تبريراً لمبدأ الانتقام وتمجيد للعنف العدمي)، فالنتيجة الحتمية لاندلاع العنف في حالة الانتفاضة التي لا تتحول إلى ثورة، هي أن يستبدل الظالم والمظلوم مكانيهما، ليصبح المظلوم ظالماً والظالم مظلوماً من دون أي تغيير جذري في نمط العلاقة الاجتماعية، تلك التي كانت سبباً في اندلاع العنف في المقام الأول.

نعم، قد تنطلق الثورة من انتفاضة في بدايتها، ولكن التاريخ أحسن برهان على أن تحول الانتفاضة إلى ثورة أمر نادر، وكلما اقترن بالعنف الفاحش من الطرفين تقلّصت إلى حدٍ كبير فرص الانتقال الناجح إلى ثورة حقيقية. وهذا يضعنا أمام تساؤل عن ماهية الثورة بالضبط. الثورة ليست حالة دوران في حلقة مغلقة يديرها العنف، بل هي بداية جديدة. وما يترتب على الثورات دائماً هو قلب لعلاقة المجتمع بالدولة باسم هدف سامٍ مثل المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية. الثورات بهذا الوصف قليلة جداً ووليدة عصر الأنوار في القرن الثامن عشر، عندما شاعت للمرة الأولى في التاريخ فكرة أن كل إنسان على وجه المعمورة مختلف عن أخيه الإنسان، ولكنه في الوقت نفسه يتساوى معه في حقوقه السياسية؛ الشخصية والجماعية.

فكرة المساواة المطلقة بين الأفراد هذه، أي أن الإنسان يولد وهو مساوٍ لأخيه الإنسان بمجرد أنه قد وُلد، لم تكن معروفة على مستوى جماهيري في العصور العتيقة، وقد تجسدت تاريخياً للمرة الأولى خلال الثورتين الأميركية (١٧٧٦) والفرنسية (١٧٨٩). ويمكن اعتبار هذا الفاصل في الوعي بين العصور العتيقة والحداثة، الأهم على مدى التاريخ. هذا فيما يخص الفوارق بين الظواهر الثلاث: الحروب، والثورات، والانتفاضات. لنسأل الآن ما القاسم المشترك بينها؟ إنه عامل العنف من دون شك. العنف ظاهرة موجودة في الطبيعة بين الحيوانات، قبل دخول الإنسان على الخط بعشرات ملايين السنين.

وقد تكون أصول استخدام العنف في العلاقات بين البشر بايولوجية الأصل، إذ قد يوجد مَيل له في جينات الذكر أكثر من الأنثى، وربما يكون مرتبطاً بكوننا آكلي لحوم لا نباتات فحسب. ومثلما كان العنف موجوداً قبل ظهور الحضارات، فإنه موجود بحدّة داخل الحضارات وفيما بينها، ولاسيما في حياة الدول حديثة النشأة مثل العراق. المشكلة الفكرية الكبرى التي تواجه أي باحث في تاريخ العنف في العراق الحديث، تكمن في أن العنف والسياسة ضدّان؛ يحدث الأول دائماً على حساب الثاني، والعكس صحيح أيضاً. العنف في صميمه أداتي وحيادي، وليس له فكر أو خيال؛ هو وسيلة لتحقيق هدف، وليس الهدف بذاته.

نعم، هذا العنف يضاعف قوة الفرد؛ أي أنالرجل الذي يحمل بندقية هو المنتصر في مواجهة مئة منتفض. ولكن العنف، مهما تفاقم، لا يمنح شرعية لصاحبه. عندما كتب المفكر الألماني كارل فون كلاوس فيتش جملته الشهيرة في كتابه عن طبيعة الحرب "الحرب هي استمرار السياسة بوسائل أخرى"، كان يقصد اتخاذ قرار الحرب أو السلام (إيقاف الحرب)؛ لم يقصد عملية القتال نفسها، التي يتفشى العنف فيها ليحل مكان أي ذريعة، سياسية كانت أو غير سياسية. نعم، يُفترض أن يتقاتل طرفا النزاع عن قناعة وإرادة ومن أجل أهداف معينة.

لكن الإرادة العمياء وحدها ليست هي السياسة، لأنها مُحتكرة من قبل طرف واحد في النزاع، بينما تفترض السياسة طرفين، لذلك تصبح خارج نطاق الجدل خلال عمليات القتال. في الحروب، هناك ميزان عنف بين الطرفين يؤخذ بالحسبان، وهو يشمل أعداد المسلحين ووسائل وأدوات العنف الأخرى؛ ولكن بالقتال فحسب لا بالكلام (والسياسة كلها كلام) ينكشف من هو المنتصر، وهو ليس معروفاً سلفاً. العنف هنا يعدّ آلية لتحقيق الغاية (أرض، سلطة، غنائم)، أي أنه يحتاج إلى توجيه وتبرير من قبل إرادة في طريقها إلى الهدف الذي تنشده، والأمر الذي يحتاج إلى توجيه من خارجه، لا يمكنه أن يكون جوهراً لأيّ شيء.

بكلامٍ آخر، لا علاقة للعنف بجوهر ما أعنيه بالسياسة، في هذه المقالة. كل ما يقع تحت مظلة كلمة "السياسة" ينبع من واقع التعددية الإنسانية؛ أي حقيقة أنني لا أتواجد وحيداً على هذه المعمورة، بل فقط بالتعايش والاحتكاك الدائم عبر الكلام مع الآخر الذي هو ليس أنا. فسحة الحياة العامة للفاعلين "السياسيين"، أي حياتهم خارج خصوصية البيت وورشة العمل وعلاقات الدم، هي الفسحة المتاحة للكلام واللغة والأفكار وتبادل الآراء وتقلبات المعتقدات والتضامن مع هذه الفعالية لا تلك.

جميع هذه الأمور وغيرها، بما فيها مناورات النخب الحاكمة وصفقاتها، تشكّل جوهر كلمة "السياسة" كما استعملها هنا، وفي مقالاتي القادمة. في عهد تطغى فيه قيمة المساواة بين الأفراد، كما هي الحال في العراق الحديث الذي دخل مرحلة الحداثة بغض النظر عن رفض بعض الأشخاص لذلك أو قبولهم به، لا يمكن احتكار الفضاء السياسي من قبل نخبة صغيرة على حساب غالبية المجتمع من دون إثارة التساؤلات، بل غضب عامة الناس في نهاية المطاف.

منذ عصر الحداثة، أصبح مجال تلك الفعالية التي نسميها "سياسة" هو قابليتنا كبشر على التفاهم والإقناع عبر الكلام الحر الذي لا ولي عليه. بمجرد أن تدخل في هذه الفسحة المتاحة للجميع من حيث المبدأ (ترفع شعاراً، تكتب مقالة، ترسم صورة أو كاريكاتور، تشارك في تظاهرة، تلقي خطبة، تصوّت لمن تؤمن به، تحاجج أحداً، إلى آخره) وتقوم بهذا الفعل أمام باقي الناس لا وراء الكواليس أو بالمؤامرة، تكون قد دخلت في صلب معنى العمل السياسي الإيجابي الحداثي، المبني على فكرة المساواة السياسية والحريات الشخصية ضمن حدود يعيها كل مجتمعبطريقته الخاصة.

اقرأ/ي أيضاً للكاتب ضمن السلسلة: