Shadow Shadow

في الذكرى الثامنة لـ "الربيع العراقي"

تقدير موقف: دُخان ورصاص وتكنوقراط.. محطّات من مسار “الاحتجاج العراقي” منذ 25 شباط

22:56 الإثنين 25 فبراير 2019
article image

 

بغداد – ناس

تسير حركة المرور بشكل طبيعي للغاية في ساحة التحرير وسط بغداد، اليوم الإثنين الـ 25 من شباط 2019، المارّة يقاطعون عبور السيارات كالعادة، في الساحة التي كانت في مثل هذا اليوم قبل ثماني سنوات مُنطلق إحدى أكثر الاحتجاجات العراقية اتساعاً وتأثيراً وإثارةً للجدل.. وتعرضاً للعنف في أغلب الأحيان.

www.nasnews.com

دخول غير متوقع

ورغم أن كثيراً من المراقبين العرب لم يتوقعوا حينها أن ينضم ميدان في بغداد إلى قائمة الميادين المحتجة في صنعاء والمنامة والقاهرة وبنغازي وتونس، نظراً لوقوع العراق تحت تأثير تداعيات حرب العام 2003، وما تبعها من تفجيرات السيارات المفخخة والانتحاريين والعنف الطائفي، إلا أن ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية انضمت إلى نظيراتها، وسجل مساء الجمعة 25 شباط تظاهرة حاشدة، طالبت حينها بإنهاء المحاصصة الطائفية، وإصلاح النظام السياسي في البلاد، لتبدأ رسمياً فصول “الاحتجاج المدني” في العراق، الذي بقي قبل ذلك التاريخ مقتصراً على المبادرات المنفردة أو الآنية.

 

 

www.nasnews.com

“مئة يوم..”

وتحتفظ ذاكرة الاحتجاج بمفردة “مهلة مئة يوم” التي طلبها رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي من المحتجين، للبدء بتطبيق اجراءات اصلاحية عاجلة في ما يتعلق بالخدمات وتحسين مستوى معيشة المواطنين والإصلاح السياسي، ومع ورود مفردة “مئة يوم” في برنامج رئيس الوزراء الحالي عادل عبدالمهدي، استعاد العديد من الناشطين ذكرى المهلة السابقة، التي يقول الكثيرون أنها “لم تسفر عن شيء”.

ويقول متظاهرون شهدوا أحداث شباط 2011 أن “الرأي لم يكن منعقداً بين جميع المتظاهرين ومنظمي التظاهرات حول قرار تعليق التظاهر وصولاً إلى نهاية المهلة، إلا أن مبادرة المئة يوم أوقعت بالفعل جدلاً في الساحة، خاصة مع استمرار قمع المتظاهرين”

 

www.nasnews.com

“خروج عن النص”

وتراجعت تدريجياً حدة الاحتجاجات، وصولاً إلى الإنسحاب الاميركي من العراق، ثم اعتقال أفراد حماية وزير المالية آنذاك رافع العيساوي، لتعود التظاهرات من جديد إلى شوارع محافظات صلاح الدين ونينوى والانبار، لكن بوجه آخر هذه المرة، حيث تراجعت مطالب الإصلاح الشاملة التي كانت تُرفع في بغداد، لصالح مطالب أخرى أكثر فئوية، تعلقت في الغالب بالمكوّن السني، كقضية “الاعتقالات التعسفية” ومواد قانون مكافحة الإرهاب، وصولاً إلى الغاء الدستور واعلان اقليم سني.

ومع خروج الحركة الاحتجاجية الجديدة عن “أدبيات ساحة التحرير” و”مطالب الإصلاح الشاملة” بدأت الاحتجاجات تأخذ بشكل اوضح “طابعاً سنياً خالصاً” وتسارعت الاحداث وصولاً إلى الاشتباكات المسلحة مع القوات الأمنية، ثم أحداث فض اعتصام “الحويجة” فظهور تنظيم داعش الذي تمكن من السيطرة على قضاء الفلوجة أواخر العام 2013، ثم مدينة الموصل منتصف 2014، فصلاح الدين ثم الرمادي عام 2016.

www.nasnews.com

 

بعيداً عن بغداد والموصل.. ظهور “البصرة”

منتصف العام 2015 اندلعت تظاهرات غاضبة شمال محافظة البصرة، احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي وسوء الخدمات، مثّلت اول استعادة لمسار الاحتجاج السلمي بعد تداعيات أحداث “ساحات الاعتصام” وسريعاً سقط أول الضحايا بنيران القوات الأمنية، “منتظر الحلفي” الذي حُملت صورته في اليوم التالي خلال تظاهرات متضامنة انطلقت في ساحة التحرير وسط بغداد، ورغم أن الاوضاع اتجهت لاحقاً للهدوء في البصرة، إلا أن متظاهري العاصمة استمروا بالتزايد، موسعين المطالب نحو الإصلاح الشامل ومطالبة حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي آنذاك، بسقوف زمنية لتلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية، فيما تطورت لاحقاً إلى المطالبة بتغيير الوزراء السياسيين، واستبدالهم بـ “تكنوقراط” مهنيين من خارج هيمنة الاحزاب.

 

www.nasnews.com

“عصائب وصدريون”

ومع تعهد المتظاهرين في ساحة التحرير، بعد تظاهرة 31 تموز 2015 باستمرار الاحتجاجات، اسبوعاً بعد آخر، عرضت حركة عصائب أهل الحق “خدماتها” معلنة دعمها للاحتجاجات، ودعت كوادرها للنزول إلى الساحة عبر ما أسمته الحركة بـ “الحشد المدني”، بعد أن فاوضت بعض منظمي التظاهرات، إلا ان اشتراك الحركة لم يكن اجراءً موثوقاً لدى جزء من المتظاهرين، فيما دعا آخرون للإستفادة من جميع الخيارات، وبينما استمرت تظاهرات ساحة التحرير بتسجيل المنسحبين والمحتجين والمنضمين الجدد، سجّلت ساحات التحرير عام 2016 الحضور الصدري الأبرز، متمثلاً باشتراك زعيم التيار أكثر من مرة، في التظاهرات شخصياً، وتدريجياً تبلورت فكرة الإدارة المشتركة لشؤون التظاهر بين النشطاء المدنيين، ونظرائهم الصدريين، وهو ما ولّد انقسامات اضافية من ناحية، وساهم برفد الحركة الاحتجاجية بملايين المحتجين من جهة أخرى.

 

www.nasnews.com

“تكنوقراط”

ومع نهاية العام 2016 وما رافقه من احداث عنيفة، نجح المحتجون بتغيير عدد من الوزراء، واستبدالهم بآخرين وُصفوا بالـ “تكنوقراط” كوزير الموارد المائية حسن الجنابي، ووزير النقل كاظم فنجان، ووزير النفط جبار لعيبي، ووزيرة الإسكان آن نافع، وهو ما ساهم نسبياً بـ “تبريد” الأجواء، وتراجع الحركة الاحتجاجية.

 

www.nasnews.com

“العودة إلى البصرة: صيف متأخر”

في العام 2018، بلغت  الاحتجاجات في محافظة البصرة ذروتها أواخر الصيف، فبعد أسابيع على التظاهرات التي اندلعت للمطالبة بتوفير المياه الصالحة للشرب، أحرق متظاهرون القنصلية الإيرانية في المحافظة، فيما شنوا هجوماً على مكاتب العديد من الاحزاب والحركات المسلحة، وبينما انشغلت الاوساط السياسية بالتباحث حول اختيار رئيس الوزراء، كانت النيران في البصرة تنهي تدريجياً حظوظ الولاية الثانية لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وهو ما ألمح إليه الأخير من أن “الاحداث الأخيرة كانت مفتعلة وغرضها تصفيته سياسياً”

 

www.nasnews.com

“عهد الاحتجاجات الفئوية”

ومنذ تسلم رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي مهام عمله، تستمر الاحتجاجات بنمط جديد، يعتمد “اللامركزية” في مكان الاحتجاج، كما يبتعد عن المطالب والعناوين “الكبرى” لصالح المطالب الفئوية، كما في تظاهرات نقابة المعلمين وذوي المهن الصحية بالإضافة إلى المهندسين الزراعيين وخريجي هندسة النفط، جميعهم نظموا وقفات احتجاجية في المحافظات، فيما صعدت نقابتا المعلمين وذوي المهن الصحية الاحتجاجات إلى الإضراب وتعليق الدوام.

وركزت سلسلة الوقفات الاحتجاجية الاخيرة على المطالبة برفع التسكين الوظيفي وزيادة الخطورة إلى 100%، وتشريع قانون التأمين الصحي، فضلاً عن تخصيص قطع أراض سكنية، فيما التقى رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي بوفد من نقابة المعلمين، واعداً بتنفيذ مطالبهم.

من جانب آخر، تتصاعد تدريجياً أنماط الاحتجاج المناطقي، كما في شرق بغداد، كمناطق المعامل وجسر ديالى، التي نفذت احتجاجات أغلقت فيها طرقاً خارجية، للمطالبة بتحسين الخدمات في منطقتهم.

 

www.nasnews.com

“معالجات موضعية.. أكثر سهولة”

وبشكل عام، يعكس فراغ ساحة التحرير من الفعاليات الكبرى تحوّل مسار الاحتجاج إلى المناطقية والفئوية، حيث تفضّل كل فئة، التلويح بما تستطيع أن تلوّح به من ضرر على النظام العام للمطالبة بتلبية مطالبها، كما في المعلمين المضربين الذين أربكوا الدوام الرسمي قبل ان ينهوا الإضراب، أو ذوي المهن الصحية، الذين هدد اضرابهم بـ “كارثة” صحية يدفع ضريبتها المرضى، أو حتى بالنسبة لسكان المناطق المتضررة الذين لم يجدوا سوى قطع الطرق الخارجية التي تمر من مناطقهم، كأسلوب للتأثير في قرارات الحكومة واجبارها على تحقيق المطالب.

وهو ما يدفع الحكومة إلى اجراء معالجات “موضعية” لكل فئة على حدة، الامر الذي يظهر ملامح عهد جديد في التعامل مع الاحتجاجات يختلف تماماً عن ما كانت تفرضه احتجاجات ساحة التحرير المركزية، والتي كانت تطالب باصلاحات جذرية -غير فئوية- تتعلق بشؤون وطنية شاملة.

 

www.nasnews.com

“هل نجحنا”

وحول نتائج الحراك الذي استمر نحو 8 اعوام، بشكل متقطع، يقول محتجون –محبطون عزف أغلبهم عن المشاركة في الفعاليات- أنه لم يحقق مطالبه، فيما يصرّ آخرون –متفائلون- على أن الحراك طويل المدى، هو ما أجبر الطبقة السياسية على مراجعة حساباتها في اختيار المرشحين، وأن الاحتجاجات فرضت نفسها على أهم مفصل في المشهد السياسي، حين دفعت الكتل السياسية إلى انهاء حقبة اختيار رئيس وزراء من حزب الدعوة واستبداله بمرشح آخر قاطع الفعاليات السياسية خلال السنوات الماضية.. يقول أحد أبرز المنظمين رداً على القراءات التي تقلل من مكاسب الحراك “الذين كانوا يتوقعون إلى تحقيق المعجزة عبر الحراك السلمي والاحتجاج لم يطلعوا بما يكفي على تجارب الشعوب.. هذه المكاسب هي دفعة أولى من دفعات ستستمر بالتدفق مادام الاحتجاج مستمراً” 

www.nasnews.com

“تباعد مسافات”

ورغم أن احتجاج بغداد استفاد من ما سُمي عام 2011 بـ “الربيع العربي” وكان جزءاً ممتداً للحراك الإقليمي، إلا أن فكرة الحراك المتزامن تتراجع بشكل مستمر، مع انشغال كل منطقة ودولة -وفي بعض الاحيان مدينة- بالهموم والمطالبات المحلية، ومع أن بلداناً مثل الجزائر والسودان تخوض منذ مطلع العام الحالي تحركات شعبية متزامنة، إلا أن اختلاف طبيعة المطالبات بين ميادين الاحتجاج في الدول، أو داخل الدولة ذاتها قد يجعل من الصعب استعادة لحظة مطلع العام 2011 التي اطلقت شرارة احتجاج شعوب عدة دول باتجاه واحد، وهو تغيير أو اصلاح أو اسقاط الانظمة الحاكمة، خاصة مع ظهور مخاطر العنف الأهلي في دول مثل مصر، أو تجلي نتائج تلك المخاطر كما في سوريا والعراق واليمن، وهو ما ساهم في تراجع الثقة بالخيارات الثورية التي قد تستصحب معها ضرائب باهضة على مستوى السلم الأهلي.

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل