Shadow Shadow

* محمود الرازي

جنرال الدبلوماسية والمهمة غير المستحيلة

20:00 السبت 18 مايو 2019
article image

*محمود الرازي

عن كتاب “سعادة السفير” لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف.

“سعادة السفير” هو كتاب يعكس نظرة شخص يؤمن بأن لبلاده مهمة تبليغية ورسالية صعبة، ولكنها ممكنة وليست مستحيلة.
يخوض السيد محمد جواد ظريف حراكاً دبلوماسياً من أرفع المواقع الدبلوماسية في أهم المؤسسات الدولية التي أنشئت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لترسيخ حكم المنتصرين ولإعطاء هذه المنظومة العالمية الجديدة شرعية دولية والتحكم بقواعد فك اشتباك جديدة ولكن محدودة للبعض منهم.
وفي هذا الحراك الذي نشط فيه السيد ظريف في ظرف معقد بالنسبة لبلده وبالنسبة للعالم فإن كون دولته ايران تحمل شعار (لا غربية ولا شرقية بل جمهورية إسلامية) يجعل الحاجة مضاعفة الى رجالات ذوي مواصفات خاصة، ويساعدونها في النجاح لاكتساح هذا الجمود الصلب او هذه المعادلة المعقدة المتماسكة لدول معسكر الشرق والغرب المتحالف في استمرار هيمنة دولها الخمسة دائمة العضوية في مجلس الامن على العالم عبر مؤسسة الأمم المتحدة، وبما يجعل السؤال مهماُ عما إذا كان بمستطاع التي لا تمتلك العضوية الدائمة في مجلس الامن ان تحدث تأثيراً او تغير مساراً او تسجل نقاطاً مؤثرة على مسيرة العالم؟
إيران وعبر دبلوماسيتها المرنة تحاول ذلك. لقد كان هذا السؤال مهماً وقد واجهته الخارجية الإيرانية وكادرها المتقدم، حيث يحاول السيد ظريف كأحد واجهات الدبلوماسية الإيرانية المهمة الإجابة عليه.
السفير السابق ظريف يحاول ان يعكس في هذا الكتاب صعوبة المهمة وطبيعة تعقيدات المعادلة الدولية والداخلية الإيرانية وجمالية او غنى التجربة لمن يريد ان يدخل هكذا حلبة او معركة مدركاً جيدا أهمية الدبلوماسية كآلية في ايجاد موطئ قدم كبير لجمهوريته الجديدة من خلال تمكينه وزملائه امام هذا الامتحان الوطني.

هذه المذكرات عموماً تغطي ثلاثة ملفات مهمة؛ ملف الحرب بين النظام الصدامي والثورة الجديدة في ايران، وملف العلاقات الدولية واهميتها ومراحل تطور جهاز الخارجية الإيرانية معها، وملف المباحثات المتعددة بين ايران والدول والمنظمات المختلفة حول تطور امكانياتها النووية. فيما يتضمن الكتاب بعض الإشارات والعبِر هنا وهناك والتي ممكن ان تفيد قارئه. فهو، مثلاً، يتحدث بتفصيل عن الفرق بين التجربة الدبلوماسية الثنائية والمتعددة، ويوضح ان لكل منهما مستلزماتها وخصائصها ومسببات فشلها او نجاحها، وكذلك فهو يقارن بين أمناء الأمم المتحدة المختلفين الذين تعاطى معهم منذ عمله في بداية الثمانينات من القرن الماضي، كما أن المؤلف يتحدث عن أهمية ان لا يكون الكادر الدبلوماسي حزبياً او يُستقطب بسرعة.

العمل الدبلوماسي عمل متميز ويحتاج الى فهم عميق لطبيعته لكي يعرف من يعمل فيه انه من اجمل المهن التي ممكن ان يسلكها الانسان في الوصول بأفضل الطرق الى مصالح بلاده وهو خارجها، وتم إعطاء تعريف جميل للدبلوماسية في هذا الكتاب بأنها “فن ربط عناصر القدرة الوطنية – بأفضل شكل – مع الظروف الدولية المرتبطة بالمصالح الوطنية”.

كتابة ونشر المذكرات خصلة مفيدة لمن يريد ان يغني المكتبة والثقافة السياسية او الأدبية عن تجربته، ستكون اكثر فائدة ووضوحاً عندما تكتب وكاتبها خارج الحكم والسلطة او متقاعداً وبعيداً عن تحمل يوميات المسؤولية للدولة.
هل كان هذا الكتاب غنياً او صريحا او هادفاً لو كان السيد ظريف ما زال في الحكم اثناء كتابته ونشره؟ لا اعتقد ذلك، بل أقول ان من ضروريات المنظومة الصحيحة ان يأخذ المقاتل على جبهات الحدود او اهل الثغور والسفارات فسحة او استراحة ليراجع فيها اداءه وينقل تجربته لزملائه واتباعه. هذا النوع من الثقافة والمنظومة موجودة في الغرب وعليه لا يرى احدهم انه مهمش اثناء ابتعاده عن المسؤولية لسنين بل يسعى ليتعلم ويكتب وينشر ويثقف المجتمع عن مختصر تجربته.
طبعاً ان تكون هذه الكتابات موضوعية وغير مشخصنه فتلك خصلة تضاف لصاحبها وتعطيه الفرصة اكثر في الرجوع الى السلطة والقرار لاحقاً ليكمل المسيرة بعد فسحته ومراجعته اثناء ابتعاده، الطوعي او الاجباري، المؤقت.

من يقرأ هذا الكتاب يأتي بانطباع لا سبيل للهروب منه، ان المبعوث الأسبق الإيراني للأمم المتحدة ووزير خارجيتها الحالي جواد ظريف شخص ذو خبرة تراكمية متعددة في مجال العلاقات الدولية وعمل ممثلاً لبلاده على مستويات مختلفة وفي حقب سياسية مختلفة مرت بها بلاده خلال أربعة عقود من نظام سياسي فريد من نوعه. حاول في هذا الكتاب أن يعبّر عن مختصر التجربة المتميزة من خلال حوار صريح وشامل في عدة جوانب شخصية وحكومية وفي اكثر من جغرافية عمل فيها.

الكتاب يتحدث عن مسيرة رجل هاجر من بلاده نحو الغرب وهو في ال١٦ من عمره. يا ترى كم اثرت فيه هجرته لوحده الى بلد وثقافة لم يألفها من قبل، ومن جانب اخر هذا النوع من العصامية والاعتماد على الذات لم تأتِ من فراغ بل نمت ونضجت في الشخصية وجعلت منه شخصاً لا يهاب المستقبل ولا يبتعد عن الحراك ان تطلب ذلك.
لقد علمتنا التجربة التمييز في تقييم رجالات السياسة ممن كان حديث العهد معها او ممن انغمس فيها وتمسك بخط سياسي معين منذ نعومة أظفاره. إذ ان من التحق بالعمل السياسي وهو في منتصف عمره ليس كالذي اتخذ هذا الطريق وهو فتى. السيد ظريف من هذا النوع من الرجالات الذين يهوون العمل السياسي ويحملون هم مشروعهم على طول الخط، فهم يعيشون في الوئام مع انفسهم وان كانت الأجواء حولهم متوترة، فالسعي لإنجاح المهمة عندهم اهم من النتيجة، والغاية عند هؤلاء عموماً لا تبرر الوسيلة، بل هم يعلمون ان مسيرة الالف ميل تبدأ بخطوة وسكينة لا بطفرة. فهي نتاج تجربة فريدة وصيرورة عصيبة وليست سهلة الاستنساخ كما يظن البعض. فالرجل صنعته التجربة والخبرة الطويلة وتدرج معرفياً ووظيفياً في السلك الدبلوماسي من جندي محلي الى جنرال الدبلوماسية الإيرانية. فقد يخوض معاركه من موقع الجندي الذي ينفذ خططاً هو لا يرسمها ويجيد القتال من اجلها اعتقاداً بان هذا هو اقصى ما يستطيع ان يقدمه في معركة بلاده بنظامها السياسي الجديد وفكرها الايديولوجي غير المرغوب به من قبل الكثير من الدول المحيطة والبعيدة عن دولته ايران.

فهو يسعى لان يأخذ مواقع مؤثرة ومهمة وان لم تكن بالدرجات السياسية او الدبلوماسية الرفيعة، فهو طموح ولكن يعرف ايضاً ظروف بلاده وطبيعة الصراعات الداخلية الضرورية التي على كل تجربة حديثة ان تمر بها. يعلم ان بلاده ستحتاجه وعليه ان يكون صبوراً ويستفيد من الوقت لتطوير ذاته وشبكة علاقاته، انه طموح ولكنه قنوع ومدرك لما هو ممكن ايضاً. فهو يعرف جيداً نمط الشخصية الايرانية وتأثيرات هذا النمط المعقد على السلوك السياسي والاداري والدبلوماسي والعسكري لبلاده. يعرف جيداً انه لكي ينجح فسيحتاج ان يعلو صوت الدبلوماسية الهادئة على الصرخات الحماسية والثورية والمبدئية للثورة الجديدة، يدرك ان الاندفاع والتوكل على الغيب من دون دراية معمقة للواقع الدولي ومحددات العلاقات الدولية وتأثيراتها على المصالح سيحتاج منه ان يمتلك خبرة المشي في دهاليز معقدة تعتمد الاقناع والموهبة والذكاء ومعرفة خريطة النفوذ وصراع الخطوط الايديولوجية والتوازنات التي تحكم مسيرة نظام بلاده. فاذا به يسعى دوماً الى الحصول، مع رفاق دربه الثوريين واعداءه، على هدنة هنا ومساومة هناك واغراء بمصالح ومشتركات هناك مؤملاً ان يتحكم العقل اخيراً وان ينقل قواعد اللعبة من صفرية الى ربحية. نراه في هذه المذكرات يحاول ان يفرض معادلة ولكن في الوقت نفسه نعرف ان الاخر (الشريك والعدو) لديه حساباته الخاصة وِفق معادلة الربح والخسارة التي تفرض نفسها عليه رغم كل التحضيرات والارادات الإيجابية.

من المفيد ان نذكر ان السيد ظريف يعكس دوماً في هذا الكتاب حالة الصراع المستمر وعلى الجبهات المختلفة التي تعيشها جمهورية ايران بعد نجاح ثورتها وازاحة نظامها الملكي، يعرف جيداً ان ايران تعيش ازمة علاقات دولية وتوتر مع الولايات المتحدة واخرين، وان ايران تعتبر دولة متمردة على المنظومة الدولية حسب فهمهم، وان هذا التوتر في مجالات مختلفة اهمها السياسية والعسكرية والدولية، وان التوتر سوف لن يزول قريباً ما دامت ايران متمسكة بأهداف ثورتها. ويعرف جيدا انه وان كان يُقَّيم او يعتقد بانه جنرال في ساحته الدبلوماسية ولكن في الوقت نفسه نراه بوضوح يعكس انه جندي صغير لبلاده ورهن اشارتها، وعليه ان يلعب دور الجنرال المخلص والجندي المطيع لأوامر قيادته ونواهيها والمقدّر لمصالح بلاده والمدرك ان التكتيك والمناورة هما احدى مستلزمات النجاح في حقل الغام السياسة. رغم كل ذكائه وحنكته وتجربته، لابد ان يُدرك ايضاً – وهو كذلك – ان حسابات الدبلوماسية لا تتطابق دوماً مع حسابات السياسة المحلية، خاصة وانه كالجندي في حقل ألغام السياسة، كما اسلفت، قد يخسر يوم ويربح يوم اخر.

نرى كذلك بوضوح كيف ان السيد ظريف يعكس طبيعة الصراع للفكر السياسي او السلطوي بين اجنحة بلاده المختلفة في العقود الاربعة التي تلت مجيئ حكومة ولاية الفقيه لإيران بعد حقبة ملكية كانت موالية للولايات المتحدة والغرب وإسرائيل. هذا الصراع والاختلاف او في بعض المرات الخلاف الإيراني الداخلي حول الاستراتيجية او منهج التعاطي مع المنظومة العالمية وخصوصاً الولايات المتحدة كقطب اوحد على الساحة الدولية واضحة في هذا الكتاب الممتع، وبالأخص لمن يهتم بالشؤون الدولية عموماً ولإيران خصوصاً. مع ملاحظة ان دماثة أخلاق الرجل ومهنيته لا تسمح له الا ان يستخدم مفردات انيقة وإيجابية، وان كانت تظهر فيها غضبه او امتعاضه، تجاه من اختلف معهم من زملائه في قيادة الجمهورية الإسلامية.

يكشف كتاب (سعادة السفير)عن أهمية الخبرة والكفاءة وأسباب بعض إخفاقات ايران في الميدان الدولي، ويخلص إلى أن الممارسة والتجربة والتعلم منها والمراجعة هي مقدمة ضرورية للنجاح والتطور.
يقول المؤلف نحتاج الى التعقل في التعاطي مع الاخر وان اختلفنا معهم، وهو يعرف ان هذه لا تأتي بالشعارات البراقة او المواقف غير المدروسة بل بالنظرة الموضوعية للأمور بعيداً عن التشنج وإلغاء دوافع الاخر. وخصوصاً مع الادراك ان ايران تقدم نفسها كنموذج سياسي فريد لا يمكن ان يندمج مع أوركسترا المنظومة العالمية بسهولة بل يريد ان عزف موسيقاه الخاصة ويطلب من الاخرين ان يلتحقوا بها.

اذن ان تمثل بلادك في محفل معين او ان تكون رئيساً لبعثة في بلد ثانٍ هو تجربة مفيدة لمن يريد ان يخوض في الدبلوماسية ويتعلم منها، ومن جانب اخر ان تعمل بمستوى كادر متقدم في وزارة خارجية لبلد عليه حصار اممي لعقود، او على الأقل من الدولة القطبية الوحيدة مثل الولايات المتحدة، فتلك تجربة أخرى تكمل التراكمية المهنية لمن يريد ان يتطور وان يسبق الزمن بأثره الشخصي على مسيرة بلاده التي يحبها حب جما.

نجح السيد ظريف في الكشف عن الكثير من الأمور في هذا الكتاب، هي اقرب الى مكاشفة الواقع والظروف من مكاشفة مع النفس او الذات. نرى منه مراجعة لمنهج التعاطي مع الاخرين داخل اقبية الخارجية او مع الدول الأخرى في المؤتمرات الدولية، ولكننا قلما نجد مكاشفة لظريف مع نفسه، ولعلها احدى اهم ملاحظاتي عليها. مع هذا نستطيع رؤية عصامية الرجل وقناعته بالممكن مقابل التطلع العالي الذي يريده لبلاده ولشخصه. تراه مؤدباً جدا في النقد ولكن في الوقت نفسه لا يترك فرصة للأخر من دون ما يشرح له معطيات قناعته وأسباب مواقفه والمشتركات فيما يسعى لها اثناء الحراك الدبلوماسي.

فالمراقب للشأن الإيراني يرى بوضوح حاجة ايران الى كادر دبلوماسي متميز يتحمل عبء المهمة مدركاً ان تركيبة النظام المعقدة يعني ان نجاحه مرتبط بحاجته لكادر ذو قناعات راسخة ومثابرة وما يبذله من جهود يمكن ان يحبط ويبدد بتصريح هنا او هناك من مسؤول عسكري او برلماني او حتى علماء الدين ذو المواقع السلطوية او الدينية. الاستقالة او الابتعاد عن حلبة الحراك ستكون حاضرة عنده دوماً وخصوصاً مع كثرة الاحراجات او التدخلات والضغوط من هؤلاء الذين قد لا يدركون حجم الجهد المطلوب لتغيير المعادلة الدولية لصالح ايران.

محمد جواد ظريف يمثل للدبلوماسيين مثالاً حياَ ومهماً ونموذجاً للعطاء حول أهمية الايمان بالمهمة للنجاح فيها. هل سنحتاج الى جزء ثانٍ من مذكراته لنعرف بقية الآراء والرؤى “الظريفية” حول الملفات المهمة مثل كيفية التعاطي مع الإدارة الامريكية الحالية؟
ربما لا ينشر الجزء الثاني قريباً، إذ ان مهنية السيد ظريف تمنعه من الإفصاح عن كل شيء لحين الاعتزال النهائي ان حصل، ومن جانب اخر يخطر على البال سؤال ان كانت الدبلوماسية تكفي كمنهج لردع او الانتصار على الاخر ام انها مطلوبة فقط لفترة محددة من دورة حياة الصراع؟ على كل حال سيبقى ظريف جنرال الدبلوماسية الذي اعطى ايران ذلك الوجه الممتنع الجامع.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل