Shadow Shadow

*رافد جبوري

هل تنسحب أميركا من العراق؟

16:47 الإثنين 15 يوليو 2019
article image

*رافد جبوري

تتصاعد التساؤلات حول ما تَردّدَ من تصريحات لمصادرَ في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خفض دائم في عدد الموظفين في سفارته في بغداد. الصيغة التي يتم الحديث عنها هي تمديد الخفض الذي جرى فعلا في الأشهر الأخيرة، حيث قامت واشنطن بسحب جزء كبير من موظفيها الدبلوماسيين في العراق ممن وُصفوا بأن دورهم ليس ضروريا.

لكن الحديث الآن يدور حول تحويل ذلك إلى تخفيض دائم للوجود الدبلوماسي. وحتى لو اتخذ القرار فعلا بإجراء تخفيض كبير في سفارة أميركا في بغداد فهل يعني هذا فعلا أن  هناك انسحابا أميركيا قادما من العراق؟.. الإجابة عن هذا السؤال تتطلب فهما لمرتكزات وأولويات الولايات المتحدة وإدارة ترامب تحديدا في العراق، فإذا كان السؤال يتعلق بالانسحاب العسكري لحوالي خمسة آلاف عسكري أميركي ينتشرون في قواعد مختلفة في مناطق غربي وشمالي العراق فإن هذا لن يحصل؛ فقد كان صعود تنظيم داعش واجتياحه لمناطق واسعة من العراق عام ألفين وأربعة عشر صدمة كبيرة للاستراتيجيات الأميركية في العراق والعالم؛ إذ وجدت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما نفسها في مأزق استراتيجي حينذاك أدى به الى اتخاذ قرار صعب هو العودة الى العراق الذي انسحب منه بقناعة تامة وكان يأمل أن يطوي صفحته تماما كأولوية في مجال السياسة الخارجية الأميركية.

أما ترامب فقد حدد موقفه حول الوجود العسكري في العراق قبل ان يصعد للرئاسة حتى، وهو إبقاء قوة من بضعة آلاف من العسكريين من اجل التأكد من عدم وقوع صدمة مثل صدمة صعود تنظيم داعش واجتياحه للمدن..  ذلك كان خيارا استراتيجيا لم يصنعه ترامب فقد كان موجودا قبل ذلك لكن اوباما لم يختره بل اختار الانسحاب الكامل للتخلص من العبء المادي والنفسي والسياسي الذي مثله العراق بالنسبة لواشنطن، أما ترامب فقد اتخذ ذلك القرار ولن يغيره؛ لأن القضية تتعلق بالأمن القومي الأميركي لا بسياسة أميركا في العراق فقط.

معلوم أن السفارة الأميركية في بغداد فهي واحدة من أكبر السفارات الأميركية وسيكون تخفيض عدد العاملين بصورة دائمة قرارا مهما يستحق الدراسة؛ لكنه لن يكون مستغربا عن ترامب وادارته التي تضيق بالأعباء المالية وتريد التخلص منها إلا انها في الوقت نفسه لا تساوم على قضايا الأمن القومي والإنفاق العسكري؛ بل تركز على تعزيز تلك المجالات.

لهذا قد يدوم تخفيض عدد الموظفين في السفارة وقد يتأثر التمثيل الدبلوماسي الأميركي وهو متأثر فعلا بإغلاق القنصلية الأميركية في البصرة؛ بسبب أحداث العام الماضي و التقدير الأمني الأميركي بوجود خطر من إيران وحلفائها في العراق على أمن وسلامة القنصلية.

وهذا طبعا كان أيضا هو الدافع وراء التخفيض في السفارة في بغداد؛ لا بل والقنصلية الأخرى في أربيلأيضا.

لن تنسى الذاكرة الأميركية أبدا عملية احتلال السفارة الاميركية في طهران قبل ثلاثة عقود بُعيد الثورة الإيرانية وكيف تعرضت ادارة الرئيس كارتر للإذلال ولم تنجح في تحرير الرهائن وكيف كان ذلك سببا في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية، كما كانت لحزب الله اللبناني في الثمانينيات عمليات خطف شهيرة لرهائن اميركيين في لبنان.

من الواضح أن القلق من سيناريوهات مثل تلك حاضرة في واشنطن خصوصا مع تصاعد المواجهة بينها وبين طهران حتى وان لم تتحول الى الحرب بعد. يراهن الكثيرون بشئ من عدم الواقعية على تصعيد اميركي يقوده ترامب ضد ايران يؤدي الى تغيير موازين القوى المحلية في العراق لكن ذلك مستبعد.

بات واضحا الان بعد اكثر من عامين ونصف على وجود ترامب في البيت الابيض على انه لن يحول العراق الى ساحة للمواجهة مع ايران بل على العكس تتصرف ادارته بعقلية دفاعية محظة تخشى تصعيدا ايرانيا ضدها في العراق وقد كانت تلك الرسالة التي جاء بها وزير الخارجية مايك بومبيو الى رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مطالبا اياه بضمان الدفاع عن القوات الاميركية في العراق.

أميركا هي القوة الاكبر في العالم لكن قواتها في العراق ليست قوات قتالية مجهزة بوسائل الدفاع والردع المباشر ذلك سيتطلب ارسال مئة الف عسكري آخر على الاقل وهو أمر من شبه المستحيل ان يقرره ترامب المعادي للحروب في العراق وافغانستان لانها ارهقت الخزينة الاميركية وكلفتها مئات المليارات فيما جنت منها ايران مكاسب استراتيجية هائلة بلا ثمن.

وحتى إن حصل التخفيض الدبلوماسي فلن يحصل انسحاب اميركي من العراق لكن ليس بسبب الحكومة العراقية او اي من اجراءاتها. أميركا في عهد ترامب مثلها في عهد اوباما وبوش الابن تسلم لايران بدور في العراق ولا تريد ان تدفع الثمن الكبير المادي والعسكري والسياسي والدبلوماسي لإحداث تغيير جذري في نظام الحكم في العراق؛ لكن الرهان الأميركي مستمر على حدوث تغيّر بطيء في التوجهات العراقية نحو مزيد من الثقة و الاستقلالية والتوجه بعيدا عن إيران أو موازنة نفوذها بحضور من الدول العربية التي تعززت علاقات العراق بها في السنوات الأخيرة.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل