fbpx
Shadow Shadow

 نازل اخذ حقي.. اريد وطن

12:25 الأربعاء 22 يناير 2020
article image

طارق الشطري

هذا ما كتبه ابني جعفر في الصف الثالث الابتدائي في بداية التظاهرات، الشعار المركزي لانتفاضة تشرين، وأرسل لي صورة ماكتبه عبر تطبيق الواتساب من تليفون والدته دون علمها.

تفاجئت من المسج!! وسرعان ما اتصلت بزوجتي أجابت لا اعرف؛ بعد الاستفسار قال لها ابني:

انا ارسلتها الى بابا.

شعرت حينها بحزن شديد كأن ابني يعرف اني اعمل في الحكومة، موظف خدمة عامة،ليحملني مسؤولية فقدانه للوطن !!!!

فسألت نفسي جملة تساؤلات:

لماذا ابني بعث هذه الورقة لي ولم يبعثها الى والدته او ينتظر لحين عودتي من العمل ليريني ما كتب ؟ هل شعر هذا الطفل الصغير بأن والده يتحمل مسوؤلية ضياع وطنه الذي يبحث عنه؟ ام انه اراد ان  يعبر عن رأيه تضامنا مع المتظاهرين الذين اختزلوا جميع مطالبهم بهذا الشعار، او ربما وجد في الاب دكتاتور منعه من استخدام الايباد ولعبة البوبجي التي يعتبرها عالمه الحقيقي وليس الافتراضي وقد سلبها منه والده فانتفض بوجه ابيه صادعا بقلمه ذات الالوان الزاهية ونامله الرقيقة التي تأكد ان تمسك القلم بثبات والتي لا تزال تتدرب على رسم الحروف  اريد وطن ، ام وجد والده يرتدتي البدلة الرسمية وهي ذات البدلة التي يرتديها المسوؤلين الذين هتف المتظاهرون ضدهم ” شلع قلع كلكم حرامية” فاعتقد بأن والده قد يكون احد هولاء اللصوص ؟ ام لانه اعتاد ان يطلب الالعاب والاشياء التي يريدها من ابيه ودائما ما يقول بابا اريد كذا وكذا فعندما وجد كلمة اريد في شعار المتظاهرين اعتقد  ان الوطن لعبة وبابا قادر على شرائها له!!! كي يتباهى بها امام زملائه بابا جلب لي وطن!!!! ثم السؤال الاكبر الذي تبادر الى ذهني كيف لي ان استجيب الى مطلب ابني باستعادة موطنه اليه؟ كيف لي ان اُعيد ثقة الابن بأبيه ؟

كيف لي ان لا اخييب ظن ابني وابقى في نظره الاب المثالي الذي  يلبي جميع طلبات اولاده؟

كيف لي ان انفذ هذا الطلب الصعب لابني الوحيد؟  ثم بعيدا عن السردية ومحاكاة الاب والابن .

لم يستفز افكاري هذا الشعار المركزي الذي طرحه متظاهري ساحة التحرير ، وظننته شعارا عابرا وانه احد اشتراطات التظاهر بأن تكون هناك شعارات تصدع بها حناجر المتظاهرين لتعبير عن مطالبهم،

الا انه بعد ان قرات الشعار ذاته بخط ابني الذي اعتاد على كتابة بابا وماما ودار والمزمار وغيرها من الكلمات التي كنا تعلمناها سابقا في القراءة الخلدونية التي وضع منهجها ساطع الحصري،

فلذلك استغربت واستغرقت في ذات الوقت للتفكير في عمق وابعاد مضمون هذا الشعار  الذي كتبه طفلا لا يتجاوز التاسعة من عمره فتبادر الى ذهني سؤال بديهي وربما قد يكون ساذجا

ما هو الوطن الذي يبحث عنه المتظاهرين ؟ الم يعيشوا في بلد عمقه الحضاري موغل في القدم له علم وحدود مرسومة، ويعيش عليه مجموعة من الناس يعرفون بالشعب، معترف به دوليا، يمتلك ثروات طبيعية ، أليس هذه هي اشتراطات الوطن المتعارف عليها بديهيا؟

يبدو من خلال قراءة معمقة لمفهوم الوطن وفقا لمنظور الشعار الذي طرحه المتظاهرين يختلف عما هو متعارف عليه،  فالوطن يعني بناء الأنسان، الوطن يعني ان يعيش الفرد بكامل حقوقه الطبيعية: حق الحياة، حق السكن، حق العيش الكريم، حق حرية التعبير، حق الخدمات، حق التعليم، حق الامن والاستقرار، حق تكافئ الفرض، حق العدالة الاجتماعية، حق المساواة، حق التنمية، حق الاعتقاد ، الحرية الشخصية وأخيرًا حق الحكم الرشيد.

هذه  الاشتراطات مفاهيم يتجلى  فيها مصداق الوطن اذا ما اكتسبها الفرد حينئذ يمكن ان يتحول البلد الى وطن، اما اذا بقيت هذه الاشتراطات محبوسة في إطارها المفاهيمي دون إطلاق سراحها وترجمتها على ارض الواقع فلا يمكن ان يكون هناك وطن .

وفقا لما تقدم فالوطن ركيزته الاساسية هو المواطن والمواطنة اي الهوية الجامعة التي تحرص الدول المتقدمة والأمم الحية على حمايتها وترسيخ قيمها بين مواطنيها من خلال الاستجابة الى اشتراطاتها التي ذكرناها، اذن الهوية الوطنية او المواطنة وفقا لاشتراطات الحقوق هي حجر زاوية في بناء الأوطان، فالأوطان لا تبنى بالتمني او العواطف والمشاعر  الجياشة من خلال الأغاني الوطنية التي ربما تثير فينا حماسة وطنية وقتية لا تتعدى وقت الاستماع للأغنية وكذلك هي ليس شرابا او كبسول يتعاطاه المريض كي يشفى من الزكام او السعال، وليس من خلال الجلوس على مدرجات الملاعب وشاشات التلفاز والتوشح بالعلم العراقي وارتداء القميص الاخضر لتشجيع المنتخب الوطني في لعبة لكرة القدم . مع اهمية هذه المشاعر والعواطف ينبغي توظيفها لترسيخ قيم المواطنة تعزيزا واعتدادا بالهوية الوطنية، لكن حسب فهمي الوطن لابد ان يرتكز على قاعدة صلبة عمادها

ثنائية الحقوق والواجبات اذا لم يتم الموائمة بينهما تحولت هذه الثنائية إلى جدلية اختل فيها ميزان العدالة الاجتماعية واذا ما اختل الميزان تشظت الهوية الوطنية الى هويات فرعية ابتلعت الهوية الجامعة وإحالتها  الى شتات.

ما حصل في العراق الذي اصبح للأسف بلد بلا وطن ولا مواطنة وهذا ما يريد الشباب الثائر استعادته وفق شعارهم الذين رفعوه  منذ باكورة انطلاق انتفاضة تشرين التي تهدف إلى اعادة صهر الهويات الفرعية في بوتقة الهوية الوطنية التي وأدها حراس الطوائف والأحزاب السياسية .

رسالة إلى ولدي….

ولدي العزيز  احيي أناملك الصغيرة التي كتبت هذا  الشعار باحثة عن وطن لطالما حلم به أباك فحتما سيتحقق هذا الحلم الذي احاله الشباب الى مشهد دراماتيكي بدمائهم التي سالت في الشوارع والأزقة لجمع قطع الهويات الثانوية املا في تشكيل موزايك الهوية الوطنية بطريقة تراجيدية أذهلت كل العالم.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل