Shadow Shadow

ترمب: أسطورة خمسين ومئة قتيل مختلق

12:42 السبت 22 يونيو 2019
article image

 

سليم الحسني*

لم تكن هناك أوامر بضرب أهداف إيرانية، لقد جاءت الرواية الأميركية مرتبكة ضعيفة، فلا يمكن تصديق أن رئيس أكبر دولة يصدر أمره بضربة عسكرية ثم يكتشف بعد عشر دقائق أن الضربة ستتسبب بمقتل ١٥٠ شخصاً، فيصدره أمراً جديداً بإلغاء العملية.

لا يمكن تصديق كلام ترمب وهو يتحدث عن أخطر أزمة في المنطقة والعالم، وفي أكثر المناطق حساسية، فمثل هذه القرارات تختلف كثيراً عن قرار شرطي يصوب نحو مجرم، ثم يتراجع فجأة خوفاً على حياة آخرين.

لكن ترمب لم يكن أمامه غير هذا التبرير، فنزيف الهيبة الأميركية كان شديداً خلال الساعات التي تلت اسقاط طائرة التجسس الأكثر تطوراً، وقد شعر رجال البيت الأبيض أن رؤوسهم باتت ثقيلة لا يمكن رفعها في وجوه العالم، فكان لابد من تبرير طالما أن الردّ العسكري غير مضمون النتائج أو على الأقل أنه غير جاهز بعد.

يعرف ترمب أن روايته لن تقنع المسؤولين الإيرانيين، ويعرف أن السعودية والامارات وإسرائيل لن تقتنع هي الأخرى بروايته، لكنه يريد تضميد جرحه بأي قطب، وليس هناك أفضل من هذا. وكأنه يريد أن يوقف ضغط هذه الدول عليه في ضرب إيران، ولو بصورة مؤقتة ريثما يجد حلاً للأزمة التي صارت أزمته الشخصية.

أجواء العلاقة بين أميركا وإيران، تشبه إلى حد كبير أجواء أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا في تشرين الأول ١٩٦٢، حيث كان العالم يجلس عند الحافة الملتصقة بالحرب، وكانت تصريحات الرئيسين كينيدي وخروتشوف تصدر بمقياس حساس يزن الحرف عدة مرات قبل أن يخرج للعلن.

لقد كانت تلك أخطر أزمة في فترة الحرب الباردة، وأقرب نقطة إلى المواجهة النووية، وقد تم حلها بتنازل الطرفين، فقد تعهدت أمريكا بعدم غزو كوبا، وتعهد الاتحاد السوفيتي بسحب صواريخه النووية منها، وبذلك حفظ الطرفان هيبتهما من خلال التسوية، فلم يظهر أيّ منهما بمظهر المتراجع.

بين طهران وواشنطن، يصل الأمر الى نفس الحافة الملتصقة بالحرب، وكل عاصمة تدرك أن الضربة المفردة ستشعل ناراً لا تنطفئ، مع وجود عناصر ترجيح لصالح إيران كونها مشرفة على حقول النفط الخليجي، وحين تحترق الحقول فان حظوظ ترمب في ولاية ثانية ستمسي رماداً.

لقد فكّرت إدارة ترمب برد عاجل على إسقاط طائرتها، لكن الخيارات تدور كلها حول الهاجس المرعب: (الضربة المفردة تعني الحريق الشامل). غير أن مساحة الخيارات الضيقة جداً، دفعت الرئيس الأميركي الى اختلاق روايته ذات الدقائق العشر والخمسين ومائة قتيل مختلق.

خطوة أخرى أضعفت رواية ترمب، فقد أعلن في نفس الحديث الصحفي وبعد أن سرد قصته، استعداده لمفاوضات مع إيران من دون شروط مسبقة. هذا الموقف لا يتناسب مع رجل كان يفكر قبل قليل بتوجيه ضربة عسكرية، إنما يعبّر عن تفكير مَن يجد نفسه قد حاصر نفسه بأدواته الخاصة، ويريد أن يفك الحصار بيد الخصم.

لكن المفروض هنا، أن تقدّر القيادة الإيرانية موقف عدوها، فلا تزيد من نزيف الهيبة الذي يعاني منه، وأن تحوّل النقطة التي سجلتها باسقاط الطائرة، الى عامل توجيه للمفاوضات مع واشنطن، فهي إن وافقت على المفاوضات الآن، فستدخل القاعة وعلى وجوه مفاوضيها ابتسامة القوي، وستجادل طرفاً ينظر الى الأرض.

من الناحيتين الدبلوماسية والميدانية، فان إيران تقف حتى اللحظة في المكان الأعلى، وقد يتطلب ذلك أن تنظر بعين مرنة بعض الشيء لخصمها، وسيكون انتصارها مجيداً لو أجبرت ترمب على العودة الى الاتفاق النووي من دون قذيفة.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل