Shadow Shadow

* سهيل سامي نادر

14تموز: هذا صحيح ولكن!

09:14 الجمعة 19 يوليو 2019
article image

* سهيل سامي نادر

يسألني شخص: تصف الآن ثورة تموز 1958 انقلابا.. فهل رأيتها كذلك عندما حدثت؟ أجيب دون تلكؤ: لا!.

كنت شابا وكنت أراها تمثل شبابي.. شبابنا. إذا لم يكن هدف السؤال إحراجي، بل التوصل الى قيم نسبية نتفق عليها، فإن بالإمكان تعزيز حسن النية بيننا، ووصف التجربة السياسية في تحولاتها، في اختراق الزمن لها، عندها سنرى ألفاظنا تناور من الجانبين (نعم.. هذا صحيح ولكن!). سنكتشف ببساطة أسوأ البديهيات التي تثير فينا الإحساس بالتناقض أو المستحيل. لا أنا ولا صاحب السؤال نستطيع العودة. لا عودة للشباب، شبابي وشبابه وشباب الثورة. لم يعد ممكناً تصحيح الأخطاء، ولم يعد ممكنا التفكير بالاحتمالات على خط سير جرى قطعه. وما اعتدنا أن نسميها بالانجازات لم يعد لها وجود لكنها تقيم في جهازنا الفكري وتقييماتنا عن المرحلة، لكنها تقيم على نحو خاص في التجربة التي تحدتها تجارب وأفكار ومشاريع وزمن جديد. سنفاجأ بالنتيجة السياسية التي لم تعد محصلة نمو بل هي نكوص سريع انتهى بكارثة.

ليس الموت وحده هازم اللذات ومفرق الجماعات، بل الزمن كذلك، لكن الزمن عنصر بنائي يغير منظوراتنا. النسبي يعارضه أو يتفق معه نسبي آخر. في الزمن نتعلم عن أنفسنا وعن تجاربنا على نحو جديد. من وجهة نظر موضوعية ليس خاطئاً عدّ 14 تموز ثورة، هي ثورة وما عادت كذلك، ما عادت هي نفسها، ولا أنا صاحب التجربة والتقييم القديم نفسه. إذن لم تظل هي نفسها، وما عدت أنا  نفسي. كلا الموضوع والذات تغيرا.. يتغيران.

يحدثنا ماركس عن تلك النتيجة التي لم يردها أحد. إنها تستقل عن المتخاصمين، تستقل عني، وعنك ايها المتسائل، وكانت قد استقلت عن عبد الكريم قاسم مفجر الحدث السعيد، ولم يعد يقبض عليها.

هل نحن في جدال بشأن التقييم أم بشأن صيرورة ونتائج؟.

رداً على شيوعي ظل يدافع عن ايجابيات ثورة تموز من دون تشغيل جهاز ديالكتيكها الخاص، فبدت كأننا نعيش نعيمها الآن، قلت: 14 تموز هو الحادث السعيد للشيوعيين، والاخلاص لهذا الحادث بات يشكل سياسة كاملة. إن تقييم الحدث بمعزل عن نتائجه الموضوعية هو نوع من الهرب، هو الابقاء على طهارة فكرة، طهارة ذلك الحدث السعيد الذي لم يعد يوجد غيره في تاريخ الحزب المليء بالخسائر. لا يفعل هذا الا العاجزون عن تلقي تاريخ جديد، ومن المؤكد أنهم عاجزون عن الاسهام في صناعة هذا التاريخ.

والحال أن الشيوعيين أدركوا مبكرا تناقضات ثورة تموز بقيادتها القاسمية، ويشكل نقدهم لقيادة قاسم وتناقضاته ملفاً ضخماً مليئاً بالأحداث الجسام، وكان ينمو تماما باتجاه الكارثة. بيد أن الحزب ظل يمارس تكتيك تضامن – كفاح – تضامن، أثناء ما كان يندفع الى الفرع المقطوع. لقد سبقته الكارثة بخطوات.

أقول لقد سبقت الكارثة الحزب بخطوات، لكن الحزب حتى هذه الساعة لم يتحدث عنها أبدا الا بوصفها مؤامرة، وبهذا الوصف جرى تبييض وجه الثورة وقاسم، جرى العودة الى التقييم وليس الى الصيرورة والنتائج. ما عاد الديالكتيك يعمل الا بصفة قطعية. وسيصبح هذا التقييم مثل اللوح المحفوظ!.

في مقالات سابقة لي لم أتحدث عن الحدث التموزي كانقلاب بطريقة مجانية، ولقد أشدت بمكاسبه، وطيبة قلب قائده. بالمقابل لم أمدح الملكية على الرغم من انني بدأت أراها من منظور آخر. لكن ما الذي حدث لكي أمارس تقييما جديدا، يشاركني فيه، لدوافع مختلفة، الكثيرون؟.

لأنه في كل تحليل، في كل رأي، لا يمكن تفادي الحاضر الذي يكاد يمثل محصلة قوى ظاهرة وثاوية. حتى في تقييمنا للماضي ثمة هنا والآن تسحق أصابعي التي تكتب. ما من كتابة إلاّ وتبدأ من زمنها، وما من موضوعية معطاة بل هي أعمال بناء وإعادة تركيب.

إن ما سمّاه ماركس بالنتيجة التي لم يردها أحد لحظة فريدة تحتاج الى تحليل دقيق، لكن الواقع العراقي، المتحلل ، المفكك ، يقدم أفضل صورة لتلك النتيجة التي لم يردها أحد ، والتي بسبب فضاضتها وهلهلتها، تقترب من صورة مكر التاريخ الهيغلي، حيث الكل يعيش عدم رضا دائم، حتى اللصوص، ولاسيما السياسيون منهم.

ها أن مئات الالاف ينظرون الى ماضيهم بوصفه خطأ كبيرا يحتاج الى تصحيح، ومئات الالاف مثلهم يعيدون تقييم مجموع الحركة التي بدأت منذ 14 تموز عام 1958. لم يعد يكفي القول إن قاسم أخرجنا من الاسترليني، واصدر قانون 80، وقانون الأحوال المدنية التقدمي وو. ليس هذا في أفق التجربة الحالية. وليس هذا هو كل الماضي على اية حال. ابتعدنا عن الحدث التموزي بمسافة زمنية كافية لكي نتذكرها بوهن أو ننساها بقوة. كل تجربة تعلّم شيئا ما، فما الذي تعلمناه من هذه التجربة حقا غير أن نخسر ونحن نمارس التمجيد، أو نثير أمامنا تناقضاتنا القديمة وإخفاقنا المجلجل دون خجل؟ الاسلام السياسي المتحكم الان لا تعنيه تواريخ الحركة الوطنية، وقد أثبت أنه غير معني الا بالمغانم. نحن إزاء لحظة جعلت الجميع يستدعي الماضي في محاكمة، يقارن، يئن ويحن، يرعد ويزبد، يريد ويرغب. ولسوف تنبعث نوستالجيا في حب الماضي. ماض متشكل من قصص عن الباشا نوري السعيد، والملك المغدور، ودزينة من الأغاني الفولكلورية والمقاهي والشوارع والأطعمة والمناسبات الاجتماعية المنقرضة والكثير من التذكارات والاساطير والتفاهات. بات الماضي ملجأ، بات زمناً نفسياً. وثمة من يتحدث عن الماضي الجميل. لكن لا أحد يستطيع الرجوع اليه، ليس هناك برنامج سياسي بشأنه.. فلم الخوف منه؟.

إن اولئك الذين لم يولدوا في العهد الملكي سيختارونه كملجأ ضد ترهات الحاضر وأذاه ونذالته، وبالنسبة للمولودين في هذا العهد سيواصلون حك جراحهم التي لا تلتئم من العهود التالية. فالمواقف السياسية تصنعها التجربة لا المبادئ. ولسوف تضم كل العهود الأخرى في حقيبة واحدة، وهي موضوعيا لم تعد قائمة إلا حين يراد تخويفنا برجوعها.

ما الغامض في هذا التطور؟ ما الذي يجعل البعض يشعر أنه إزاء خيانة عظمى؟ وما الذي يجعلهم يدافعون عن ماض غير قائم، إزاء حاضر لا يمكن الدفاع عنه ونتمنى الهروب منه؟ ألم يهرب منه مكانيا مئات الآلاف؟.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل