fbpx
Shadow Shadow

ماذا عن الدمار المذهل؟

نينوى: بلدة “كرمليش” المسيحية منزوعة السكان .. هواجس “الاختفاء” تؤرقهم في المهجر

15:12 الإثنين 01 يوليو 2019
article image

بغداد – ناس

سلط تقرير لمجلة ذي اتلانتك، الأميركية الضوء على هجرة المكون المسيحي في العراق، وتأثره بدخول تنظيم داعش إلى البلاد، بالإضافة إلى هجرتهم إلى أميركا، وسرد سكان محليون تفاصيل احتلال داعش لسهل نينوى والمشاهد الأولى للتحرير على يد القوات الأمنية.

ويقول التقرير الذي ترجمه موقع “درج” وتابعه “ناس”، اليوم (1 حزيران 2019):”وصلتهم المكالمة المنتظرة بعد فترة وجيزة من عيد الفصح عام 2014، كانت أسرة كاترين المكو تقدمت قبل ذلك بأربع سنوات بطلب للحصول على تأشيرات إلى الولايات المتحدة، كان زوجها إيفان حلاقاً لدى الجيش الأميركي في سنوات احتلال العراق الأولى، سألهم موظف من منظمة الهجرة الدولية على الهاتف، هل أنتم مستعدون؟، فقد حُدد موعد مغادرة العائلة بعد أسابيع قليلة”.

وينقل التقرير عن كاترين، “كنت في غاية الحيرة”، وفي سنوات انتظارهم تلك التأشيرات، دارت نقاشات بينها وبين إيفان حول ما إذا كانت الهجرة ما يريدانه حقا،. نشأ كلاهما في كرملش أو كرمليس، وهي بلدة صغيرة تقع في سهل نينوى، الموطن التاريخي للمسيحية في العراق، حيث امتلك إيفان صالون حلاقة بالقرب من إحدى الكنائس، وأحبت كاترين مطبخها، الذي كانت تمضي فيه معظم يومها في خبز فطائر محشوة بالمكسرات والتمر، وكانت أسرتهما تعيش معهما هناك: إخوتها الخمس ووالداها المسنان وشقيقا إيفان، لكنهم كانوا يعيشون في خطر دائم. قالت كاترين، “جميع من كانوا يعملون مع الجيش الأميركي، كانوا عرضة للقتل”. أصيب إيفان جراء انفجار وقع بالقرب من قاعدة عسكرية أميركية في الموصل عام 2004. وحتى بعدما توقف عن العمل مع الجيش، كانوا خائفين من أن يصبح ضحية للعنف. وتفاقم ذلك الخوف بسبب دينهم؛ إذ استهدف المتمردون في سنوات الحرب الكنائس والبلدات المسيحية بانتظام في حملة إرهابية ترويعية.

nasn

تراجع ديموغرافي 

انخفض منحنى تراجع أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط -الذي كان منحنى تنازلياً ثابتاً- بحدة بالغة خلال الآونة الأخيرة. إلا أن أعداد المسيحيين في العراق تحديداً لافتة للانتباه: فقبل الغزو الأميركي عاش حوالى 1.4 مليون مسيحي في البلاد. الآن لم يبق منهم سوى أقل من 250 ألف مسيحي، وهو انخفاض حاد بلغت نسبته 80 في المئة، في غضون أقل من عقدين.

وتابع التقرير، “قررت عائلة المكو الرحيل، حاول المقربون إقناعهم بالبقاء في كرملش، تتذكر كاترين القس ثابت، شقيقها الأكبر، وأكثر المدافعين المخلصين في البلدة، وهو يقول لها، لا ترحلي، ابقي هنا، بقي آخر الزوار المودّعين -إحدى شقيقات كاترين- إلى ما بعد منتصف الليل، كان من المقرر أن ترحل العائلة في غضون ساعات قليلة لكن كاترين لم تستطع النوم، بقيت مستلقية على السرير وهي تتأمل كل شيء ستفتقده في منزلها، لم تركب كاترين طائرة من قبل، ولم تبتعد يوماً من كرملش”.

وأشار التقرير، إلى أن “العائلة أمضت بضعة أيام في بغداد، وتوقفت موقتاً في الأردن وألمانيا ونيو جيرسي، وأخيراً وصلت إلى ديترويت بعد رحلة مرهقة، لم يكن مر على وجود العائلة في ديترويت سوى أقل من ثلاثة أشهر عندما سمعت أن تنظيم داعش كان يزحف شرقاً صوب كرملش، لطالما نشطت الجماعة الإرهابية وأتباعها في المناطق الواقعة جنوب سهل نينوى، لكن إيفان وكاترين اعتقدا أن بلدتهما آمنة من شر تلك الجماعة، حاولا وقتها جاهدين التواصل مع أفراد عائلاتهما سواء عبر الهاتف أو الرسائل النصية؛ لكنهم لم يتلقيا أي رد، وشعرا بوطأة المسافة التي تفصلهما عن جميع أحبابهما، والتي تزيد على 6 آلاف ميل”.

nasn

المسيحية في سهل نينوى

مصير المسيحية في مناطق مثل سهل نينوى له أبعاد ودلالات جيوسياسية أيضاً، عادة ما تمثل الأقليات الدينية اختباراً لمدى تقبل أي دولة التعددية، فالديموقراطية الليبيرالية السليمة تحمي الفئات الضعيفة، وتتيح لها المشاركة بحرية في المجتمع، ويعد ازدهار المسيحيين وبقاؤهم في البلدان ذات الغالبية المسلمة، مؤشراً حاسماً على إمكان ازدهار الديموقراطية في تلك البلدان، إلا أن المستقبل يبدو قاتماً في العراق، تماماً كما الحال في دول أخرى في المنطقة، تعد موطناً تاريخياً لمجموعات سكانية مسيحية، من بينها مصر وسوريا وتركيا، إذ يتعرض المسيحيون الذين يعيشون في تلك البلدان للتمييز والترهيب اللذين تقف وراءهما الدولة علاوة على العنف المتكرر”.

لكن المسيحيين يمتلكون حليفاً قوياً ومؤثراً هو حكومة الولايات المتحدة الأميركية، التي جعلت دعم الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط أولوية صريحة لسياستها الخارجية، بإدارة دونالد ترامب، أكثر حتى مما كانت عليه الحال في عهد جورج دبليو بوش أو باراك أوباما، فمذ تولى ترامب الرئاسة، تلقى سهل نينوى مبالغ طائلة من حكومة الولايات المتحدة لاستثمارها في المنطقة.

يرتكز هذا الموقف الأميركي في السياسة الخارجية جزئياً على السياسات المحلية للبلاد، إذ يولي الناخبون المحافظون الذين ساعدوا على فوز ترامب اهتماماً عميقاً بالمسيحيين المضطهدين، ويعربون عن قلقهم هذا من خلال لوبي استثنائي فعال في العاصمة واشنطن، لكن محنة المسيحيين في المنطقة هي أيضاً نتاج طبيعي لسياسات حكومة تعتبر أن السياسة الخارجية ما هي إلا صراع من أجل الحفاظ على الهيمنة العالمية للغرب، وبالنسبة إلى ترامب، يمكن أن تكون المسيحية حصناً منيعاً للقيم الغربية في منطقة تعجّ بأعداء متخيلين.

nasn

ليلة التجلّي

وبشأن تفاصيل بدء سقوط المناطق المسيحية وتنسيقها مع قوات البيشمركة ذكر التقرير، “حل الليل على كرملش، في 6 آب/ أغسطس من عام 2014، الموافق لعيد التجلي، الذي يُحتفَل فيه بظهور المسيح وتجليه لتلاميذه. على مدار الأسابيع السابقة لذلك اليوم، تواصل الكهنة في سهل نينوى مع قوات البيشمركة الكردية، في ما يتعلق بالتهديد المحتوم المتمثل في قوات تنظيم داعش، ففي وقت سابق من ذلك الصيف، تقدمت قوات التنظيم سريعاً على الجبهة الشرقية عقب سيطرتها على الموصل، الواقعة على بعد 15 ميلاً من كرملش. وعلى رغم إعلان أبي بكر البغدادي قيام خلافة إسلامية جديدة، من جامع الموصل الكبير، فقد تعهدت القوات الكردية بالدفاع عن المنطقة”.

وتابع التقرير، “إلا أن هذه الليلة شهدت تقدم قوات تنظيم داعش، بينما قررت قوات البيشمركة التراجع، وعند الساعة 11 مساءً، قرع ثابت، شقيق كاترين، جرس كنيسة مار أدي (القديس أدي)، كنيسة كرملش الرئيسية، الذي يصل رنينه إلى كل بيت في المدينة الصغيرة، وبالنظر إلى الموعد المتأخر الذي قُرع فيه الجرس، لم يكن هناك سوى تفسير واحد لذلك الصوت المألوف، التحذير من خطر داهم، وفي ساعتين تقريباً، كانت معظم العائلات، البالغ عددها 820 عائلة، في طريقها إلي الخروج من البلدة، متجهة شرقاً، سعياً إلى الأمان في بلدة أربيل ذات الأغلبية الكردية”.

ولفت التقرير، إلى أن “ثابت انتظر إلى أن يتأكد من إجْلاَء الجميع، قبل أن يغادر بدوره، حاول ثابت البقاء متفائلاً، حتى أثناء نزوح قومه”، قال لي قبل مدة قصيرة، بينما كنّا نقود على الطريق الترابي الممتد غرباً من أربيل إلى الموصل، “كان لدي أمل ضئيل بأن تنظيم داعش لن يأتي”، شاهد ثابت تراجع البيشمركة، وتخليهم عن كرملش، فأدرك أن مدينته سقطت، وفي ساعات قليلة، وصل مقاتلو تنظيم داعش إلى مدينته.

nasn

الدمار المذهل

وعن لحظات معارك التحرير التي خاضتها القوات الأمنية والمشاهد الاولى للمدن بعد التحرير بالإضافة إلى حجم الخسائر التي خلفتها عمليات التحرير ذكر التقرير، “استغرق الجيش العراقي أكثر من عامين لاستعادة سهل نينوى، قبل أيام من تحرير كرملش، صعد ثابت جبلاً صغيراً فوق سهل نينوى الذي كان يشهد معارك الجنود، رأى مستخدماً نظارته المكبرة، دخاناً يخيم على مدينته، وعقب انتهاء القتال، كان ثابت أول السكان الواصلين إلى المدينة من جديد”.

وأضاف، “كان مشهد الدمار مذهلاً، فقد قُطعت يدا تمثال لمريم العذراء، وهو تمثال بالحجم الطبيعي، تظهر فيه مرتدية عباءة زرقاء زاهية، أما أجراس كنيسة القديس أدي، التي كانت تُنذر السكان بوصول تنظيم داعش، فقد وُجدت مائلة، وأحرق جزء من الكنيسة وتفحّم لونه”، لافتاً إلى أنه “ببطء، بدأ ثابت والكهنة الآخرون في المنطقة عملية إعادة البناء، وجهز القادة في كل مدينة تقييمات مفصلة للمباني المحلية وأحصوا الخسائر والأضرار في نطاق سهل نينوى”.

ولفت، إلى أنه”وضع ثابت خريطة لبلدة كرملش على أبواب بيوت الكهنة، كان فيها مربع صغير يمثل منزل والديه، ملون بالأحمر في إشارة إلى تحطّمه، علاوة على مربع آخر يُظهِر بيت كاترين وإيفان الذي نُهب، ولكنه نجا إلى حد كبير من التدمير والخراب إجمالاً، تضرر قرابة 672 منزلاً ما بين حرق وتخريب، وهدم نحو 100 منزل بالكامل”.

وتابع التقرير، “في خريف عام 2017، بدأ السكان كرملش الأوائل يعودون إلى منازلهم، وامتلأت الشوارع تدريجياً بدلالات صغيرة على عودة الحياة إلى طبيعتها، فتجد من ينادي على الأطفال، ومن بدأ زراعة حديقة المنزل، في حين يتسامر الرجال ويجلسون على كراسٍ بلاستيكية زاهية، تحت أضواء المصابيح. بدءاً من هذا الربيع، عادت 450 أسرة (على رغم أن الغالبية لم ترجع إلى الديار) إلى منازل الأقارب أو الجيران أو حتى الغرباء الذين اختاروا عدم العودة. كما أن هناك لافتة قرب الكنيسة، مكتوبة بالعربية والإنكليزية غير الصحيحة، ترحب بالعائدين”، مشيراً إلى أنه “إلى الآن تنتشر المنازل الخاوية في المدينة في المناطق الأكثر حيوية، في انتظار أصحابها الذين لا يشعرون بقدر كافٍ من الأمان ليعودوا إلى ديارهم، وغادر بعض المسيحيين المنطقة بالكامل، وبدأ آخرون حياة جديدة في مدينة أربيل”.

nasn

الهروب من الإهانة

وبشأن الهجرة إلى أميركا والتباين في القبول والرفض بين رئاستي الجمهورين والديمقراطيين، أشار التقرير، إلى أن “فرص الذهاب إلى الولايات المتحدة غدت أندر مما كانت عليه حين قررت كاترين المكو وأسرتها الهجرة إلى ديترويت، يقابل التزام إدارة ترامب دعم المسيحيين في الشرق الأوسط، انخفاض حاد في عدد اللاجئين المسيحيين المسموح لهم بدخول الولايات المتحدة، أما في عهد أوباما، فقال مناصرو المسيحيين، إن الديموقراطيين رفضوا السماح للمسيحيين المضطهدين بدخول بلدهم، ولكن عدد المسيحيين المقبولين (المهاجرين من العراق) انخفض بنسبة 98 في المئة، خلال العامين الماضيين”.

وتابع ، أنه “ووفقاً للبيانات الواردة عن وزارة الخارجية الأميركية ومؤسسة الإغاثة الخيرية العالمية، فلم يُسمَح سوى لـ23 مسيحياً عراقياً بدخول الولايات المتحدة عام 2018، مقارنةً بحوالى 2000 شخص عام 2016. لذا تتطلع الأسر والعائلات في العراق الآن إلى الهجرة إلى أوروبا وأستراليا بدلاً من الولايات المتحدة”.

وينقل التقرير عن ‏مسؤولون في إدارة ترامب قولهم، إن “صغر عدد السكان المسيحيين في سهل نينوى، سيسفر عن أضرارٍ طويلة المدى في المنطقة، وقد أصابوا بصورة أو بأخرى، فكلما قل عدد المسيحيين، قل تمثيلهم في الحكومة العراقية، وقلّت احتمالات استجابة بغداد للمخاوف المسيحية.”

في عهد أوباما، ‏شارك الزعماء المسيحيون العراقيون ومساعدوهم في واشنطن، في حملة طويلة الأمد لجمع الأموال لمسيحيي سهل نينوى. كما وفّرت لهم الحكومات الأجنبية أموالاً، بطرائق غير مباشرة من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، الذي كان المسؤول الرئيسي عن تنمية المنطقة. ومع ذلك، أعرب الزعماء الدينيون العراقيون، في مرحلة مبكرة، عن استيائهم من أداء الأمم المتحدة. ‏ورأوا أنها عيّنت موظفين بأجور عالية وأداء دون المستوى.

عملت وفود من كنائس المنطقة مع منظمات دولية غير حكومية على تشكيل “لجنة إعادة إعمار نينوى”، ووظفت عاملين محليين لإعادة بناء البيوت في بلداتهم. أفادت اللجنة بأن أموال الإغاثة ستُستخدَم بصورة أفضل إذا ذهبت مباشرة إلى الكنائس.

بدأ مناصرو المسيحية إثارة هذه القضية في واشنطن، وقريباً ستستجيب إدارة ترامب للأمر. بتوجيه من الرئيس، طلب نائبه مايك بنس من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية “USAID” (وهي الوكالة التي تموَل مشروعات التنمية حول العالم)، إتمام عملية تمويل خاصة لا تعتمد تماماً على الأمم المتحدة. وعندما فشلت هذه العملية في تحقيق ما ترنو إليه الطوائف المسيحية العراقية، أصدر بنس بياناً شديد اللهجة قال فيه “إننا لن نسمح بالتأخيرات البيروقراطية”. وأدان فشل الحكومة في الوفاء بالالتزامات التي قطعتها للأقليات في العراق.

اعتمدت الولايات المتحدة في عهد ترامب الموقف القائل بأن حماية المسيحيين والأقليات الأخرى، هي سمة أساسية لحفظ الأمن في الشرق الأوسط.

nasn

داعمو الشبك

وبشأن دعم الشبك ذكر التقرير، أنه “في السنوات الأخيرة، يزعم القادة المسيحيون أن الشبك (أقلية عراقية) وجدوا داعماً قوياً لهم هو إيران، فيما نفى قادتهم وجود علاقات مع النظام الشيعي القريب منهم، ولم تجد وزارة الخارجية الأميركية أدلة قاطعة تشير إلى تلك العلاقات المزعومة، وفق المعلومات المتوافرة، ومع ذلك، يعتقد القادة المسيحيون أن مجموعة الشبك تحاول إخراج مجتمعاتهم من سهل نينوى”.

وأضاف “تقع على بعد 10 دقائق من بلدة كرملش عبر الطريق السريع الذي تسوده الفوضى، بلدة برطلة، وهي مدينة مسيحية أخرى من الناحية التاريخية، يخشى ثابت أنها قد تكون نموذجاً لما قد يؤول إليه مجتمعه في المستقبل، من جهة أخرى، يقول المسيحيون الذين عادوا إلى بلدة برطلة، إن الحياة في بلدتهم أصبحت أكثر صعوبةً مما كانت عليه قبل احتلال تنظيم داعش. فعلى رغم أن الكثير من الأعمال التجارية فتحت أبوابها من جديد، فإن الكثير منها لن يوظف مسيحيين”.

 

 

 

 

 

 

كلمات المفتاح:

رأي

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

رأي

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل